تلتهم قفزات أسعار الدقيق الحر هوامش أرباح أصحاب المخابز السياحية في مصر بعدما تجاوز سعر الطن حاجز واحد وعشرين ألف جنيه، مما يضع صناع الرغيف اليومي في مواجهة مباشرة مع شبح الإغلاق القسري وتوقف عجلة الإنتاج اليومية.
وعلى وقع هذه الزيادات القياسية، تصطدم مساعي أصحاب المخابز لرفع أسعار الخبز بنسبة 15 في المئة بجدار التسعيرة الإلزامية التي فرضتها حكومة الانقلاب، وسط عجز رقابي واضح عن كبح جماح أسعار المواد الخام.
تآكل أرباح المخابز وفشل التسعيرة الجبرية
وفي سياق الأزمة المتفاقمة، يرى مصطفى عبد السلام، الصحفي المتخصص في الاقتصاد ، أن فرض تسعيرة جبرية للمنتج النهائي دون السيطرة على تكلفة الدقيق الحر يمثل تشويهًا هيكليًا يدمر اقتصاديات الإنتاج الخاصة.
ومن هذا المنطلق، يؤكد عبد السلام أن إلزام المخابز ببيع رغيف الفينو بوزن خمسين جرامًا مقابل جنيهين يحمّل أصحاب المنشآت فروق أسعار فادحة، نتيجة ارتفاع طن الدقيق بنحو أربعة آلاف وخمسمائة جنيه خلال أسابيع قليلة.
وبالتوازي مع ذلك، تؤدي هذه المعايير غير الواقعية إلى لجوء غالبية المخابز إما لتقليص أوزان الأرغفة بصورة خفية لتعويض الخسائر الفادحة، أو الإغلاق التام هربًا من الغرامات والعقوبات التموينية الصارمة التي تطالهم يوميًا.
وبحسب تأكيدات المنتجين، فإن تسعير الرغيف السياحي وزن ثمانين جرامًا بجنيهين يمثل ضغطًا تعجيزيًا في ظل ارتفاع مدخلات الإنتاج الأخرى، مثل الخميرة والزيوت وفواتير الغاز والكهرباء وأجور العمال التي تضاعفت مؤخرًا بشكل حاد.
وعلاوة على تلك الضغوط، تزامنت هذه الزيادات مع بدء الموسم الدراسي وزيادة اعتماد الأسر الكادحة على المخبوزات في وجبات أطفالهم اليومية، الأمر الذي يزيد من حدة الصدمة المعيشية على كاهل الطبقات الفقيرة والمهمشة.
ونتيجة لهذا التخبط الحكومي، باتت تدابير وزارة التموين عاجزة تمامًا عن توفير شبكة أمان واقعية للمنتجين، مكتفية بتهديدات رقابية رادعة تزيد من قتامة المشهد الاقتصادي وتدفع القطاع نحو شلل شبه كامل في الإنتاج.
أزمة الاستيراد وفوضى أسواق الحبوب
وفي هذا المضمار الاقتصادي، يؤكد الدكتور مدحت نافع، أستاذ التمويل والاستثمار بالجامعة الأمريكية، أن شح النقد الأجنبي وانهيار العملة المحلية فاقما أعباء استيراد القمح بنسبة خمسة وعشرين في المئة منذ شهر سبتمبر الماضي.
ويوضح نافع بدقة بالغة أن قفز سعر طن الدقيق الزيرو من ستة عشر ألف جنيه في أغسطس إلى عشرين ألف جنيه أربك سلاسل الإمداد الداخلية وفضح هشاشة إجراءات التدخل المالي التي تتباهى بها الجهات الرسمية.
واستنادًا إلى المؤشرات التجارية، فإن ارتفاع تكاليف الشحن الدولي ورسوم التأمين البحري زادا من فاتورة استيراد الحبوب بنسبة اثني عشر في المئة، مما نقل عبء التضخم الخارجي مباشرة إلى جيوب المستهلكين داخل الأسواق المحلية.
ومن جانب آخر، تظل مبادرات غرفة صناعة الحبوب لتوفير الدقيق بسعر التكلفة مجرد مسكنات وقتية محدودة الأثر، في ظل عجزها عن تلبية استهلاك السوق الحرة البالغ خمسمائة وستين ألف طن شهريًا من القمح.
وتتجلى معالم الخلل في استحواذ مصانع المكرونة والمخبوزات السياحية على أربعمائة ألف طن من تلك الحصص الشهرية، بينما تترك المطاحن الخاصة فريسة سهلة لتقلبات أسعار الصرف والمضاربات العشوائية السائدة دون أي حماية حقيقية.
وبناءً على هذا الواقع، تصبح وعود استقرار أسعار المخبوزات عبر تسليم دقيق مدعوم صورية تمامًا، إذ تعجز البيروقراطية الرسمية عن تغطية احتياجات عشرات الآلاف من المخابز السياحية غير المرخصة المنتشرة بالقرى والأحياء الشعبية.
اضطرابات الإمداد وتفاقم المخاطر الجيوسياسية
وحول التداعيات الدولية للأزمة، يرى الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية وخبير الأمن الغذائي الدولي، أن ارتهان القرار التمويني بتقلبات منطقة البحر الأسود هو الثغرة الاستراتيجية التي تستنزف الاحتياطيات النقدية والغذائية لمصر.
ويشير نور الدين بموضوعية إلى أن توجه الدول الكبرى كأمريكا وروسيا لتعزيز مخزوناتها الذاتية يقلص الفائض المتاح للتصدير، مما يجعل الدول المستوردة وفي مقدمتها مصر تحت رحمة ارتفاعات متتالية لا تملك قدرة صدها.
وفي ضوء هذه التحديات، يعتبر الحديث عن هدوء الطلب بعد انقضاء الأسابيع الأولى من العام الدراسي مجرد وهم مؤقت، لا يعكس التهديدات المتراكمة التي تحاصر صناعة الخبز مع اقتراب فصل الشتاء وتقلباته المناخية.
وتماشيًا مع تلك المعطيات، فإن صعود أسعار القمح عالميًا بستة في المئة مؤخرًا ينذر بتجدد موجات الغلاء، وسط فراغ واضح في السياسات الزراعية التي عجزت عن تحقيق أدنى درجات الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية.
وتأكيدًا على انسداد الأفق، تدفع قرارات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الاقتصادية بقطاع المخابز نحو حافة الإفلاس، جراء رفع الدعم وتحرير المحروقات وتحميل صغار الكسبة تبعات تدهور العملة وأزمات الديون الخارجية المتراكمة.
وإزاء هذا الانسداد الكامل، يبقى رغيف الخبز رهينة لسياسات الجباية والضغوط التضخمية، بينما يواجه ملايين المواطنين خطر الحرمان من قوت يومهم الأساسي في ظل عجز حكومي شامل وفقدان السيطرة على الأسواق والأسعار.

