عصام تليمة
من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن
كان مقال الأستاذ ممدوح الولي نقيب الصحفيين المصري السابق، المنشور على "عربي21" والمعنون بـ (نصيب المشايخ بمناصب الشركات والبنوك المصرية)، مقالا صادما للقراء والمتابعين، والذي رصد فيه الولي عددا من مشايخ السلطة، وعلى رأسهم الشيخ علي جمعة المفتي السابق، وكانت صدمة الذين قرأوا المعلومات، في كم المناصب التي التحقوا بها، في مجالس رقابية شرعية على بنوك ومصارف وشركات.
وقد ذكر الولي في مقاله التوثيقي والاستقرائي، ما يلي: (تصدر المشهد المفتي السابق على جمعة برئاسة ونيابة رئاسة 11 لجنة رقابة شرعية في البنوك والشركات، والأمين السابق للفتوى في دار الإفتاء مجدي عاشور بنصيب ثماني لجان، وكل من المفتي الأسبق نصر فريد واصل، ووكيل الأزهر السابق عباس شومان ورئيس جمعية التمويل الإسلامي محمد البلتاجي؛ بنصيب ست لجان لكل منهم، ورئيس اللجنة الدينية في مجلس النواب عمرو الورداني بخمس لجان، وكل من سعد الدين الهلالى ومحمد نجيب عوضين بثلاث لجان، وكل من الشيخ خالد الجندي والمفتي السابق شوقي علام ووكيل لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب أسامة العبد بلجنتين).
الجميع ركز على عدد المجالس والهيئات التي يتولاها هؤلاء المشايخ، لكن هناك مساحات أخرى لا ينتبه إليها إلا أهل الرصد والاستقصاء في سياق آخر، يكشف عدة أمور أخطر من الجهة الدينية تتعلق بعدد من هؤلاء المشايخ، وهو: التجارة بالفتوى، وليس المقصود بالاتجار بالفتوى هنا، أن ينالوا مقابل فتواهم ماليا، فهذا عمل له مقابل، اختلف فيه الفقهاء قديما، وانتهى إلى الجواز معظم المعاصرين، لأن الفتوى قديما كانت عملا تطوعيا، والآن الفتوى والإمامة والأذان والخطبة، صارت عملا معيشيا لعدد من المتخرجين من الكليات الشرعية.
أحلوا الفائدة وتاجروا بها
فجل هؤلاء المشايخ وعلى رأسهم علي جمعة، وسعد الهلالي، يرون حل فوائد البنوك، والتي لا توجد إلا في بنوك تتعامل بالفائدة التي حرمها جل المجامع الفقهية قبل فتوى الشيخ سيد طنطاوي، وكان هؤلاء في كلامهم وفتاواهم يقولون: البنوك الإسلامية لا تفرق عن البنوك الأخرى، وأطلقوا عليها: البنوك التقليدية، حتى لا توصم بالبنوك الربوية، ونفوا عن الفوائد الربا، أو شبهته. وكانوا يفتون من يضع ماله في البنك بفائدة، أن الفائدة حلال، ولست مجبرا أن تضع مالك في بنك يوصف بالإسلامي.
أين التجارة في الفتوى هنا؟ التجارة هنا في وجود هؤلاء المشايخ في بنوك ومصارف إسلامية، أي: أن أصل عملها الابتعاد عن الفائدة والربا، فلماذا انضم إليها هؤلاء المشايخ، ما داموا يرون حل الفائدة، فلو أن هذه البنوك الإسلامية أخذت بفتواهم، أم لم تأخذ، فلا فرق في كلامهم بين الإسلامي وغيره، فلماذا إذن يحتاج البنك الإسلامي لهيئة رقابة شرعية، ويكون على رأسها من يرى أنه لا فرق بين الإسلامي والربوي؟!
هذه عين التجارة بالفتوى، والسعي وراء السبوبة المالية، فلو كانوا صادقين في فتواهم بحل الفوائد، لرفضوا الانضمام لهذه المصارف، ولقالوا: لماذا نراقب عليكم، وأعمالكم، وأعمال البنوك الأخرى حلال، وهي فتوى عامة للجمهور، فهل ما أحلوه للجمهور، يحتاج إلى تفصيل، فمثلا: لو أن شيخا أجاز شرب البيرة، وقال: إنها حلال، وأنها مثل المياه المعدنية لا تختلف في حلها قيد شعرة، فهل يصح منه أن يتولى منصب الرقابة الشرعية، على شركة المياه المعدنية؟!
فلو كان هؤلاء المشايخ صادقين في فتواهم، وفي توجههم الفقهي، في إباحة فوائد البنوك، لكان الأولى بهم رفض وجود رقابة شرعية بالأساس في مصارف وبنوك في مصر، لأنهم لا يروا فرقا بينها من حيث المشروعية، وهو ما رأيناه في المملكة العربية السعودية مثلا، فإنك تجد في بلدان كثيرة بنك فيصل الإسلامي، ولا يمكن أن تجد له فرعا واحدا في السعودية، وذلك لسبب بسيط، لأنه لو وجد لكان اعترافا من المملكة أن ما سواه من بنوك ليس إسلاميا، وهي تعلن أنها دولة إسلامية تطبق الشريعة، فكانت واضحة مع نفسها في ذلك، وكان شيوخها واضحين كذلك، وهم الشيوخ الذين هاجمهم، ولا يزال يهاجمهم علي جمعة ومريدوه، واتهامهم بالوهابية، ونشر التشدد، ونشر المدرسة الواحدة!
