طالبت نخب سياسية وأكاديمية مصرية بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة تفتح الطريق أمام رحيل قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي وانتقال سلمي للسلطة، وسط تصاعد الاعتراضات على استمرار الديكتاتورية وإغلاق المجال السياسي أمام المنافسة الحقيقية.
وحذرت أصوات وطنية من خطورة استمرار السيطرة على مفاصل الدولة، معتبرة أن إنقاذ الحياة السياسية يتطلب إنهاء احتكار القرار، وإعادة السلطة إلى صناديق الاقتراع، وفتح المجال أمام بدائل مدنية منتخبة.
احتكار السلطة يخنق الحياة السياسية
أكد الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، حاجة مصر إلى مرحلة انتقالية تمتد ثلاث سنوات، تتيح للأحزاب والتيارات السياسية استعادة نشاطها بعيدًا عن القيود التي تعرقل المنافسة.
وشدد نافعة على ضرورة استقلال القضاء، ومنحه الصلاحيات الكاملة لمحاسبة السلطة التنفيذية وأجهزة الدولة عند مخالفة القانون، باعتبار أن غياب المساءلة يسمح باستمرار تغول الحكم على المؤسسات.
وتكشف مطالب نافعة عن أزمة أعمق من مجرد تغيير المسؤولين، تتعلق ببنية الحكم نفسها، ومدى قدرة المؤسسات على العمل باستقلال بعيدًا عن هيمنة السلطة التنفيذية على القرار السياسي.
وفي تصريحات سابقة، وصف نافعة واقع الحكم المصري بأنه يشهد سيطرة رجل واحد على مقاليد السلطة، مع تراجع التعددية السياسية وغياب الفرص الحقيقية أمام القوى المعارضة.
كما اعتبر أن تحكم الأجهزة الأمنية في المجال العام أفرغ العمل الحزبي من مضمونه، وحوّل المؤسسات السياسية إلى هياكل محدودة التأثير في صناعة القرار ومراقبة السلطة.
وتعيد هذه المواقف فتح ملف تركيز السلطة في يد السيسي، وما يرتبط به من مخاوف بشأن تراجع استقلال المؤسسات وتحول تداول الحكم إلى قضية شديدة التعقيد.
ويرى خبراء أن استمرار احتكار القرار السياسي يمنع ظهور قيادات بديلة، ويضعف قدرة المجتمع على محاسبة المسؤولين، بينما تتحول المؤسسات المنتخبة إلى كيانات محدودة التأثير في رسم السياسات.
وفي هذا السياق، تتجاوز المطالبة برحيل السيسي حدود تغيير شخص يتولى الحكم، لتطرح ضرورة تفكيك منظومة سياسية يعتبر منتقدوها أنها تقوم على تركز الصلاحيات وإضعاف المنافسة.
كذلك تضع هذه الدعوات سنوات حكم السيسي أمام مراجعة سياسية تتناول حدود المساءلة، وحرية التعبير، واستقلال القضاء، ومدى إتاحة المجال أمام المواطنين لممارسة حقوقهم السياسية.
انتخابات مبكرة لإنهاء هيمنة السيسي
دعا السياسي إسلام بهي الدين، مؤسس تيار جيل الوسط، إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، مطالبًا السيسي بالتفكير الجاد في آليات انتقال سلمي للسلطة عبر إجراءات دستورية واضحة.
وأكد بهي الدين أن الدعوة إلى انتخابات مبكرة ليست مطلبًا مستحيلًا، وإنما مسار سياسي مشروع يمكن من خلاله إعادة بناء الدولة المدنية وإرساء قواعد التداول الحقيقي للحكم.
وتحمل هذه المطالبة اعتراضًا مباشرًا على استمرار السيطرة على السلطة التنفيذية، وتطرح إجراء انتخابات جديدة باعتباره وسيلة دستورية لإعادة الاختيار إلى المواطنين بدلًا من حصر القرار داخل الحكم القائم.
كما يعكس طرح بهي الدين اتجاهًا سياسيًا يسعى إلى إنهاء حالة الجمود من خلال انتخابات تنافسية، تسمح بظهور مرشحين وبرامج بديلة بعيدًا عن هيمنة مؤسسات الدولة على المجال الانتخابي.
ومن جانبه، اعتبر البرلماني السابق أحمد الطنطاوي أن الإنجاز التاريخي الذي يمكن أن تحققه السلطة الحالية يتمثل في اختيار الرحيل طوعًا، عبر آليات دستورية وانتخابات شفافة تضمن انتقال الحكم.
