شهدت الجلسة العامة لمجلس النواب في المغرب، خلال شهر أكتوبر الحالي، انطلاقة صاخبة ومحمومة اتسمت بنقاشات حادة واحتجاجات سياسية واسعة، واكبت مختلف أطوار مسار انتخاب قيادة جديدة لإدارة شؤون الغرفة التشريعية الوطنية.

 

وفي هذا السياق، انتهت مجريات هذه الجلسة الافتتاحية المتوترة بانسحاب نواب تحالف اليسار المعارض، احتجاجاً على ما اعتبروه إقصاءً وتجاوزاً تنظيمياً صريحاً طال عمليات فرز الأصوات والآليات المتبعة في إعلان الحصيلة الرسمية للتصويت.

 

بداية صاخبة واحتجاجات مسطرية حادة

 

ومن هذا المنطلق، تميزت مداولات الغرفة التشريعية رقم 1 منذ لحظاتها الأولى بتجاذبات قوية وخلافات معقدة، تركزت بالأساس حول سلامة إجراءات إحصاء بطاقات الاقتراع وأسلوب تدبير المنصة العامة لمجريات هذه المحطة السياسية الحاسمة.

 

وبناءً على ذلك، قاد النائب عمر بن جلون موجة اعتراضات صريحة ومباشرة داخل القاعة، مسجلاً جملة من الملاحظات الانتقادية الصارمة حول طريقة تسيير العملية الانتخابية وكيفية تعاطي المشرفين عليها مع النتائج المتدفقة تباعاً.

 

وفي غضون ذلك، أوضح المعترضون أن التسرع في استكمال خطوات الاقتراع وتهميش ملاحظات النواب يمس جوهر الشفافية البرلمانية، مطالبين بتمكين كافة الفرق من التحقق الدقيق من سلامة الفرز وصحة محاضر التصويت المعتمدة رسمياً.

 

ومن جانب آخر، لم يقتصر السجال البرلماني المحموم على التنافس التقليدي القائم بين الأغلبية والمعارضة، بل امتد بصورة لافتة ليعكس تصدعات بارزة وتباينات واسعة في المواقف السياسية المعبر عنها داخل أروقة المعارضة البرلمانية نفسها.

 

وعلاوة على ذلك، أقدم نواب تحالف اليسار على رفض التصويت لصالح مرشح حزب العدالة والتنمية، إدريس الأزمي الإدريسي، في خطوة سياسية جسدت عمق الخلافات الأيديولوجية وغياب التوافق الميداني بين مختلف فصائل المعارضة التشريعية.

 

أرقام الاقتراع وتفاصيل انسحاب اليسار

 

وتأسيساً على النتائج النهائية، حصل أحمد التويزي على 220 صوتاً مكنته من حسم منصب القيادة البرلمانية لصالحه، متفوقاً بفارق شاسع على منافسه إدريس الأزمي الإدريسي عن حزب العدالة والتنمية الذي حصد 59 صوتاً فقط.

 

واستناداً إلى البيانات الرسمية، بلغ عدد المصوتين المشاركين في العملية الانتخابية 369 برلمانياً، في حين وصل عدد الأوراق الملغاة إلى 90 ورقة معزولة، وفق ما أعلنته لجنة الفرز المكلفة بمراجعة بطاقات الصناديق بدقة.

 

وبالموازاة مع ذلك، بلغ الاحتقان ذروته مباشرة عقب إعلان فوز التويزي وتقديمه لإلقاء كلمته الافتتاحية، حيث سارع نواب تحالف اليسار إلى رفع نقطة نظام جوهرية، مطالبين بوقف الإجراءات فوراً لمعالجة خرق مسطري تنظيمي بالغ الخطورة.

 

وإلى جانب ذلك، تمثل الإشكال المطروح في تجاهل المنصة الإشارة صراحة إلى الأصوات الممتنعة عن التصويت ضمن الحصيلة المعلنة رسمياً، وهو ما عده نواب اليسار إخلالاً بقواعد الشفافية ومحاولة لتجاوز المقتضيات القانونية الصارمة.

 

فضلاً عن ذلك، أدى رفض مسؤولي الجلسة منح الكلمة للمحتجين لتوضيح موقفهم القانوني إلى زيادة حدة التوتر، حيث اعتبر النواب الغاضبون أن الاستمرار في تجاهل مداخلاتهم يمثل مصادرة غير مقبولة لحقهم الدستوري في التعبير.

