أكد الكاتب الإسرائيلي جاكي خوجي أن خطة دولة قطر للانتقام من تل أبيب بعد قصف الدوحة في شهر سبتمبر عام 2025 جاري تنفيذها، مشيراً إلى أن دعوة الأمير تميم لمعاقبة مسؤولي الحرب ليست تصريحاً عابراً.
وتستغل الدوحة علاقاتها الدولية الواسعة للضغط نحو اتخاذ إجراءات عقابية صارمة ضد كبار المسؤولين الإسرائيليين وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، وذلك عقب تصاعد التوتر السياسي والإعلامي الحاد بين الجانبين منذ أحداث يوم 7 أكتوبر عام 2023.
تحركات دبلوماسية وقانونية لمحاكمة قادة الاحتلال
وفي هذا السياق، أشار الكاتب الإسرائيلي في مقاله المنشور عبر صحيفة معاريف العبرية إلى خطاب الأمير تميم بن حمد آل ثاني هذا الأسبوع، مؤكداً أن كلماته حول وضع الأراضي الفلسطينية لا تعتبر مجرد عبارات جوفاء.
وعلاوة على ذلك، شدد أمير دولة قطر خلال خطابه على أن القضية الفلسطينية ستبقى دائماً على رأس أولويات بلاده، موضحاً أن ما حدث في قطاع غزة يمثل إبادة جماعية لا جدال فيها وتجب محاسبة مرتكبيها.
ومن ناحية أخرى، أوضح خوجي أن هذه المطالبة ليست المرة رقم 1 منذ يوم 7 أكتوبر التي تدعو فيها الدوحة لمحاسبة القيادة الإسرائيلية، حيث تكررت الدعوات خلال الحرب وازدادت حدتها بشكل ملحوظ خلال العام الماضي.
وبالإضافة إلى ذلك، يطالب الأمير القطري في الوقت الراهن ببذل أقصى الجهود الممكنة لضمان عدم إفلات المسؤولين الإسرائيليين من العقاب، وهو ما يترجم عملياً عبر فرض عقوبات دولية أو توجيه اتهامات جنائية في محكمة لاهاي.
كما تكمن المشكلة الحقيقية بالنسبة لتل أبيب في أن هذا التوجه ليس مجرد شعار سياسي أو استعراض للقوة، بل يمثل خطة عمل قطرية منظمة للسنوات القادمة يقودها الأمير ودائرته المحيطة للعمل دبلوماسياً وسراً لإلحاق العار بإسرائيل.
وفضلاً عن ذلك، يتخيل المسؤولون القطريون كيف سيتم في غضون عام 1 أو عامين 2 أو 3 أعوام رفع دعاوى قضائية أمام محكمة لاهاي ضد بنيامين نتنياهو ووزيري الحرب يوآف غالانت ويسرائيل كاتس وقادة الجيش.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو معقداً ومقيداً بتعريفات نظام روما الأساسي المنظم لعمل المحكمة الجنائية على مدار السنوات الـ 3 الماضية، إلا أنه يمكن اتخاذ خطوات مؤقتة كفتح تحقيق رسمي أو السعي لتوجيه لائحة اتهام.
وبالمثل، تتضمن الخطة إمكانية استصدار أوامر اعتقال دولية جديدة على غرار الأوامر التي فرضت سابقاً ضد نتنياهو وغالانت، بالتوازي مع دراسة فرض عقوبات متنوعة من جانب دول ومنظمات دولية تسعى للإضرار بالحكومة الحالية في تل أبيب.
ولتحقيق ذلك، ستسعى الدوحة جاهدة خلال المرحلة المقبلة لفرض كافة هذه العقوبات الدولية على إسرائيل، مستخدمة جميع وسائل الضغط السياسي والأدوات الدبلوماسية المتاحة لها على الساحة العالمية لتنفيذ أجندتها الانتقامية بشكل كامل وفعال.
دوافع الانتقام القطري وأوراق الضغط الدولية
وفي سياق متصل، تمتلك دولة قطر دوافعها الخاصة لإحراج إسرائيل وتشويه سمعتها أمام العالم، خاصة بعد أن شهدت السنوات الـ 3 الماضية تدهوراً حاداً في العلاقات الثنائية بين الجانبين على خلفية الحرب المستمرة على قطاع غزة.
ويرجع ذلك التدهور أيضاً إلى غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية أو التطبيع الكامل بين الطرفين، حيث اعتبرت تل أبيب أن الدور القطري مرتبط بحركة حماس، بينما رفضت الدوحة تلك الاتهامات واعتبرتها محاولة للتغطية على الانتهاكات الإسرائيلية.
ومما زاد الأمر تعقيداً، تدهورت العلاقة بشدة مع نتنياهو شخصياً عقب الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف وفداً لقادة حماس في الدوحة خلال شهر سبتمبر عام 2025، وهو الحدث الذي اعتبرته القيادة القطرية إهانة مباشرة لسيادة الدولة.
