سلطت صحيفة "التايمز" البريطانية الضوء على التداعيات الاقتصادية الخطيرة للهجمات الصاروخية وبالمسيرات التي تشنها جماعة الحوثي على الأراضي السعودية، محذرة من أن استمرار هذا التصعيد يهدد طموحات ولي العهد محمد بن سلمان الاقتصادية.
وتهدد هذه الهجمات المتواصلة مساعي تحويل المملكة إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة ضمن مشروع "رؤية 2030"، حيث فرضت التطورات الميدانية المتسارعة تحديات غير مسبوقة أمام صانعي القرار الاقتصادي في العاصمة الرياض.
إلغاء المؤتمر واستهداف شريان الطاقة السعودي
وفي هذا السياق، تمثل أبرز مظاهر الأزمة في إلغاء انعقاد مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" المقرر في الرياض، والمعروف عالميا باسم "دافوس الصحراء"، وذلك نتيجة التداعيات الأمنية المباشرة التي فرضتها الضربات الأخيرة على البلاد.
وجاء هذا القرار بعد أن تسببت الهجمات الحوثية في إغلاق مطار العاصمة، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة النطاق لدى كبار المستثمرين والمسؤولين الماليين الدوليين الذين كانوا يعتزمون المشاركة في هذه الفعالية الاقتصادية البارزة.
وعلاوة على ذلك، يستقطب هذا المؤتمر سنويا شخصيات بارزة من "وول ستريت" وقادة المؤسسات المالية العالمية، وقد تحول خلال السنوات الماضية إلى واجهة رئيسية تستعرض من خلالها المملكة مشروع تحولها الاقتصادي أمام العالم.
إلا أن الهجمات الأخيرة دفعت المنظمين إلى إلغاء النسخة المقررة هذا الشهر وتأجيلها إلى العام المقبل، مما يمثل ضربة معنوية كبيرة للجهود الحكومية الرامية إلى إظهار البلاد كوجهة آمنة ومستقرة لرؤوس الأموال.
ومن ناحية أخرى، تمكنت السعودية في البداية من تجنب جانب كبير من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في دول خليجية أخرى خلال الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران في المنطقة.
ورغم تأثر الصادرات النفطية السعودية بإغلاق مضيق هرمز، فإن المملكة لجأت سريعا إلى خطة بديلة تمثلت في تحويل مسار صادراتها النفطية عبر خط أنابيب استراتيجي يمتد باتجاه سواحل البحر الأحمر لتفادي التوقف.
غير أن الحوثيين فتحوا جبهة جديدة استهدفت خط الأنابيب الحيوي وميناء ينبع وناقلات النفط السعودية، الأمر الذي ضاعف الضغوط الميدانية والاقتصادية على قطاع الطاقة الذي يمثل الشريان الرئيسي لاقتصاد المملكة العربية السعودية.
وبالتزامن مع ذلك، طالت الهجمات مطار الملك خالد الدولي في العاصمة الرياض، حيث أسفرت إحدى هذه الضربات الجوية عن مقتل 13 مسافرا كانوا متواجدين في المطار، من بينهم معتمرون قدموا لأداء المناسك الدينية.
مخاوف المستثمرين وتهديد الخطط السياحية الكبرى
وفي غضون ذلك، تأتي هذه التطورات الميدانية في وقت تسعى فيه الرياض لاستقطاب استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 100 مليار دولار بحلول عام 2030، إلى جانب خططها الطموحة لزيادة أعداد السياح الوافدين إلى البلاد.
ولتحقيق هذه الغايات، تتطلب الأهداف الموضوعة بيئة إقليمية مستقرة وقدرة عالية على طمأنة المستثمرين والزوار الأجانب، وهو ما بات مهددا بشكل مباشر في ظل استمرار تساقط الصواريخ والطائرات المسيرة على المنشآت الحيوية.
وفي هذا الإطار، أكدت الباحثة آنا جاكوبس، الزميلة غير المقيمة في معهد دول الخليج العربية، أن أعمال العنف الحالية تبعث برسائل سلبية واضحة ومباشرة إلى المستثمرين الدوليين على المديين القصير والطويل على حد سواء.
وأضافت جاكوبس أن ما يجري حاليا يتعارض كليا مع البيئة الآمنة التي تحتاجها السعودية لإنجاح أجندتها الاقتصادية، موضحة أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي تواجه صعوبات بالغة في التعامل مع التداعيات الاقتصادية للحرب.
فضلا عن ذلك، تساءلت الباحثة عن الانعكاسات المتوسطة والبعيدة المدى لهذه الهجمات، وما إذا كان استمرار الصراعات في المنطقة سيتحول إلى واقع دائم ومستمر يعيق كافة خطط التنمية الاقتصادية المستهدفة في الخليج.