 

ومن جهتهم، قرر نواب تحالف اليسار اتخاذ خطوة تصعيدية جماعية عبر الانسحاب الفوري ومغادرة القاعة العامة للبرلمان، في تعبير احتجاجي حاسم يرفض الاعتراف بالطريقة التي جرى بها تدبير نتائج الانتخابات وتمرير القرارات التنظيمية.

 

وعلى صعيد متصل، خلق هذا الانسحاب الجماعي ارتباكاً سياسياً وإعلامياً كبيراً داخل الأوساط النيابية، وسط تساؤلات ملحة حول تداعيات هذه البداية المتوترة على مستقبل التوافق المسطري والتعاون التشريعي بين كافة مكونات المجلس خلال الفترات اللاحقة.

 

وفي ضوء هذه التطورات، اعتبرت فرق الأغلبية أن مقاطعة نواب اليسار لن توقف المسار المؤسساتي القانوني، مشددة على أن الصناديق حسمت الاختيار الديمقراطي بأغلبية ساحقة تمنح القيادة المنتخبة شرعية كاملة لإدارة المؤسسة بكل مسؤولية.

 

مسار التويزي وتحديات الأغلبية الحكومية

 

وعلى خلفية ذلك، يأتي وصول أحمد التويزي إلى هذا الموقع بعد مسار سياسي قاد خلاله الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة طيلة الولاية التشريعية الممتدة بين 2021 و 2026، مراكماً تجارب برلمانية في إدارة الملفات الحساسة.

 

والجدير بالذكر هنا، أن حزب الأصالة والمعاصرة شارك بقوة ضمن التحالف الحكومي إلى جانب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، مسهماً في تشكيل ائتلاف برلماني أغلبوي هيمن بشكل مباشر على صياغة السياسات والمشاريع المعتمدة.

 

وفي سياق متصل، ينقل هذا الانتخاب الجديد التويزي من موقع الدفاع عن المصالح الضيقة لفريق حزبي إلى تولي القيادة العليا للغرفة التشريعية، وهي مكانة تقتضي السهر الدقيق على تطبيق القوانين وتدبير الجلسات العامة بحيادية.

 

وبحسب المقتضيات الدستورية، تفرض القيادة الجديدة تنظيماً متوازناً للعلاقات المعقدة بين الأغلبية والمعارضة، وضمان ممارسة الرقابة البرلمانية بفعالية، إلى جانب ضبط النظام الداخلي لتفادي تكرار الأزمات الإجرائية التي شهدتها الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني.

 

ومن جهة مقابلة، يستحضر المراقبون في هذا التوقيت محطات وسجالات رقابية سابقة جمعت التويزي بشركائه الحكوميين، والتي كانت قد أثارت جدلاً واسعاً داخل الأغلبية بشأن حدود التضامن الحكومي والنيابي تجاه ملفات الدعم العمومي المالي.

 

وحول تفاصيل تلك المرحلة، برز خلاف حاد حينما تواصل التويزي كمسؤول عن فريقه مع المعارضة لتقديم طلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق مبدياً استعداده لتوقيعه، وهو ما عارضه عزيز أخنوش قائد الائتلاف الحكومي آنذاك بشدة.

 

وتأسيساً على تلك الواقعة، تساءل أخنوش آنذاك عن مدى الوفاء داخل مكونات الأغلبية، معتبراً أن تلك المبادرة عكست تناقضاً بيّناً في التعاطي مع الأدوات الرقابية، وأظهرت تباينات داخلية كامنة بين أطراف التحالف قبل انتهاء ولايته.

 

وفي ختام المشهد، يواجه المسؤول البرلماني الجديد رهانات جسيمة لإعادة بناء جسور الثقة المفقودة مع فرق المعارضة المنسحبة، وإثبات قدرته على تدبير التباينات السياسية بحكمة تضمن السير الطبيعي لأعمال المؤسسة التشريعية الوطنية بنجاح.

 

وخلاصة القول في هذا، يظل التحدي الأبرز متمثلاً في الموازنة بين مقتضيات الانتماء للأغلبية والالتزام بالحياد التام في قيادة البرلمان، لضمان صيانة المكتسبات الديمقراطية وتأمين استقرار المشهد المؤسساتي أمام التحديات الاقتصادية والاجتماعية القادمة.