يتصاعد غليان العاملين داخل جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر جراء تفاقم الهوة المالية السحيقة بين الكوادر التاريخية والتعيينات الحديثة، متزامناً مع شلل تام ضرب مسارات الترقية القانونية المستحقة منذ سنوات.

 

وفي ضوء هذا التردي، تقدمت النائبة مارسيل سمير عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين والمكتب السياسي لحزب التجمع بطلب إحاطة حاسم موجه إلى الدكتور مصطفى مدبولي، استناداً لأحكام اللائحة.

 

فجوة الرواتب تعصف باستقرار العاملين


وعلى خلفية التوسعات الإدارية، أبرمت الإدارة عقوداً سخية مع عناصر حديثة التخرج برواتب قياسية تفوق أضعاف ما يتقاضاه قدامى الموظفين الذين أفنوا عقوداً في خدمة الجهاز، مما كرس شعوراً بالغاً بالغبن الوظيفي.

 

وبناءً على هذا الاختلال، يؤكد الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي المتخصص في دراسات الأجور والموازنة العامة، أن منح امتيازات فلكية لحديثي العهد على حساب الخبرات المتراكمة يهدم البناء المؤسسي من جذوره.

 

ويضيف الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق موضحاً أن غياب معايير موحدة للتعويضات المالية داخل الهيئة الواحدة يمثل تشوهاً بنيوياً ناتجاً عن استيراد نظم تعاقد خاصة تعصف بمبدأ الاستحقاق والعدالة بين العاملين في الدولة.

 

ومن هذا المنطلق، تسببت هذه الفوارق العشوائية في تدمير الحافز الوظيفي لدى المئات من الكفاءات الأصلية، حيث تجد الكوادر الميدانية نفسها تعمل تحت قيادة عناصر مستحدثة تفتقر لأبسط المهارات لكنها تستأثر بالمخصصات الكبرى.

 

وعلاوة على ذلك، حذرت طلبات الإحاطة البرلمانية من تصدير الإحباط للمتعاملين مع الجهاز، لأن انهيار معنويات الفريق التشغيلي ينعكس مباشرة على تعطيل التمويلات وتعثر تقديم الدعم اللازم لأصحاب المشروعات الصغيرة في المحافظات.

 

وبالتوازي مع ذلك، تؤكد الوقائع أن التمييز المالي الممارس أفرز انقساماً داخلياً غير مسبوق عطل قنوات الاتصال والتعاون بين القطاعات التنفيذية، مما حول بيئة العمل إلى مساحة طاردة لأصحاب الخبرات الطويلة المتراكمة.

 

واستناداً إلى تلك المؤشرات، تجلى بوضوح كيف أهدرت الإدارة مبدأ تكافؤ الفرص في توزيع الحوافز والبدلات، مكرسة منظومة مشوهة تعاقب القدامى على ولائهم وتكافئ الجدد عبر عقود استثنائية محاطة بسرية تامة وتعتيم.

 

ونتيجة لهذا الاختناق، شرع الموظفون المتضررون في تدوين مظالمهم عبر مذكرات رسمية جماعية، رفضوا فيها الصمت أمام تآكل دخولهم بفعل التضخم، في وقت تجري فيه مضاعفة رواتب الوافدين الجدد بصورة مستفزة للمشاعر.

 

جمود الترقيات يكرس الرسوب الإداري


وارتباطاً بملف التفرقة المالية، تفاقمت معضلة الرسوب الوظيفي المزمن داخل الجهاز، إثر تجميد حركات الترقيات الدورية لمدد طالت واستطالت، متجاوزة كافة السقوف الزمنية والضوابط القانونية الصارمة الملزمة للجهات والهيئات العامة داخل مصر.

 

وفي هذا السياق، يوضح الدكتور فؤاد عبد النبي، أستاذ القانون الدستوري والإدارة العامة بجامعة المنوفية، أن تعطيل استحقاقات الترقي يمثل مصادرة صريحة للحقوق المكتسبة ومخالفة جسيمة لمبادئ العدالة الإدارية المستقرة في الأعراف القضائية.

 

ويرى أستاذ القانون فؤاد عبد النبي أن تجميد الدرجات يضع قيادات الإدارة تحت طائلة المساءلة الدستورية لانتهاكها نصوص المواد 13 و 27 و 38 الملزمة للدولة بكفالة التوازن وضمان تكافؤ الفرص لجميع العاملين دون محاباة.

 

وفضلاً عن التعطيل الهيكلي، استند التحرك النيابي الأخير للمادة 134 من الدستور والمادة 212 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب لإلزام الجهاز بإنهاء احتجاز ترقيات الموظفين ووقف التمييز المهني غير المبرر فوراً ودون أي إبطاء.

