افتتح قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي منتدى مصر 2026 بالعاصمة الجديدة يوم 19 أكتوبر، وسط تساؤلات عن اختزال الحوار في مَكْلَمة، ودلالة الحديث عن 60 ألف مشارك، واحتمال عرض الفعاليات بعد المونتاج.

 

وبينما ترفع الحكومة شعار الاستماع للمواطنين، تضع التساؤلات حول انتقاء المشاركين وطبيعة البث مصداقية المنتدى على المحك، فالمشاركة لا تتحقق بتكديس التسجيلات، والحوار لا يستقيم حين تحتكر السلطة تحديد الأسئلة وحدود الإجابات.

 

أرقام المشاركة لا تمنح تفويضًا

 

فبحسب البيانات الحكومية السابقة للافتتاح، تجاوزت طلبات حضور الجلسات 61 ألف طلب، بينما بلغ المسجلون نحو 52 ألف مواطن، وهو فارق يبدد الخلط بين عدد الطلبات وعدد الأشخاص والحضور الفعلي.

 

وفي هذا السياق، تساءل الكاتب الصحفي محمد حمدي، المتحدث باسم تكنوقراط مصر، في المنشور المنسوب إليه، عن تقديم مشاركة نحو 60 ألف مواطن باعتبارها إنجازًا أمام مجتمع يتجاوز عدد سكانه مئة مليون.

 

كما طرح حمدي سؤال الثقة في الحكومة، ومدى ارتباط محدودية الإقبال بها، ليضع خلف الأرقام المعلنة قضية أشد إلحاحًا تتعلق باقتناع المواطنين بأن أصواتهم تستطيع تغيير القرارات، وليس مجرد تزيين واجهة المشاركة.

 

غير أن صغر العدد وحده لا يحسم اتجاهات المجتمع، بينما تبقى مسؤولية الحكومة قائمة في إعلان قواعد الاختيار، وتوزيع المشاركين اجتماعيًا وجغرافيًا، وحجم حضور المتضررين من سياساتها داخل الجلسات الفعلية.

 

وبدلًا من تحويل التسجيل الإلكتروني إلى شهادة رضا شعبي، تحتاج السلطة إلى الإجابة عن سؤال التمثيل، فمن يختار المتحدثين، ومن يقرر أولوية الشكاوى، وما المساحة المتاحة لمن يرفض المسار الحكومي من أساسه.

 

كذلك أعلن مصطفى مدبولي رئيس وزراء الإنقلاب، وفق الأرقام الواردة في كلمته الافتتاحية، تقديم أكثر من 16 ألف فكرة ومقترح، لكن تراكم المقترحات لا يساوي قبولها، ولا يمنح أصحابها سلطة متابعة مصيرها بعد انتهاء الفعاليات.

 

وعلى مستوى الشباب، استند العرض الحكومي إلى ارتفاع نسبتهم بين المسجلين، بينما يظل الاختبار الحقيقي متعلقًا بقدرتهم على مساءلة المسؤولين بشأن فرص العمل وتكاليف التعليم والاستقلال الاقتصادي، بعيدًا عن الاكتفاء بحضورهم العددي.

 

ومن هنا، تصبح طريقة فرز الأسئلة أكثر أهمية من عددها، لأن اختيار أسئلة مريحة يسمح بإنتاج إجابات مريحة، بينما تُختبر جدية الحوار أمام الأسئلة التي تمس توزيع الموارد ومسؤولية أصحاب القرار.

 

لذلك لا تمنح عشرات الآلاف من طلبات المشاركة تفويضًا مفتوحًا للحكومة، ولا تعفيها من تقديم نتائج قابلة للقياس، فالمواطن الذي يسجل شكواه لا يوقع تلقائيًا على صحة السياسات التي أنتجتها.

 

أسئلة المونتاج تحاصر شفافية الحوار

 

وفي محور التغطية، طرح محمد طلبة رضوان، صاحب المنشور المتعلق ببث المنتدى، تساؤلات عن وصول الجلسات إلى الجمهور مباشرة أو بعد التسجيل والمراجعة والمونتاج، بما يضع طريقة العرض داخل صلب النقاش.

 

وبحسب الطرح المنسوب إليه، امتدت التساؤلات إلى المعالجة الإعلامية لقضية صحفيي «متصدقش»، وطبيعة الرسائل المختارة للعرض، وهي أسئلة تتجاوز الشكل التلفزيوني إلى حق الجمهور في معرفة السياق الكامل للكلام.

 

ومع ذلك، يظل تعميم خضوع جميع الجلسات للمونتاج ادعاءً غير محسوم، فلا يكفي تداول مقتطفات لإثبات حذف مداخلات بعينها، بينما تستطيع الجهة المنظمة إنهاء الالتباس بنشر التسجيلات الكاملة وبيان توقيت بثها.

 

لكن أهمية السؤال لا تتراجع بسبب غياب الحسم، لأن فعالية تتحدث باسم الحوار المجتمعي مطالبة بإتاحة مادتها كاملة، حتى يستطيع الجمهور مقارنة الأسئلة بالإجابات، وملاحظة ما جرى تجاوزه أو تركه معلقًا.

