كشف اجتماع لجنة تطوير الإعلام برئاسة ضياء رشوان عن مفارقة صارخة، بعدما تصدرت الوعود بإصدار قانون حرية تداول المعلومات المناقشات، بينما غابت قضية حبس صحفيي «متصدقش» عن موقف الوزير المعلن.
⠀
⠀
وأثار هذا التجاهل تساؤلات بشأن جدية الحديث الحكومي عن تطوير الإعلام، في وقت يقبع فيه ستة صحفيين خلف القضبان على ذمة اتهامات مرتبطة بالنشر والعمل الإعلامي.
⠀
⠀
وجاء الاجتماع وسط تصاعد المخاوف بشأن حرية الصحافة في مصر، بعدما تحولت المطالبات بفتح المجال الإعلامي إلى وعود مؤجلة، بينما تواصل الأجهزة الأمنية ملاحقة صحفيين بسبب أنشطتهم.
⠀
⠀
وتكشف هذه المفارقة أزمة أعمق في سياسات حكومة السيسي، التي تتحدث عن حرية تداول المعلومات أمام الكاميرات، بينما تواجه اتهامات بتقييد المجال الصحفي وتجريم أنشطة إعلامية معارضة.
⠀
⠀
قانون جديد وحرية مؤجلة باستمرار
أعلن ضياء رشوان، خلال اجتماع لجنة تطوير الإعلام، احتمال إحالة مشروع حكومي لقانون حرية تداول المعلومات إلى مجلس النواب بالتزامن مع الاجتماع السنوي للإعلام المصري المقرر في ديسمبر المقبل.
⠀
⠀
وبحسب مصدر حضر الاجتماع، فإن الوزير تحدث عن مشروع أعدته الحكومة بالفعل، لكنه لم يكشف تفاصيل مواده أو الضمانات التي يتضمنها لحماية حق الصحفيين والمواطنين في المعلومات.
⠀
⠀
ولم يوضح رشوان مدى اختلاف المشروع الحكومي عن مشروع نقابة الصحفيين، الذي سبق إدراجه ضمن توصيات لجنة تطوير الإعلام، ما يثير مخاوف بشأن طبيعة القيود المحتملة.
⠀
⠀
كما أشار المصدر إلى إمكانية التفاوض حول المواد الخلافية بعد إعلان المشروع الحكومي وعرضه على النقابة، دون تحديد موعد نهائي لإقراره أو ضمانات لتنفيذ أحكامه.
⠀
⠀
وتعيد هذه الوعود إلى الواجهة سنوات طويلة من تعطيل إصدار القانون، رغم أن الدستور المصري ينص صراحة على حق المواطنين في الحصول على المعلومات والوثائق الرسمية.
⠀
⠀
فمنذ إقرار دستور 2014، ظل هذا الاستحقاق معلقًا، بينما تكررت المشروعات والتصريحات الحكومية دون خروج قانون يضمن تدفق المعلومات بصورة واضحة ويلزم الجهات الرسمية بالشفافية.
⠀
⠀
وتزداد المفارقة حين يصبح الحديث عن إتاحة المعلومات منفصلًا عن واقع الصحفيين الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى المصادر الرسمية أو مساءلة المسؤولين بشأن القضايا العامة.
⠀
⠀
كما أن غياب تفاصيل المشروع الحكومي يفتح الباب أمام التساؤلات بشأن الاستثناءات التي قد تسمح بحجب المعلومات، ومدى استقلال الجهات المسؤولة عن الفصل في طلبات الحصول عليها.
⠀
⠀
ولا يمكن اعتبار مجرد إحالة المشروع إلى البرلمان إنجازًا حقيقيًا، ما لم يتضمن ضمانات تمنع استخدام السرية الإدارية والأمنية ذريعة لحجب المعلومات التي يحتاجها المواطنون.
⠀
⠀
وبينما تتحدث الحكومة عن تطوير الإعلام، تبقى القضية الأساسية مرتبطة بقدرة الصحفي على ممارسة عمله دون خوف، وليس بعدد اللجان والمؤتمرات التي تعقدها المؤسسات الرسمية.
