كشفت التحقيقات المستقلة بشأن هجوم السابع من أكتوبر 2023 عن تناقضات خطيرة في بعض الروايات الإسرائيلية، بعدما سقطت ادعاءات جرى ترويجها عالمياً لتبرير الحرب المدمرة على قطاع غزة.
وأظهرت الوقائع أن حكومة بنيامين نتنياهو سعت إلى توظيف الهجوم سياسياً وإعلامياً لتقديم إسرائيل باعتبارها ضحية مطلقة، بينما تعرض الفلسطينيون لعمليات قتل وتهجير ودمار واسع تحت شعار الدفاع عن النفس.
وبينما وثقت التحقيقات جرائم ارتكبتها فصائل فلسطينية بحق مدنيين إسرائيليين، فإنها كشفت أيضاً تجاوزات إسرائيلية خطيرة، مؤكدة أن تلك الجرائم لا تمنح الاحتلال حق معاقبة سكان غزة جماعياً.
وفي الذكرى الثالثة للهجوم، تتجدد التساؤلات بشأن الروايات التي روجتها السلطات الإسرائيلية، ومدى استغلالها لتبرير عمليات عسكرية أوقعت عشرات الآلاف من القتلى الفلسطينيين ودمرت قطاعات واسعة من الحياة المدنية.
روايات إسرائيلية تسقط أمام التحقيقات
بدأت حملة الدعاية الإسرائيلية عقب السابع من أكتوبر بتداول روايات صادمة عن قتل الأطفال والرضع، بعضها انتشر عالمياً دون أدلة موثوقة، قبل أن تكشف تحقيقات لاحقة عدم صحة تفاصيل أساسية.
وكانت مزاعم قتل عشرات الأطفال الرضع وقطع رؤوسهم من أبرز القصص التي اجتاحت وسائل الإعلام، رغم عدم ثبوت صحتها بالشكل الذي روجته التصريحات الإسرائيلية الأولى.
وكشفت التحقيقات أن بعض العاملين بمنظمة «زاكا» الإسرائيلية نشروا روايات غير صحيحة عن وقائع محددة، بينها قصة امرأة حامل تعرضت لاعتداء مروع، دون وجود أدلة تدعم تلك التفاصيل.
كما تبين أن روايات أخرى عن اعتداءات جنسية استندت إلى استنتاجات متسرعة من متطوعين غير متخصصين في التحقيقات الجنائية، قبل أن تظهر معلومات تناقض بعض شهاداتهم الأولية.
ولا يعني سقوط هذه الروايات إنكار الجرائم المثبتة، لكنه يفضح خطورة تحويل الادعاءات غير المتحققة إلى حقائق مطلقة تستخدمها حكومة الاحتلال لتبرير عمليات عسكرية واسعة ضد الفلسطينيين.
وفي المقابل، خلصت تحقيقات أممية إلى وقوع جرائم قتل واحتجاز رهائن وعنف جنسي خلال الهجوم، وهو ما يفرض التمييز بين الوقائع المثبتة والقصص التي ثبت اختلاقها.
غير أن حكومة نتنياهو استثمرت الصدمة العالمية لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية، مع تقديم الحرب باعتبارها ضرورة أمنية، بينما كانت الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس تتعرض لدمار غير مسبوق.
وتحول الحديث عن حماية المدنيين الإسرائيليين إلى غطاء سياسي لحرب دفع ثمنها سكان غزة، في وقت لم تؤد فيه إدانة الجرائم الفلسطينية إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.
بروتوكول هانيبال يكشف نيران الاحتلال
وفجرت التحقيقات المتعلقة باستخدام ما يعرف ببروتوكول «هانيبال» تساؤلات بشأن مسؤولية القوات الإسرائيلية عن سقوط بعض مواطنيها خلال الهجوم، بعدما ظهرت أدلة على استهداف مركبات ومواقع احتجز فيها رهائن.
ويرتبط البروتوكول بإجراءات عسكرية تهدف إلى منع وقوع أفراد من القوات الإسرائيلية في الأسر، حتى عندما ينطوي التدخل العسكري على مخاطر جسيمة تهدد حياة المحتجزين.
وكشفت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة عن وقائع استخدمت فيها القوات الإسرائيلية نيرانها خلال الهجوم، ما أدى إلى مقتل مدنيين إسرائيليين كانوا محتجزين أو معرضين للاختطاف.
ومن أبرز الوقائع إطلاق دبابة إسرائيلية النار على منزل في مستوطنة بئيري، كان يحتجز داخله رهائن، وهو ما أثار تساؤلات خطيرة بشأن قرارات القيادة العسكرية خلال المواجهات.
