في إطار المساعي لخنق الفضاء الإلكتروني، آخر ما تبقى من من مساحات التعبير المتاحة للمواطنين وللصحافة المستقلة، تضمن تقرير اللجنة الوزارية المشكلة بدراسة الإجراءات التنظيمية لمواجهة الممارسات السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي، والمقدم إلى مجلس الوزراء اليوم، مقترحًا يقضي بإنشاء "غرفة عمليات" مركزية مشتركة، تُوكل إليها مهمة فحص ودراسة وتصنيف المخالفات المرصودة عبر الفضاء الرقمي، واتخاذ تدابير عقابية حاسمة تتناسب مع جسامة الخطأ.
ووفقًا للتقرير الحكومي الذي استعرضه مجلس الوزراء، خلال اجتماعه اليوم برئاسة مصطفى مدبولي، تهدف غرفة العمليات المقترحة إلى خلق آلية تقييم علمية وقانونية تفصل بدقة بين المخالفات السلوكية الفردية، وبين الممارسات المُنظمة والمُمنهجة التي تستهدف الأمن المجتمعي، أو الاقتصاد الوطني، أو تسعى لتزييف المحتوى عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي الضارة.
عقوبات متدرجة ولجنة خبراء متعددة التخصصات
وتعتمد الغرفة في استراتيجيتها التنفيذية على تطبيق منظومة "العقوبات والتدابير المتدرجة" حيال الحالات المحالة إليها من مركز الرصد الآلي الوطني، حيث تتبنى الإجراءات المسارات الآتية تِبعاً لحجم وجسامة المخالفة الرقمية:
1. الإنذار الرسمي: توجيه إنذار أولي للمخالف وتنبيهه بالالتزامات القانونية.
2. تعطيل الخدمة أو الحجب: اتخاذ إجراءات تقنية فورية لحجب المحتوى أو تعطيل الحساب بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
3. الملاحقة القضائية: إحالة الملف وإبلاغ السلطات القضائية والجهات المختصة لتطبيق العقوبات الجنائية المشددة في المخالفات الجسيمة والشائعات الممنهجة.
ولتجنب المعالجة الأمنية والتقنية الصرفة، اقترح التقرير أن تضم غرفة العمليات تمثيلاً مباشرًا للوزارة المعنية بالإعلام، إلى جانب نخبة من الخبرات والكفاءات في المجالات الاجتماعية، والنفسية، والثقافية، والفنية. وتتولى هذه التوليفة البشرية تحليل الظواهر المرصودة، ووضع منهجيات علمية مدروسة لمواجهة الأفكار الهدامة والممارسات الشاذة فكريًا بأسلوب يقوم على الوسطية والاعتدال، بالتوازي مع الإجراءات القانونية الصارمة.
مقترحات مثيرة لمخاوف المعارضين
وتثير المقترحات السابقة، مخاوف حول تحويل هذه المقترحات إلى واقع تنفيذي، في ظل لاعتماد على مصطلحات عامة مثل "المحتوى المخالف" أو "ممارسات سلبية" أو "الأفكار غير المعتدلة" دون صياغة تعريفات قانونية صارمة ومحددة؛ مما يمنح جهات الرصد الإداري سلطة تقديرية واسعة لتصنيف أي محتوى نقدي كـ "مخالفة نظامية" تستوجب العقاب الجدرجي.
كما يثير مقترح منح "غرفة العمليات" الإدارية صلاحية اتخاذ إجراءات فورية بحجب الحسابات أو تعطيل الخدمات الرقمية للمستخدمين -قبل صدور أحكام قضائية باتة- انتقادات حادة؛ كونه يمثل تغولاً للسلطة التنفيذية على الاختصاص الأصيل للقضاء، ويحرم الأفراد من حق الدفاع والتقاضي الطبيعي.
استغلال "منظومة التراخيص" كأداة إقصاء
علاوة على ذلك، تبرز المخاوف من تكرار الأزمة الحالية، حيث يُعاقب الأفراد أو المنصات بتهمة "العمل دون ترخيص" أو "مخالفة السلامة الرقمية" في حين يواجهون عقبات إدارية معقدة وتجاهلاً لطلبات التقنين الرسمية؛ وهو ما تجسد أخيرًا في الحكم بإغلاق موقع "مدى مصر" المستقل وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله بذات التهمة رغم سعي الموقع المستمر للترخيص منذ سنوات.
كما يمثل إشراك خبراء نفسيين واجتماعيين في لجنة فحص أمنية/تقنية لوضع "منهجية علمية للمواجهة الفكرية" محاولة لنمذجة وتأطير الخطاب العام للمجتمع وتحديد مسارات التفكير المسموح بها رقميًا، مما يتنافى مع مبادئ التعددية الثقافية والسياسية وحرية الرأي.
ويمتلك النظام بالفعل سوابق ممتدة في حجب حسابات معارضة ومواقع إخبارية مستقلة مثل منصتي "مدى مصر" و"متصدقش"؛ وبالتالي فإن حوكمة هذا الرصد عبر "مركز وطني وغرفة عمليات" بآليات آلية قد يؤدي إلى رقابة ذاتية قسرية وخوف مجتمعي من ارتياد الفضاء الرقمي، ما يؤثر سلباً على طموحات الدولة في التحول الرقمي وجذب الاستثمارات التكنولوجية القائمة على الانفتاح المعلوماتي.

