يرصد الكاتب هارلان أولمان كواليس اللقاء التاريخي الذي جمعه بالرئيس المصري محمد أنور السادات لبحث الأبعاد الاستراتيجية لحرب أكتوبر عام 1973. فقد خاضت القوات المسلحة المصرية والسورية هجوما متزامنا ومباغتا نجح في تحطيم خط بارليف وعبور قناة السويس واستعادة المبادأة العسكرية. ونتيجة لذلك فقد شكلت تلك اللحظة صدمة بالغة لجيش الاحتلال الإسرائيلي الذي تكبد خسائر فادحة في الأيام الأولى للمواجهة.
ويستجلي هذا التحليل حقائق المعركة ومآلاتها السياسية. وتناول دور التخطيط العسكري المحكم وتباين الرؤى بين القيادة السياسية وهيئة أركان الجيش حول إدارة العمليات الميدانية. وبناء على ذلك فقد أبرزت التغطيتان كيف وظفت القاهرة نتائج الحرب لإنهاء الاحتلال في شبه جزيرة سيناء وتحريك مياه المفاوضات الراكدة.
بدأ الزلزال العسكري بعبور اثنين وثلاثين ألف جندي مصري للمانع المائي تحت غطاء ناري كثيف حطم أسطورة التفوق الإسرائيلي المطلق. ونسقت القيادة المصرية ضرباتها مع الجبهة السورية التي شنت هجوما موازيا لاسترداد هضبة الجولان المحتلة منذ عدوان يونيو عام 1967. ومن ثم فقد اضطرت حكومة تل أبيب إلى التراجع السريع أمام بسالة المقاتل العربي الذي استعاد ثقته وكرامته الوطنية.
"سعى الرئيس السادات إلى تحقيق نصر سياسي بعيد المدى، مؤمنا بأن هزيمة الجيش الميدانية لا تلغي حتمية كسب المعركة الدبلوماسية لاحقا".
— الكاتب هارلان أولمان، كبير مستشاري المجلس الأطلسي بواشنطن (وكالة يو بي آي)
تطورت العمليات العسكرية سريعا بعدما فتحت واشنطن جسرا جويا عاجلا لإنقاذ جيش الاحتلال من الانهيار الكامل وتزويده بأحدث الأسلحة الذكية. واستعادت القوات الإسرائيلية توازنها بعد أيام من الصدمة وشنت هجمات مضادة أحدثت ثغرة في منطقة الدفرسوار غرب القناة. ومع ذلك فقد أظهرت القيادة المصرية صمودا تفاوضيا اعتمد على مكتسبات العبور وتحطيم منظومة الدفاع الحصينة.
خطة الخداع وكسر غرور الاحتلال
أدرك الرئيس أنور السادات ضرورة طرد ثلاثين ألف خبير سوفيتي عام 1972 لتحرير القرار الوطني من قيود الحرب الباردة. ومارس الجيشان المصري والسوري سلسلة مناورات وتدريبات مضللة طوال أشهر لإرباك أجهزة الاستخبارات المعادية واستنزاف اقتصاد الخصم. ولهذا السبب فقد استكانت قيادة الاحتلال لشعور زائف بالأمان وتجاهلت تحذيرات الهجوم حتى اندلاعه في يوم الغفران.
"أكد الرئيس السادات أن استعادة شبه جزيرة سيناء تمثل هدفا حيويا ومصيريا يستحق التضحية بمليون شهيد في سبيل إنجازه".
— هارلان أولمان، مستذكرا حواره مع السادات عام 1976 (وكالة يو بي آي)
أثبتت خطة الاقتحام المصري براعة منقطعة النظير في العلوم العسكرية وألهمت معاهد الدراسات الاستراتيجية حول العالم لعقود طويلة. ونجحت القوات المهاجمة في تثبيت أقدامها شرق القناة ورفع العلم الوطني فوق الأراضي المستردة في مشهد تاريخي مهيب. وبالتالي فقد أسقطت البندقية العربية فرضية الاستسلام للأمر الواقع ونسفت أوهام الردع الإسرائيلي إلى الأبد.
واجهت الولايات المتحدة الأمريكية أزمة كبرى مع تصاعد التوتر ورفع حالة التأهب العسكري للدفاع الوطني إلى الدرجة الثالثة تحسبا لصدام مباشر مع موسكو. وسارع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر إلى فرض وقف إطلاق النار بالتعاون مع مجلس الأمن الدولي. ولذلك فقد تسابقت القوى العظمى إلى احتواء النزاع خشية الانزلاق نحو مواجهة نووية كارثية تعصف باستقرار العالم.