ويأتي هذا التساؤل في ظل عدم التوصل إلى تسوية سياسية نهائية للحرب اليمنية منذ سنوات طويلة، مما يبقي الجبهة الجنوبية للمملكة مفتوحة على كافة الاحتمالات العسكرية والأمنية المقلقة لحركة التجارة والاستثمار العالمي.
وعلى صعيد متصل، شهدت سياسة محمد بن سلمان تحولات عديدة منذ قيادته التدخل العسكري السعودي في اليمن عام 2015، مرورا بالهدنة التي جرى التوصل إليها في عام 2022 لتهدئة الأوضاع العسكرية على الحدود.
وبعد تلك الهدنة، اتجه ولي العهد إلى التركيز بشكل مكثف على المشروعات الاقتصادية والسياحية الكبرى داخل المملكة، وفي مقدمتها مشروع "نيوم" العملاق ومدينة "ذا لاين" التي تروج لها الرياض كرمز للمستقبل.
كما حاولت السعودية خلال السنوات الأخيرة تخفيف التوترات الإقليمية وتصفير المشاكل مع جيرانها، بهدف توفير ظروف أكثر ملاءمة للاستثمار الأجنبي، لكن تجدد المواجهات العسكرية أعاد التحديات الأمنية سريعا إلى واجهة خططها الاقتصادية.
ضغوط مالية وتقليص للمشروعات وزيادة الإنفاق
ومن جهة أخرى، كان الاقتصاد السعودي يواجه ضغوطا مالية حادة حتى قبل التصعيد العسكري الأخير، وذلك نتيجة تراجع عائدات النفط في الأسواق العالمية بالتزامن مع ارتفاع حجم الإنفاق الحكومي على المشروعات العملاقة.
ونتيجة لهذه الضغوط، اضطر صندوق الاستثمارات العامة السيادي إلى إعادة ترتيب أولوياته الاستثمارية بشكل جذري، حيث اتجه نحو التركيز على استثمارات محلية محددة يمكنها أن تحقق عوائد مالية أكبر وأسرع للخزينة العامة.
وفي سياق متصل، توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.3 بالمئة خلال العام الجاري، في وقت يتوقع فيه خبراء اقتصاديون ارتفاع الإنفاق الدفاعي للمملكة على حساب بعض المشروعات والاستثمارات التنموية الأخرى.
ومن جانبها، قالت كارين يونغ، الباحثة المتخصصة في الشأن السعودي بمركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا، إن استمرار المواجهة العسكرية سيدفع المملكة حتما إلى زيادة الإنفاق الحكومي على قطاعات الأمن والدفاع.
وأشارت الباحثة إلى أن هذه الزيادة الدفاعية ستترافق مع تعزيز تركيز صندوق الاستثمارات العامة على السوق المحلية، إلى جانب تقليص الإنفاق المالي الموجه إلى قطاعات أخرى كانت تحظى بالأولوية في السابق.
وبالإضافة إلى ذلك، رأت يونغ أن السياحة ستكون من أكثر القطاعات الاقتصادية عرضة للتضرر، بعدما أظهرت في فترات سابقة قدرة ملحوظة على الصمود بفضل عائدات السياحة الدينية وحركة السفر البيني النشطة بدول الخليج.
ولفتت الخبيرة الاقتصادية إلى أن الظروف الأمنية الجديدة والمعقدة قد تجعل الحفاظ على هذا النشاط السياحي أكثر صعوبة من أي وقت مضى، خاصة بعد استهداف المطارات المدنية وسقوط ضحايا بين المسافرين والمعتمرين.
وإلى جانب ذلك، دفعت الضغوط المالية المتراكمة السعودية بالفعل إلى تقليص إنفاقها الواسع على المستشارين الأجانب، فضلا عن تسريح آلاف العاملين في مشروعات كبرى من بينها مشروع "نيوم" وشركات تابعة لصندوق الاستثمارات العامة.
كما رجحت الصحيفة البريطانية أن تتراجع قدرة المملكة المالية على تمويل استثمارات خارجية واسعة النطاق في المستقبل القريب، وذلك في ظل الحاجة الملحة إلى تخصيص موارد مالية إضافية للأمن والدفاع ومواجهة الحرب.
ومع ذلك، نقلت الصحيفة وجهة نظر مغايرة عن مصرفي إقليمي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، حيث اعتبر أن إلغاء المؤتمر الاستثماري لا يعني بالضرورة تعرض الاقتصاد السعودي لانتكاسة خطيرة وطويلة الأمد.
واختتم المصرفي حديثه بالإشارة إلى أن الاقتصاد السعودي يعتمد بدرجة كبيرة على النشاط المحلي، مؤكدا أن الاضطرابات الإقليمية أصبحت واقعا منذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير الماضي، وستنتهي بانتهاء هذا الصراع.

