تزامنا مع انطلاق «منتدى مصر 2026» طالب نواب في البرلمان وخبراء وشخصيات عامة حكومة مصطفى مدبولي بإعلان نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، واضعين خطاب الإنجازات الوهمي الذي أطلقه قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي أمام اختبار معيشة المواطنين، بعدما تكررت التعهدات بإتاحة البيانات دون تنفيذ.

 

وفي المقابل، يصطدم ترويج قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي للإنجازات بسؤال لا تجيب عنه منصات الاحتفاء، وهو ما الذي وصل إلى الأسر، وكيف تُطالب بتصديق تحسن أحوالها بينما تغيب أدوات قياسه.

 

بيانات الفقر الغائبة تحاصر الدعاية

 

ففي قلب هذا الجدل، ربط الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي والنائب البرلماني، تقييم السياسات بما أحدثته في دخول الأسر وقدرتها على شراء احتياجاتها، معتبرًا تعداد المشروعات والإنفاق معيارًا غير كافٍ للحكم عليها.

 

وبهذا المعيار، تصبح مطالبة الحكومة بنشر البحث مطالبة بمستندات حسابها الاجتماعي، فالأرقام التي تصف أحوال الأسر ليست تفصيلًا تكميليًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الاحتفالات وتوزيع شهادات النجاح الرسمية.

 

وفي السياق نفسه، قالت إيرين سعيد، عضو لجنة الخطة والموازنة، إن ممثل وزارة التخطيط أقر بوجود بحث لعام 2023، بينما لم تصل نتائجه رغم توصية برلمانية بمنح الحكومة أسبوعًا لتقديمه.

 

وبناءً على ذلك، يتعلق السؤال ببيانات قالت الوزارة إنها موجودة بالفعل، لا بدراسة افتراضية تحتاج سنوات لإعدادها، ما يضع مسؤولية تفسير التأخير على الحكومة التي تملك النتائج وتتحكم في موعد إتاحتها.

 

كذلك، يضع استمرار الغياب البرلمان أمام خلل واضح في ممارسة دوره، إذ كيف يناقش توزيع الموارد وأولويات الإنفاق بينما تظل المعلومات اللازمة لتحديد احتياجات الفئات الاجتماعية بعيدة عن متناول أعضائه.

 

ومن ثم، لا تمنح كثافة العروض الحكومية دليلًا على تراجع الفقر، لأن إثبات التحسن يحتاج مقارنة معلنة بين مستويات الدخل والأسعار والإنفاق، مع توضيح الفترة التي تقيسها النتائج وحدود صلاحيتها.

 

فضلًا عن ذلك، لا يتيح غياب البحث الجزم بنسبة الفقر الحالية، لكنه يمنع السلطة أيضًا من تقديم تحسن المعيشة باعتباره حقيقة محسومة، فالمساءلة تبدأ بإتاحة الدليل الذي يسمح بإثبات الادعاء أو تفنيده.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح نشر المنهجية ضروريًا مثل نشر النتيجة، حتى يُعرف كيف حُسب خط الفقر، وما السلع والخدمات الداخلة فيه، وكيف روعيت اختلافات الأسعار والاحتياجات بين المحافظات والفئات المختلفة.

 

وهكذا، تضع الحكومة خطابها في مأزق صنعته بنفسها، فهي تطلب الاعتراف بنتائج سياساتها، بينما لا توفر للمواطنين والنواب الوثيقة الأساسية التي تمكّنهم من مراجعة جانبها الأكثر التصاقًا بالحياة اليومية للأسر المصرية.

 

المشروعات لا تسدد فواتير الأسر

 

وفي امتداد مباشر لهذه المطالب، شدد محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي والنائب البرلماني، على أن غياب مؤشرات الدخل والإنفاق يضعف تقييم أولويات الموازنة وكفاية الحماية الاجتماعية، ويترك رواية التحسن بلا سند حديث معلن.

 

وبالتالي، لا تستطيع الحكومة تحويل تكلفة المشروع إلى شهادة تلقائية بنجاحه، فالإنفاق يصف الموارد المستخدمة، بينما يتطلب تقييم العائد معرفة المستفيدين، وطبيعة الخدمة المقدمة، وقدرتها على معالجة احتياجات فعلية لدى السكان.

 

أما بالنسبة للأسرة، فيُقاس التحسن بما تستطيع توفيره من غذاء وعلاج وتعليم وسكن، وبما يتبقى من دخلها بعد الالتزامات الأساسية، وليس بعدد الافتتاحات أو طول العروض التي تصاحب تقديم المشروعات الجديدة.

 

ومن هنا، فإن الحديث عن زيادة الدخول يحتاج احتساب القوة الشرائية، لأن ارتفاع الراتب اسميًا لا يضمن تحسن المعيشة إذا ارتفعت تكلفة الاحتياجات بوتيرة أسرع، وأصبحت الزيادة عاجزة عن تغطية الفارق.