⠀
⠀
صحفيو متصدقش غائبون عن المناقشات
في الوقت الذي ناقش فيه الاجتماع مستقبل الحريات الإعلامية، كانت قضية صحفيي «متصدقش» لا تزال مفتوحة أمام نيابة أمن الدولة العليا، بعد القبض على ستة من فريق تحرير المنصة.
⠀
⠀
وكانت قوات الأمن قد ألقت القبض على الصحفيين يومي 28 و29 سبتمبر الماضي، قبل عرضهم على جهات التحقيق التي قررت حبسهم احتياطيًا لمدة خمسة عشر يومًا.
⠀
⠀
وواجه الصحفيون اتهامات تتعلق بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية، وهي اتهامات أثارت اعتراضات حقوقية ومخاوف من توظيف الإجراءات الجنائية ضد العمل الصحفي.
⠀
⠀
وبحسب محامين ومنظمات حقوقية، فقد ظل بعض الصحفيين بعيدين عن التواصل مع أسرهم ومحاميهم عدة أيام، قبل ظهورهم أمام نيابة أمن الدولة العليا ومباشرة التحقيقات معهم.
⠀
⠀
كما تحدث صحفيون عن تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، وهي ادعاءات نفتها وزارة الداخلية، بينما طالبت جهات حقوقية بإجراء تحقيقات مستقلة وشاملة بشأنها.
⠀
⠀
وفي السابع من أكتوبر، أعلنت النيابة العامة أن تقارير الطب الشرعي الخاصة بثلاثة صحفيين لم تظهر إصابات أو علامات تدل على تعرضهم للعنف.
⠀
⠀
غير أن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية اعتبرت أن نتائج الفحص لا تحسم جميع ادعاءات الإكراه وسوء المعاملة، وطالبت بالتحقيق في ظروف الاحتجاز وسماع أقوال المعنيين.
⠀
⠀
ورغم خطورة هذه التطورات، لم يعلن رشوان خلال اجتماع تطوير الإعلام موقفًا مباشرًا بشأن حبس الصحفيين الستة، وفق ما نقلته مصادر حضرت المناقشات.
⠀
⠀
وبحسب المصادر، أثيرت القضية بصورة غير مباشرة خلال كلمات بعض المشاركين، بينهم نقيب الصحفيين، لكن المناقشات اتجهت إلى القواعد العامة بدلًا من تناول القضية بصورة مستقلة.
⠀
⠀
ويثير ذلك تساؤلات بشأن جدوى الاجتماعات المخصصة لحماية الصحافة، إذا لم تتحول إلى مواقف واضحة تجاه الأزمات الفعلية التي تواجه الصحفيين أثناء ممارسة عملهم.
⠀
⠀
فكيف يمكن الحديث عن تحسين بيئة العمل الصحفي بينما يقبع صحفيون في الحبس الاحتياطي؟ وكيف تصبح حرية المعلومات أولوية بينما يغيب النقاش المباشر حول مصير العاملين بها؟
⠀
⠀
ولا يعني وجود تحقيقات جنائية إلغاء قرينة البراءة أو حق الصحفيين في الدفاع القانوني، كما لا يعفي الجهات المختصة من واجب التحقيق المستقل في أي انتهاكات مزعومة.
⠀
⠀
لكن الصمت السياسي تجاه القضية يظل مثيرًا للتساؤلات، خصوصًا عندما يصدر عن وزير للإعلام يفترض أن تكون حماية بيئة العمل الصحفي ضمن أولويات مسؤولياته العامة.
⠀
⠀
وعود التطوير تصطدم بالقبضة الأمنية
تكشف قضية «متصدقش» عن الفجوة بين الوعود الحكومية بتطوير الصحافة والواقع الذي تواجهه المؤسسات الإعلامية المستقلة، في ظل استمرار المخاوف المرتبطة بالحبس الاحتياطي والاتهامات الفضفاضة.
⠀
⠀
وفي هذا السياق، يصعب الفصل بين قانون حرية تداول المعلومات وبين التشريعات المنظمة للنشر، لأن حصول الصحفي على المعلومة يفقد قيمته إذا أصبح نشرها سببًا للملاحقة.