ويعيد موقف الطنطاوي طرح قضية الرحيل الطوعي للسيسي باعتبارها مخرجًا سياسيًا مطروحًا، بدلًا من استمرار الجدل بشأن احتكار السلطة وما يترتب عليه من انغلاق سياسي.
وفي هذا الإطار، تعكس دعوته تصورًا يعتبر أن استقرار الدولة لا ينبغي ربطه ببقاء الحاكم، وإنما بوجود مؤسسات قادرة على إدارة انتقال السلطة واحترام الإرادة الشعبية.
وتطرح هذه المواقف تساؤلات بشأن قدرة النظام القائم على قبول منافسة انتخابية مفتوحة، تسمح بانتقال المسؤولية التنفيذية إلى شخصية أخرى دون تدخلات تقوض حرية الاختيار.
كما تتقاطع مطالب نافعة وبهي الدين والطنطاوي حول ضرورة فتح المجال السياسي، وإن اختلفت تفاصيل تصوراتهم، بينما يجمع بينها الاعتراض على الجمود القائم وغياب التداول الفعلي للسلطة.
رحيل السيسي واختبار انتقال السلطة
تضع الدعوات إلى الانتخابات المبكرة قضية رحيل السيسي في قلب النقاش السياسي، بعد سنوات من الجدل بشأن التعديلات الدستورية ومدد الحكم وحدود الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية.
وتستعيد هذه المطالبات الجدل المرتبط بالتعديلات الدستورية لعام 2019، التي مددت مدة الولاية إلى ست سنوات، وأثارت اعتراضات بشأن تأثيرها على الضمانات المنظمة لتداول السلطة.
وفي هذا السياق، حذر المفكر السياسي عماد جاد من تعديل الدستور لتحقيق مصالح شخصية أو تمديد فترات الحكم، مشددًا على ضرورة احترام الوثيقة الدستورية باعتبارها عقدًا اجتماعيًا بين الدولة والمواطنين.
ورغم اختلاف موقف جاد بشأن توقيت الانتقال، فإن تحذيره من تعديل قواعد الحكم لمصلحة أشخاص يضيف بعدًا دستوريًا إلى الجدل المتصاعد بشأن مستقبل السلطة في مصر.
وتكشف مجمل هذه المواقف عن اعتراضات سياسية على استمرار تركيز الحكم، ومطالب بإعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وضمان ألا تتحول النصوص الدستورية إلى أدوات لإطالة بقاء السلطة.
كما أن إجراء انتخابات مبكرة، وفقًا لهذه الطروحات، لا ينفصل عن ضمان حرية العمل الحزبي والإعلامي، وحماية المرشحين، وفتح المجال العام أمام تنافس حقيقي لا تتحكم فيه السلطة القائمة.
ومن دون هذه الضمانات، يظل خطر إعادة إنتاج النظام السياسي نفسه قائمًا، حتى مع تغيير المسؤولين، ما يجعل استقلال المؤسسات شرطًا أساسيًا لأي انتقال ديمقراطي مستقر.
وتبرز هنا مسؤولية المؤسسات الدستورية عن حماية العملية الانتخابية، وضمان ألا تستخدم أجهزة الدولة أو مواردها لمصلحة أي مرشح، وأن تكون المنافسة مفتوحة أمام جميع القوى السياسية.
وفي ظل هذه المطالب، لم يعد النقاش المطروح لدى الداعين للتغيير مقتصرًا على إصلاحات جزئية، بل امتد إلى رحيل السيسي نفسه، وإعادة تأسيس العلاقة بين السلطة والمجتمع.
ويعتبر أصحاب هذه الدعوات أن الانتقال السلمي يمكن أن يفتح الباب أمام معالجة أزمة التمثيل السياسي، وإعادة الثقة في المؤسسات، وإنهاء الجدل المستمر حول احتكار الحكم.
وفي النهاية، تضع مطالب النخب المصرية بإجراء انتخابات مبكرة ورحيل السيسي السلطة أمام اختبار سياسي ودستوري واضح، يتعلق بمدى استعدادها لقبول تداول الحكم عبر إرادة الناخبين.
وهكذا يتجاوز الجدل شخص السيسي إلى القضية الأساسية التي تطرحها النخب: كيف يمكن إنهاء تركيز السلطة الديكتاتورية وضمان ألا تصبح الدولة مرتبطة بحاكم مغتصب للسلطة، وأن يظل حق اختيار من يحكمها بيد المواطنين؟