 

ومن جهتها، طالبت عضو البرلمان بإحالة الملف العاجل إلى لجنة المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بمجلس النواب، واستدعاء مسؤولي الجهاز لمساءلتهم ومناقشة وضع آليات حاسمة لإعادة هيكلة المنظومة الإدارية والمالية بصورة عادلة وشاملة.

 

وبناءً على المعطيات الميدانية، يعاني أصحاب الخبرات الذين تجاوزت خدماتهم عقدين من الزمن من بقائهم على درجات مالية مجمدة لا تليق بتفانيهم، بينما تصعد عناصر شابة إلى مواقع قيادية دون استيفاء الشروط القانونية المقررة.

 

وإزاء هذا التجميد، تحولت المكاتب الإقليمية إلى بؤر احتقان داخلي يعطل إنجاز معاملات رواد الأعمال، نتيجة إحساس الكفاءات بالتهميش المتعمد وتجاهل جهودهم التاريخية في تأسيس قطاعات الجهاز وتطوير أدواته الميدانية عبر السنين.

 

وعلى صعيد متصل، يؤدي تعطيل التدرج الوظيفي الطبيعي إلى نسف منظومة التقييم السنوي الموضوعي، إذ تستند المكافآت الاستثنائية والترقيات الفردية إلى الولاءات الشخصية بدلاً من معايير الكفاءة والإنتاجية والجدارة المهنية المتبعة قانوناً.

 

وتأسيساً على تلك المظالم، تتمسك الكوادر القديمة بحقها في تسوية أوضاعها الوظيفية بأثر رجعي، عبر فتح درجات ترقية استثنائية تعوض سنوات الحرمان والجمود الذي فرضته السياسات العقيمة المتعاقبة على الجهاز لسنوات مديدة.

 

تشوهات الأجور تعمق الاختلالات القومية


وبالنظر إلى المشهد الشامل، لا تنفصل أزمة جهاز المشروعات عن مسلسل الفوضى المالية الذي يضرب قطاعات حيوية، حيث يبرز جدول أجور الجامعات الأهلية مفارقة مذهلة برواتب باهظة للأساتذة والجدد مقابل فتات الحكوميات.

 

واستكمالاً لهذه الرؤية، يؤكد الدكتور إلهامي الميرغني، الباحث في العدالة الاجتماعية والاقتصاد السياسي، أن السياسات المتبعة رسخت ازدواجية مقيتة في الأجور العامة، مانحة جهات حديثة مخصصات فلكية بينما يُترك بقية الموظفين فريسة للعوز.

 

ويوضح الباحث إلهامي الميرغني أن المشهد يتطابق مع مأساة المعلمين المستمرة منذ 12 عاماً، عبر صرف رواتبهم بحسابات أساسي عام 2014، مع تطبيق الاستقطاعات والضرائب وفق الأجر الافتراضي المتصاعد في مفارقة جائرة.

 

وعلى هذا الأساس، يمثل الواقع الراهن بجهاز تنمية المشروعات انتهاكاً صارخاً لمبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي، ومصادرة لحقوق الكوادر الوطنية التي أسست المشروعات الصغيرة وسهرت على تنميتها في ربوع البلاد لعقود طويلة خلت.

 

وإضافة إلى ذلك، تعكس البيانات المسربة من قطاع التعليم والجامعات فجوة رواتب شاسعة تبتلع موازنات ضخمة، مما يؤكد انتهاج سياسة تمييزية تفضل واجهات محدثة على حساب القطاعات الإنتاجية والخدمية الراسخة في الجهاز الإداري.

 

وعلى ضوء ذلك، أظهرت تحركات البرلمان خلال شهري أكتوبر ونوفمبر أن استمرار هذه السياسات الجبائية والمحسوبيات المالية يهدد الاستقرار المجتمعي، ويفرغ خطط التنمية الاقتصادية المزعومة من مضمونها في ظل غياب أي رقابة حقيقية.

 

وبالمثل تماماً، تفرض التشوهات الحالية ضرورة فتح ملف الصناديق والهيئات المستقلة على مصراعيه، لمحاسبة المسؤولين المتورطين في إقرار عقود مستحدثة برواتب استعراضية تخالف القوانين المنظمة للحدود القصوى للدخول المعمول بها رسمياً في مصر.

 

وإزاء هذا الواقع، بات من المحتم على نواب البرلمان تصعيد أدوات الرقابة والمساءلة القانونية لوقف هذا النزيف المؤسسي، والضغط الصارم لإعادة هيكلة المنظومة المالية لجهاز المشروعات بما يضمن الردع والإنصاف الكامل لكافة المتضررين.

 

وختاماً  تقف الحكومة أمام اختبار مصيري يفرض عليها التراجع الفوري عن سياسة التمييز التعاقدي، والشروع في تنفيذ ترقيات مستحقة للموظفين بجهاز المشروعات لحماية الأمن الوظيفي وتصحيح انحرافات الأجور في مصر برمتها.