وقبل ذلك الهجوم، خدع نتنياهو الوسيط القطري خلال جولات المفاوضات المتتالية التي لعبت فيها الدوحة الدور الرئيسي، حيث كان رئيس وزراء الاحتلال يجد مبرراً للتراجع في كل مرة تقترب فيها الأطراف من التوصل إلى اتفاق.
وفي المقابل، تظاهرت الدوحة بالصبر طويلاً إزاء تلك الممارسات الإسرائيلية، لكن بات واضحاً للقطريين أنهم لم يعودوا قادرين على التزام الصمت، لاسيما بعدما أغلقت تل أبيب مكاتب قناة الجزيرة في خطوة فهمت كرسالة عدائية صريحة.
وإلى جانب ذلك، تحرص قطر على حماية مكانتها كداعم رئيسي للقضية الفلسطينية بين الدول العربية، ولذلك أنهت بهدوء دورها كملجأ لقيادة حماس في الخارج، والتي تقيم في المنفى منذ عام 1 في مدينة إسطنبول التركية.
وحتى لا يفهم هذا الإجراء باعتباره تخلياً عن الحركة، تواصل الدوحة تقديم دعمها السياسي لضمان بقاء القضية الفلسطينية وحركة حماس في صدارة أولوياتها، معتمدة على أوراقها الرابحة التي تمنحها نظرياً فرصة لتحقيق هدفها المنشود.
وتتمثل أقوى تلك الأوراق في قربها من البيت الأبيض وحاجة الولايات المتحدة لحليف خليجي يمتلك موارد مالية ضخمة وموقعاً مركزياً، بالإضافة إلى قدرتها الفائقة على التأثير في المنظمات المتطرفة من جهة والقوى الغربية من جهة أخرى.
وبناءً على تلك المكانة، انتزعت الدوحة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعداً بإجبار نتنياهو على تقديم اعتذار رسمي لها عن هجوم شهر سبتمبر عام 2025، وهو الأمر الذي يمثل أهمية قصوى بالنسبة للقيادة السياسية القطرية.
عجز سياسي إسرائيلي وتحالفات إقليمية مضادة
ومن جهة أخرى، لا تقود قطر وحدها هذه الحملة الدبلوماسية الرامية لإثارة التسونامي السياسي ضد إسرائيل، بل تنضم إليها تركيا ودول أخرى في المنطقة قد تدعم هذه التحركات أو تظهر لامبالاة تجاه الأضرار اللاحقة بتل أبيب.
وفي هذا الإطار، أكد الكاتب جاكي خوجي أن إسرائيل ليست بارعة في الصمود أمام الفخاخ السياسية أو الدبلوماسية، موضحاً أن المبادرات والحلول السياسية تتجاوز قدراتها رغم براعتها العسكرية في تنفيذ عمليات الاغتيال المعقدة بالمنطقة.
وإيضاحاً لذلك، أشار المقال إلى أن الجيش الإسرائيلي يعرف جيداً كيف يرسل قوة عسكرية لإخراج شخص من فراشه أو مطاردته في كل ركن بالمنطقة، لكن المؤسسة السياسية في تل أبيب تقف عاجزة تماماً أمام المناورات الدبلوماسية.
والأسوأ من ذلك، تتعالى أصوات داخل إسرائيل تدعو إلى إعلان دولة قطر كدولة معادية بشكل رسمي، وهو إعلان يراه الكاتب إشكالياً للغاية ليس لكونه خاطئاً في مضمونه، بل لكونه قراراً متهوراً يفتقر لأي رؤية استراتيجية.
وتساءل الكاتب في مقاله باستنكار واضح حول الخطوة التالية لمثل هذا القرار المتهور، قائلاً إنه لا يعلم ماذا سيحدث بعد إعلان العداء الرسمي، وهل ستقوم القوات العسكرية الإسرائيلية بشن هجوم عسكري جديد يستهدف العاصمة الدوحة.
وعلى صعيد متصل، شدد خوجي على أن دولة إسرائيل تستطيع العيش والاستمرار دون وجود علاقات وثيقة مع دولة قطر، حتى وإن كانت تلك العلاقات سرية في السابق وانتهت تماماً خلال الفترة الحالية بسبب تداعيات الحرب.
ولكن تكمن المشكلة الأساسية في طبيعة النظام القطري الذي وصفه الكاتب بأنه نظام انتقامي، مؤكداً أن أي طرف يعلنه عدواً أو يحاول تشويه سمعته بأي شكل من الأشكال سيلقى منه معاملة انتقامية مماثلة وقاسية.
وختاماً، يضع هذا التحليل الإسرائيلي حكومة نتنياهو أمام حقيقة مفادها أن تداعيات قصف الدوحة في شهر سبتمبر عام 2025 لم تنتهِ، وأن المعركة القانونية والدبلوماسية التي تقودها قطر ستلاحق قادة الاحتلال لسنوات طويلة قادمة.