 

وبالمثل، لا يكفي الإعلان عن توسيع برامج المساعدة دون قياس قدرتها على سد الاحتياج، فعدد المستفيدين وحده لا يوضح ما إذا كانت قيمة الدعم تحمي الأسر من العجز عن شراء الضروريات.

 

علاوة على ذلك، ينبغي أن يوضح الحساب الحكومي من تحمل تكلفة المشروعات وكيف جرى تمويلها، لأن التمويل المقترض يرتب التزامات لاحقة، ولا يجوز حذف هذه الالتزامات عند الترويج للمنافع المرتبطة بالإنفاق.

 

وفي ملف الكهرباء، لا تكتمل المحاسبة بعرض القدرة الإنتاجية والمنشآت، بل تشمل تكلفة الخدمة على المستهلك واستدامة تشغيلها وكفاءة الإنفاق عليها، حتى لا تتحول زيادة الأصول إلى مبرر دائم لتحميل الأسر أعباء إضافية.

 

كذلك، يحتاج عرض الاستثمارات إلى تمييز واضح بين الأموال المعلنة والمشروعات المنفذة وفرص العمل المستقرة، فالقيمة المكتوبة في اتفاق لا تكفي وحدها لإثبات تحسن دخول العاملين أو توسيع النشاط الإنتاجي الفعلي.

 

وفي المقابل، لا يجوز تحويل صبر المواطنين إلى مورد مفتوح تستخدمه السلطة لتأجيل الحساب، فتحمل الأعباء لا يعني الموافقة على ترتيب الإنفاق، ولا يسقط حق المتضررين في معرفة البدائل التي استُبعدت.

 

لذلك، تبدأ جدية أي عرض حكومي من الإجابة عن سؤال التوزيع، أي من استفاد ومن دفع، لأن جمع المكاسب والتكاليف في متوسط واحد قد يحجب تفاوتًا واسعًا بين الفئات والمناطق المختلفة.

 

الديون والأولويات تستدعيان محاسبة سياسية

 

وفي قراءة منشورة بتاريخ 17 أكتوبر، طرح الدكتور عمرو هاشم ربيع، الباحث في العلوم السياسية، أسئلة عن حصيلة التعاون مع المؤسسات التمويلية، وأعباء خدمة الديون، وأولوية الطرق مقارنة بالتعليم والصحة.

 

وبذلك، يمتد الحساب المطلوب إلى القرارات التي أنتجت الأعباء، فلا تكفي مطالبة الوزراء بعرض ما أنفقوه دون مساءلتهم عن أسباب اختيار المشروعات، وتقديرات جدواها، والبدائل التي كان يمكن توجيه الموارد إليها.

 

وفي هذا الإطار، لا يقدم ارتفاع الاحتياطي الأجنبي وحده صورة مكتملة عن سلامة الاقتصاد، إذ يتطلب التقييم معرفة مصادر الزيادة والالتزامات المقابلة لها، وقدرة الموارد المتجددة على تغطية الاحتياجات والمدفوعات المقبلة.

 

وبالموازاة، يستلزم الحديث عن الاقتراض بيان تكلفة التمويل وآجال السداد واستخدام حصيلته، لأن توفير سيولة مؤقتة يختلف عن بناء قدرة إنتاجية مستدامة، ولا ينبغي دمج الأمرين داخل عنوان احتفالي واحد مضلل.

 

ومن ناحية أخرى، تساءل عمرو هاشم ربيع عن نطاق المحاسبة، وما إذا كانت ستشمل حرية التعبير والمجال العام، إلى جانب الملفات الاقتصادية والاجتماعية، بدل اختزال تقييم الحكم في أداء الأجهزة التنفيذية.

 

ومن هذا المنطلق، ترتبط مساءلة الإنفاق بإمكان مناقشته علنًا، فلا تستقيم مطالبة المجتمع بالمشاركة إذا كانت الأسئلة الصعبة تعامل باعتبارها إزعاجًا، أو إذا اقتصر الحوار على مداخلات لا تغير القرارات المطروحة.

 

وفي الوقت نفسه، لا تعفي الاضطرابات الخارجية الحكومة من شرح اختياراتها الداخلية، فبيان أثر الأزمات يقتضي فصل ما فرضته الظروف عما نتج عن ترتيب الأولويات، وإظهار كيفية توزيع كلفة المواجهة اجتماعيًا.

 

وعليه، فإن الاستجابة العملية تبدأ بموعد ملزم لإعلان البحث وبياناته ومنهجيته، ثم مناقشة نتائجه داخل البرلمان وربطها بتعديلات محددة في الموازنة والحماية الاجتماعية، بدل الاكتفاء بتعهد جديد يضاف إلى التعهدات السابقة.

 

وفي النهاية، لا تمنح احتفالات الإنجازات الحكومة براءة من أعباء سياساتها، فحق المصريين في الحساب يسبق طلب التصفيق، ويظل السؤال قائمًا عن أثر الإنفاق والديون على معيشتهم ما دامت بياناتهم الأساسية غائبة.