⠀
⠀
وتزداد الأزمة عندما تتحول اتهامات نشر الأخبار الكاذبة إلى مصدر خوف للعاملين بالمهنة، خصوصًا مع غياب ضمانات كافية تمنع الخلط بين الخطأ المهني والنشاط الإجرامي.
⠀
⠀
كما أن تطوير الإعلام لا يبدأ من تغيير الشعارات أو تنظيم المؤتمرات، وإنما من توفير بيئة تسمح بكشف الفساد ومساءلة المسؤولين وتناول الأزمات دون تهديدات أو ضغوط.
⠀
⠀
وفي اجتماع اللجنة، طُرح أيضًا مقترح حظر الحبس في قضايا النشر، لكن المناقشات كشفت أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تعديل مواد قانونية أخرى تجيز الحبس تحت مسميات مختلفة.
⠀
⠀
وبحسب المشاركين، لم يعترض رشوان مبدئيًا على المقترح، لكنه تحدث عن مسار تشريعي أطول، ما يعيد المخاوف من بقاء الضمانات الصحفية رهينة إجراءات حكومية مؤجلة.
⠀
⠀
وتثير هذه التصريحات سؤالًا مباشرًا: لماذا يستمر تأجيل الحماية التشريعية للصحفيين، بينما تستطيع السلطات اتخاذ إجراءات سريعة عندما يتعلق الأمر بالملاحقات والتحقيقات الجنائية؟
⠀
⠀
كما ناقش الاجتماع شكاوى صحفيين من رفض مسؤولين حكوميين تزويدهم بالمعلومات أو الرد على استفساراتهم، بحجة ضرورة الحصول على تصريح مسبق للتحدث إلى وسائل الإعلام.
⠀
⠀
وفي المقابل، أوضح رشوان أن هذه التصاريح ذات طبيعة تنظيمية، ونفى وجود دور رقابي لوزارته، لكن استمرار الشكاوى يكشف الحاجة إلى قواعد واضحة وملزمة لجميع الجهات.
⠀
⠀
ولا يمكن بناء صحافة حرة بينما يظل الحصول على المعلومات مرتبطًا بموافقة المسؤول، أو تصبح الإجابة عن سؤال مهني خاضعة لاعتبارات إدارية يصعب على الصحفي تجاوزها.
⠀
⠀
كما يصبح الحديث عن استعادة ريادة الإعلام المصري بلا معنى إذا لم تتوافر ضمانات حقيقية لاستقلال المؤسسات الصحفية وحماية الصحفيين وحق الجمهور في معرفة الحقائق.
⠀
⠀
وفي ظل هذه التطورات، تتحمل حكومة السيسي مسؤولية إثبات جدية وعودها، من خلال إصدار تشريعات واضحة، وضمان المحاكمات العادلة، وحماية الصحفيين من الإجراءات التعسفية.
⠀
⠀
كما يتحمل ضياء رشوان مسؤولية توضيح موقفه من قضية «متصدقش»، والكشف عن الإجراءات العملية التي يمكن اتخاذها لحماية بيئة العمل الصحفي، بدلًا من الاكتفاء بالوعود العامة.
⠀
⠀
ولا يمثل انعقاد المؤتمرات السنوية ضمانة للإصلاح، إذا ظلت القضايا الأساسية معلقة، وبقيت الحريات الصحفية مرتبطة بتقديرات السلطة بدلًا من حقوق دستورية يكفلها القانون.
⠀
⠀
وفي النهاية، تبدو المفارقة أكثر قسوة عندما تتحدث الحكومة عن حرية تداول المعلومات، بينما يقضي صحفيون أيامهم خلف القضبان، وتنتظر أسرهم ومحاموهم حسم الإجراءات القانونية بحقهم.
⠀
⠀
ويبقى السؤال الذي يواجه ضياء رشوان وحكومة السيسي: ما قيمة قانون لحرية تداول المعلومات إذا ظل الصحفي يخشى الملاحقة بسبب عمله، وبقيت حماية الصحافة مجرد وعود تتكرر داخل القاعات المغلقة؟.