تباين الرؤى وخلافات القيادة الميدانية
تطرح الباحثة ريم أبو الفضل تساؤلات جوهرية حول هوية الصانع الحقيقي لمعجزة العبور بين طموح القيادة السياسية وكفاءة القيادة العسكرية. فقد تجلت الخلافات الاستراتيجية بين السادات ورئيس أركان حربه الفريق سعد الدين الشاذلي خلال الأسبوع الثاني للمعارك الشرسة. وأدت قرارات القيادة العليا بتطوير الهجوم شرقا خارج مظلة الدفاع الجوي إلى تمكين القوات الإسرائيلية من تنفيذ هجوم مضاد.
"رفع المقاتلون المصريون راية النصر فوق رمال سيناء، محطمين خرافة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر بعد ست سنوات من الاحتلال البغيض".
— الباحثة ريم أبو الفضل، أستاذة العلوم السياسية (مجلة هيستوري توداي)
سارعت القاهرة عقب توقف إطلاق النار إلى الانخراط في مفاوضات الكيلو 101 على طريق القاهرة السويس برعاية منظمة الأمم المتحدة. والتقى المفاوضون المصريون بالجانب الإسرائيلي لفض الاشتباك العسكري وتثبيت خطوط الهدنة في ظل حضور فاعل لوزير الخارجية الأمريكي. وبناء عليه فقد تحولت جهود الحرب سريعا إلى مسار الدبلوماسية المباشرة لإنهاء النزاع واستعادة الأرض المحتلة.
رأى بعض المحللين في تلك التنازلات المبكرة تراجعا عن المكاسب التكتيكية العريضة التي حققها الجنود بدمائهم في الميدان. غير أن الرؤية السياسية للسادات انطلقت من قناعة بضرورة إنهاء حالة الاستنزاف واستثمار الصدمة العسكرية لانتزاع السيادة الكاملة. ومن هذا المنطلق فقد فتحت مباحثات فض الاشتباك الباب واسعا أمام تسوية شاملة أعادت سيناء إلى السيادة الوطنية.
دبلوماسية التسوية وحصاد السلام المنفرد
شهدت المنطقة تحولا جذريا بزيارة السادات إلى القدس المحتلة عام 1977 وإلقائه خطابا تاريخيا أمام نواب البرلمان الإسرائيلي. ورعى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بعد ذلك مفاوضات منتجع كامب ديفيد الشاقة التي انتهت بتوقيع معاهدة السلام عام 1979. ونتيجة لذلك فقد خرجت مصر رسميا من معادلة الصراع المسلح المباشر لتبدأ مرحلة جديدة من إعادة البناء الداخلي.
"أطلقت القرارات الرئاسية مسارا تفاوضيا سريعا مع وزير الخارجية الأمريكي عند نقطة التفتيش التابعة للأمم المتحدة بالكيلومتر 101".
— ريم أبو الفضل، راصدة التحول من الحرب إلى المفاوضات (مجلة هيستوري توداي)
واجهت القيادة المصرية غضبا عربيا عارما تمثل في نقل مقر جامعة الدول العربية وقطع العلاقات الدبلوماسية مع القاهرة لسنوات. واعتبرت الأطراف الرافضة للاتفاق أن المعاهدة شقت الصف العربي وتركت القضية الفلسطينية دون حل عادل يضمن حقوق شعبها. ومع ذلك فقد دافعت القاهرة عن حقها في استرداد أراضيها المغتصبة بعدما قدمت أثمانا باهظة في أربع حروب متتالية.
أسدلت المعاهدة الستار على عقود من الحروب النظامية بين مصر وإسرائيل، مكرسة واقعا أمنيا استمر لخمسين عاما تالية. ولكن غياب الحل الشامل للحقوق الفلسطينية أبقى المنطقة فوق صفيح ساخن يهدد الاستقرار الإقليمي بين الحين والآخر. وتبقى ملحمة أكتوبر المجيدة شهادة حية على إرادة الجندي العربي وقدرته على صنع المعجزات حين تتاح له فرصة القتال الشريف.
https://www.historytoday.com/archive/feature/why-egypt-went-war-1973
https://www.upi.com/Voices/2023/10/04/Harlan-Ullman-Anwar-Sadat-Arab-Israeli-war/1301696420040/