 

فإذا كانت الجلسات مسجلة، يصبح الإعلان عن ذلك ضرورة مهنية، وإذا اختُصرت لأسباب زمنية، ينبغي توفير النسخ الكاملة، حتى لا يتحول التحرير التلفزيوني إلى سلطة إضافية تتحكم فيما يعرفه المواطنون.

 

وبالمثل، لا تكفي اللقطات المنتقاة لإثبات انفتاح المسؤولين على المجتمع، فالدقائق التي يظهر فيها السؤال الحرج، وطريقة التعامل معه، وحق صاحبه في التعقيب، أبلغ من ساعات الكلمات المعدة سلفًا.

 

وعند هذه النقطة، يظهر الفارق بين الحوار والدعاية، فالأول يسمح باختبار الإجابة ومراجعتها، بينما تكتفي الثانية بترتيب المشهد حول المتحدث، وتترك للمشاهد دور التلقي دون فرصة لملاحقة التناقضات أو طلب التفاصيل.

 

ومن ناحية أخرى، يفرض الحديث عن الوعي والمنصات الرقمية سؤالًا عن قبول الروايات المختلفة، إذ لا يمكن مطالبة المواطنين بالتحقق ثم حجب السياق الذي يسمح لهم بالفحص والمقارنة وبناء أحكامهم المستقلة.

 

وعليه، فإن الرد على تساؤلات المونتاج يحتاج إلى تسجيلات وبيانات واضحة، لا خطب إضافية عن الشفافية، لأن الثقة تتراجع عندما يصبح الوصول إلى المادة الأصلية أصعب من الوصول إلى الرسائل الدعائية.

 

مَكْلَمة السلطة وفاتورة المواطن اليومية

 

وفي المقابل، ربط المهندس والكاتب تامر شيرين شوقي، في المنشور المنسوب إليه، كثافة ظهور السيسي والمسؤولين بتراجع الحاجة الظاهرة إلى مؤسسات مستقلة، مؤكدًا في مضمون طرحه أن المؤتمرات لا تعوض المساءلة.

 

كما تناول شوقي دور البرلمان والجهات الرقابية وعلاقة المسؤولين بالإعلام الموالي، واضعًا المشكلة في بنية إدارة المجال العام، حيث لا يكفي أن تتحدث الحكومة كثيرًا إذا ظلت قدرتها على تجنب المحاسبة قائمة.

 

وبذلك تتجاوز المسألة عدد مرات الظهور إلى توزيع السلطة نفسها، فمن يملك استدعاء المسؤول، ومراجعة حساباته، وإلزامه بتعديل قراراته، هو صاحب التأثير الحقيقي، وليس من يُسمح له بالتصفيق أو طرح سؤال عابر.

 

وفي السياق نفسه، تضع دعوات السيسي إلى عدم الإسراف المواطن أمام مفارقة مباشرة، إذ تتوجه النصائح إلى استهلاك الأسر، بينما تحتاج أولويات المشروعات الكبرى والمقار الفاخرة إلى مساءلة علنية بالقدر نفسه.

 

ومع استمرار الحديث عن العاصمة الجديدة والطائرة المعروفة باسم «ملكة السماء»، لا ينتهي الجدل بتبادل أوصاف الفخامة، بل يبدأ بطلب الحسابات المنشورة، ومصادر التمويل، وكلفة التشغيل، وأسباب تقديم هذه النفقات على غيرها.

 

ففي موازنة تمس حياة الملايين، يجب أن تخضع اختيارات الدولة لمعيار المنفعة العامة، وأن تشرح الحكومة ما تضيفه مشروعاتها إلى الصحة والتعليم والدخل، بدل مطالبة المواطنين بالاكتفاء بالإعجاب بالمباني والصور.

 

وبينما تُستدعى ذاكرة يناير في خطاب الوعي، تبقى مطالب العيش والحرية والعدالة أسئلة حاضرة، ولا تُمحى بإعادة تقديم الغضب الشعبي باعتباره مشكلة إدراك، أو تحميل المنصات الرقمية مسؤولية التعبير عنه.

 

لهذا لا تعالج المَكْلَمة أزمة القدرة الشرائية، ولا تتحول الكلمات إلى خدمات بمجرد إذاعتها، فالمطلوب قرارات معلنة بتوقيتات ومسؤوليات واضحة، تسمح للناس بمعرفة من أخفق، ومن استفاد، وكيف ستُصحح الأخطاء.

 

وأخيرًا، يبقى منتدى مصر صورة استعراضية لتشتيت المواطنين عن مشاكلهم التي تتجاوز المنصة والمونتاج وأرقام التسجيل، إما فتح مسار فعلي للمساءلة وتغيير السياسات، أو إضافة مَكْلَمة جديدة إلى سجل سلطة تتوسع في الاستعراض وتضيق بسؤال المسؤولية.