كما وثقت التحقيقات واقعة مقتل امرأة إسرائيلية بنيران مروحية عسكرية أثناء محاولة نقلها إلى غزة، في دليل إضافي على أن بعض الضحايا سقطوا بنيران إسرائيلية.
لكن هذه النتائج لا تثبت أن غالبية قتلى السابع من أكتوبر سقطوا بنيران الجيش الإسرائيلي، وإنما تكشف مسؤولية إضافية تتطلب تحقيقاً شاملاً بعيداً عن التعتيم والتوظيف السياسي.
وتضع هذه الوقائع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمام اتهامات خطيرة بشأن حماية مواطنيها، خصوصاً بعدما تحول منع الأسر إلى أولوية عسكرية قد تتعارض مع الحفاظ على أرواح الرهائن.
وفي الوقت نفسه، كشفت التحقيقات العسكرية عن إخفاق استخباراتي وأمني واسع، رغم وجود مؤشرات وتحذيرات سابقة لم تترجم إلى استعدادات كافية لمنع الهجوم.
وبدلاً من تقديم محاسبة سياسية شاملة عن هذا الفشل، واصل نتنياهو توظيف الحرب في خطابه الأمني، وسط مطالبات إسرائيلية متكررة بتحقيق مستقل يكشف مسؤوليات القيادة السياسية والعسكرية.
جرائم غزة تفضح ازدواجية إسرائيل
وفي غزة، لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية عند استهداف الفصائل المسلحة، بل امتدت آثارها المدمرة إلى السكان المدنيين والبنية التحتية والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء.
وكشفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة عن ارتكاب السلطات الإسرائيلية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها القتل المتعمد والتجويع والتهجير القسري واستهداف المدنيين.
وفي سبتمبر 2025، ذهبت اللجنة أبعد من ذلك، إذ خلصت إلى ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، استناداً إلى تحليل الأفعال العسكرية وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين.
ويمثل هذا الاستنتاج إدانة بالغة الخطورة صادرة عن لجنة تحقيق أممية، وإن لم يكن حكماً قضائياً نهائياً صادراً عن محكمة العدل الدولية بشأن مسؤولية إسرائيل عن الإبادة.
وتكشف هذه النتائج حجم التناقض بين الخطاب الإسرائيلي المعلن عن حماية المدنيين، وبين الممارسات العسكرية التي أدت إلى تدمير واسع النطاق لمقومات الحياة داخل القطاع المحاصر.
ولا يمكن اعتبار قتل المدنيين الفلسطينيين أو تجويعهم أو تهجيرهم دفاعاً مشروعاً عن النفس، مهما بلغت خطورة الجرائم المرتكبة خلال السابع من أكتوبر، فالقانون الدولي لا يبيح العقاب الجماعي.
كما لا يمكن فصل هجوم أكتوبر عن السياق التاريخي للصراع، وما سبقه من احتلال وحصار واستيطان وانتهاكات مستمرة للحقوق الفلسطينية، وهي حقائق تجاهلها جانب كبير من الخطاب الإسرائيلي.
غير أن فهم هذه الخلفيات لا يعني تبرير استهداف المدنيين أو احتجازهم رهائن، مثلما لا يمنح الهجوم إسرائيل الحق في تدمير غزة أو إخضاع سكانها للعقاب الجماعي.
وبعد ثلاث سنوات، تبدو محاولات نتنياهو احتكار رواية الضحية عاجزة عن إخفاء حجم الكارثة الفلسطينية، بعدما تحولت غزة إلى شاهد على الدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية.
وتبقى المحاسبة الدولية ضرورة لا يمكن تجاوزها، سواء تعلق الأمر بجرائم السابع من أكتوبر أو بالانتهاكات الإسرائيلية اللاحقة، بعيداً عن الانتقائية السياسية والمعايير المزدوجة.
وفي النهاية، لا تسقط الروايات الإسرائيلية المختلقة الجرائم المثبتة خلال الهجوم، لكنها تكشف كيف يمكن استغلال التضليل لصناعة غطاء سياسي لحرب مدمرة ضد شعب يعيش تحت الاحتلال.
ويبقى السؤال الذي يطارد حكومة نتنياهو: كيف تدعي الدفاع عن المدنيين، بينما توثق التحقيقات الدولية جرائم قواتها بحق الفلسطينيين، وتكشف مسؤوليتها عن مقتل بعض مواطنيها خلال الهجوم نفسه؟

