أثار تجريف حديقة الشطر الثاني بزهراء المعادي غضب الأهالي، بعدما اقتحمتها معدات ثقيلة لإزالة الأشجار والنباتات، وسط مخاوف من تحويل متنفسهم الأخضر إلى مشروعات تجارية تزيد اختناق المنطقة وتبدد حق سكانها في بيئة آمنة.
وطالب سكان المنطقة بوقف ما وصفوه بالمذبحة البيئية، والتدخل العاجل لحماية الحديقة، مؤكدين أن عودة الجرافات بعد اعتراضاتهم السابقة تجدد مخاوف ضياع المساحة الخضراء، وتستدعي التحقيق في ملابسات أعمال الإزالة وأسباب استمرارها.
الجرافات تعود رغم اعتراض السكان
وبحسب الأهالي، تقع الحديقة في شارع الزهراء أمام ميدان الخمسين، وتخدم سكان الشطر الثاني والمناطق المحيطة، ما يجعل أعمال الإزالة قضية تمس أسرًا تعتمد على هذه المساحة بوصفها متنفسها الأخضر.
فقد سبق أن نجحت ضغوط السكان واعتراضاتهم في وقف أعمال التجريف مؤقتًا، قبل أن تعود الآليات لاستكمال اقتلاع الأشجار، في مشهد أعاد المخاوف من ضياع الحديقة وأثار تساؤلات حول مصير مطالبهم السابقة.
وفي هذا السياق، وجه الأهالي استغاثاتهم إلى الحكومة ومحافظة القاهرة والجهات المعنية بالتنمية المحلية والبيئة، مطالبين بتدخل فوري يوقف الأعمال ويضمن حماية الأشجار والمساحات الخضراء التي يعتمد عليها سكان المنطقة.
كذلك، ربط السكان غضبهم بمعلومات متداولة عن اتجاه لتحويل الحديقة إلى مشروعات استثمارية، تشمل كافيهات ومطاعم وأكشاكًا وملاعب رياضية، وهو تصور يرونه تهديدًا لوظيفة المكان البيئية ولحقهم في الانتفاع به.
غير أن تفاصيل المشروعات المحتملة تبقى ضمن المعلومات المتداولة بين السكان، بينما تستدعي أعمال التجريف توضيحًا رسميًا لطبيعتها وأهدافها، والجهة التي أقرتها، ومدى مراعاة أثرها على المنطقة وسكانها.
ومن هنا، لا يمكن التعامل مع اعتراضات الأهالي باعتبارها رفضًا مجردًا للاستثمار، فمحور الأزمة هو مصير مساحة عامة يرونها ضرورة يومية، والخشية من تغليب العائد التجاري على احتياجات الحي البيئية.
وبالتالي، يصبح وقف التجريف مطلبًا عاجلًا قبل اتساع الخسارة، لأن استمرار اقتلاع الأشجار يغير واقع الحديقة بينما لا تزال مطالب السكان بحمايتها قائمة، ويجعل أي نقاش لاحق مرهونًا بما يتبقى منها.
متنفس أخضر تحاصره مخاوف الاستثمار
وفي الجانب البيئي، يصف سكان زهراء المعادي حديقة الشطر الثاني بأنها المتنفس الأخضر الوحيد المتبقي لهم، مشددين على أن أهميتها تتجاوز التنزه إلى تخفيف الأتربة والغبار اللذين يصلان إلى المنازل من المناطق المحيطة.
إذ يشير الأهالي إلى قرب المنطقة من أنشطة صناعية ومحاجر، بينها شق الثعبان للرخام والجرانيت والكسارات خلف هضبة المقطم، ما يمنح الكتلة الشجرية قيمة خاصة في مواجهة الأعباء البيئية على مئات الأسر.
ولهذا، ينظر السكان إلى اقتلاع الأشجار بوصفه إزالة لحاجز طبيعي يخفف جانبًا من معاناتهم، ويخشون أن يؤدي تقلص الغطاء الأخضر إلى زيادة تعرضهم للغبار وتراجع جودة البيئة المحيطة بمساكنهم.
كما تتصدر مخاوف الأسر سلامة الأطفال وكبار السن، خصوصًا المصابين بأمراض الجهاز التنفسي، في ظل خشيتهم من فقدان المساحة التي تساعد على تخفيف آثار التلوث القادم من المحاجر والأنشطة الصناعية المجاورة.
وفي المقابل، لا تجيب قائمة الكافيهات والمطاعم والملاعب المتداولة عن السؤال الأساسي المتعلق بمصير الأشجار، فإضافة أنشطة ترفيهية أو تجارية لا تعني تلقائيًا الحفاظ على وظيفة الحديقة كمساحة خضراء تخدم السكان.
فضلًا عن ذلك، فإن تقييم أي مشروع محتمل ينبغي أن يبدأ بتأثيره على الحديقة واحتياجات محيطها السكني، بدل اختزال قيمتها في المساحة المتاحة للبناء أو حجم الإيرادات الممكن تحصيلها من تشغيلها.
وعليه، يتمسك الأهالي بإعادة تشجير الحديقة وحماية ما تبقى منها، باعتبار أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من صحة الناس وجودة حياتهم، وهي مطالب تضع المسؤولين أمام اختبار واضح لاحترام أولوية المصلحة العامة.
وعود التشجير تصطدم بإزالة الحدائق
وبالتوازي مع ذلك، أبدى السكان دهشتهم من التناقض بين أعمال التجريف والمبادرات الرسمية المعلنة للتشجير، متسائلين عن معنى التوسع في الحديث عن حماية البيئة بينما تواجه حديقتهم خطر فقدان أشجارها.
كذلك، استند الأهالي إلى قرارات محافظة القاهرة بشأن تقييد قطع الأشجار أو تقليمها وربط ذلك بموافقات وإشراف جهات مختصة، مطالبين بتطبيق الضوابط على الحديقة والتحقيق في ملابسات ما يجري داخلها.
وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة توضيح الموافقات المرتبطة بأعمال الإزالة، ومدى خضوعها للمراجعة البيئية، فالتوجيهات المعلنة تفقد قيمتها لدى السكان إذا لم تنعكس حماية فعلية للأشجار حين تبدأ المعدات عملها.
ومن جهة أخرى، تعيد أزمة زهراء المعادي إلى الواجهة الجدل حول تقلص الحدائق في القاهرة، مع مشروعات الطرق والكباري والتطوير، وما يرتبط بها من اقتطاع مساحات خضراء أو تغيير استخداماتها.
ومن بين الأمثلة المرتبطة بهذا الجدل حديقة الفنون بالمنيل ومساحات بحدائق القبة، إلى جانب تقليص أجزاء من حديقة اللوتس بمدينة نصر، وهي وقائع غذت المخاوف من استمرار خسارة المساحات العامة.
كما يمتد الجدل إلى التحولات في حدائق أم كلثوم والمسلة والزهرية، حيث أثار إدخال مطاعم ومشروعات ترفيهية وملاعب تساؤلات حول حدود التطوير، ومدى حفاظه على المساحات العشبية والهوية البيئية لهذه الأماكن
وأمام ذلك، تبقى مطالب سكان زهراء المعادي محددة في وقف التجريف وفتح تحقيق شفاف وإعادة التشجير، فحماية الحديقة مسؤولية عامة لا يصح تأجيلها حتى تكتمل الإزالة ويصبح الحديث عن إنقاذها بلا جدوى.