لقد هاجم عدد من هؤلاء المشايخ، العلماء الذين شجعوا على إقامة البنوك الإسلامية، أو الفروع الإسلامية لبنوك ربوية، بأن هدف هؤلاء الربح المالي، والتجارة، وهو ما يجعل فتاواهم في هذا الميدان من إباحة الفوائد البنكية، فتاوى ضرار، على غرار: مسجد الضرار، فلو كانت فتاواهم عن قناعة، لما وجدوا حاجة لوجود رقابة شرعية في بنوك في مصر، ولو كانت بنوكا إسلامية، وما تولوا فيها الرقابة عليها، لأنهم لا يروا فرقا بينها وبين غيرها في المشروعية، فما الحاجة لهم ولفتاواهم إذن؟!
يهاجمون الإخوان ويقلدونها!!
النقطة الأخرى في تناقض هؤلاء المشايخ، أنهم كانوا من قبل يهاجمون الحركات الإسلامية التي كانت بعض هذه المصارف ثمرة لجهودهم، وجهود غيرهم من العلماء، بأنهم يحكمون على الدولة وبنوكها بالحرمة، وذلك ليقوموا بعمل دولة موازية، وشنوا حملات، مع الإعلام المؤيد لهذه السلطة لفترات طويلة على هذه البنوك والمصارف، والعجيب أن هذه الحملات توقفت بعد الانقلاب العسكري، فلا تجد في مواقعهم حديثا عن شيوخ البنوك والمصارف، لأن شيوخه الآن هم أنفسهم شيوخ السلطة، وصارت البنوك مصدر ارتزاق لهم، وهي كعكة قسمتها السلطة، فإعلام السلطة لإعلامييها، ورقابة البنوك والمصارف الإسلامية لشيوخ السلطة.
وهاجموا الإخوان في موقفهم بعد ثورة يناير، بأنهم دعوا للمشاركة لا المغالبة، وأنكروا عليهم أن دخلوا المجالس بأغلبية، وهو مجال سياسي يقبل ذلك، فالأمر مرده للناخب والشعب، لكن العجيب أنهم مارسوا المبدأ ذاته بشكل فج، وفي مسلك الدين والفتوى، فعلي جمعة بالعودة لمقال الولي، سنجد عددا من الهيئات يتولى الرقابة فيها، بنصيب الأسد، ويليه تلامذته المقربون، وعلى رأسهم د. عمرو الورداني، وهو درعمي مقرب جدا من جمعة، وهو من رشحه للسيسي ليكون رئيسا للجنة الدينية، فعلى أي أساس قدم جمعة تلامذته والمقربين منه؟ إنه نفس الأساس الذي ينكره على الجماعات، وهو معيار الولاء له، ولطريقته.
وما يتهمون به الجماعات، من الإقصاء، هو عين ما يقومون به في هذه الهيئات، فلن تجد عالما بينهم ليس مواليا للسلطة بدرجة ما، ولو اشتموا منه رائحة المخالفة في قليل لوشوا به، ولأقصوه وأبعدوه، فقد كان في رقابة هذه المصارف من قبل، شيوخ لا علاقة لهم بالسلطة، أو معارضين، لكن في مصر السيسي لا مكان لمن لا يوافقه.
باب أمني لتمويل الأذرع الدينية
النقطة التي لم يتناولها مقال الولي، هي أن هذه المناصب لا تتم بمعزل عن مباركة السلطة، وتزكية من الأمن الوطني في مصر، فإذا كان في عهد مبارك، لم يكن هناك عامل بوفيه في بنك، أو في وزارة، يتم تعيينه بدون جواب الأمن، ففي عهد السيسي الأمر أشد، ففي أيام مباك كان هناك قضاء إداري يمكن للمحروم من حقه القانوني اللجوء إليه، وكثيرا ما أنصفه، لكننا اليوم في ظل قضاء يتلقى أوامره في مثل هذه القضايا بالهاتف، وبالأمر المباشر وغير المباشر، ولذا لا يتعجب الناس من تأييد علي جمعة المطلق لهذه السلطة، فقد أغدقت عليه ما لم يكن يحلم به.
وهذا ملمح جديد ومهم في الانتماءات والولاءات للمشايخ في مصر، فقد عرف الباحثون والدارسون للملف الديني في مصر، مسألة التمويل، والدعم الخارجي، ماليا وسياسيا، فهذا يتبع للإمارات، وذاك يتبع السعودية، وكان السؤال عن شخصيات لا يبدو جليا ممن يتمولون؟ فجاءت هذه المناصب لتشير إلى مصدر ليس بالقليل لتبني الذراع الديني من المشايخ، وذلك عن طريق هذه المواقع والتي تدر عائدا ليس قليلا على من ترشحه السلطة لتوليه، سواء في رقابة شرعية داخل مصر، أو خارجها في دول خليجية.

