كشف قرار هيئة الدواء المصرية رقم 480 لسنة 2026 عن تغيير واسع في قواعد تسعير المستحضرات الطبية، بعدما ربط إعادة تقييم الأسعار بثلاثة متغيرات اقتصادية تتصدرها حركة سعر الصرف بوزن 60%، يليها التضخم بنسبة 30% ثم أسعار الفائدة بنسبة 10%، مع مراجعة المعادلة بصورة دورية كل ستة أشهر.

 

وأعاد القرار فتح السؤال الأكثر حساسية داخل سوق الدواء المصري، وهو من يتحمل ثمن تراجع الجنيه وارتفاع التضخم والفائدة، فبينما تسعى الشركات إلى حماية تكلفة الإنتاج والاستيراد وتطالب الصيدليات بهوامش تسمح لها بالبقاء، يقف المريض في نهاية السلسلة أمام سعر قد يتأثر بصورة مباشرة بأزمات اقتصادية لا يملك أي قدرة على التحكم فيها.

 

الدولار يدخل صيدلية المريض

 

نصت آلية التسعير الجديدة على حساب أثر المتغيرات الاقتصادية من خلال معادلة تمنح تغير سعر صرف العملات الأجنبية الوزن الأكبر بنسبة 60%، مقابل 30% للتضخم و10% للفائدة البنكية، وهو ما يجعل حركة الجنيه عنصرا مركزيا في تحديد الاتجاه المستقبلي لأسعار الكثير من المستحضرات الدوائية.

 

ولا يعني القرار أن سعر كل دواء سيرتفع تلقائيا كل ستة أشهر، إذ تتضمن الآلية إمكانية الزيادة أو الخفض وفقا لحركة المؤشرات والشروط المنظمة، لكن خطورة النموذج بالنسبة للمريض تكمن في تحويل اضطرابات الاقتصاد الكلي إلى عامل حاضر بصورة دائمة عند مراجعة أسعار سلعة لا يستطيع المرضى الاستغناء عنها.

 

وتزداد الحساسية عندما يتعلق الأمر بأدوية الأمراض المزمنة والمنقذة للحياة، لأن المريض هنا لا يملك قرار تأجيل الشراء حتى تتحسن أسعار الصرف أو تتراجع الفائدة، ولا يستطيع تخفيض استهلاكه من العلاج بالطريقة نفسها التي يمكن بها الاستغناء عن سلعة استهلاكية ارتفع سعرها.

 

ويأتي القرار بعد نحو خمسة عشر عاما من آخر إطار رئيسي منظم لآليات تسعير المستحضرات، بحسب ما نُشر عقب صدوره، وتؤكد هيئة الدواء أن المنظومة الجديدة تستهدف تحقيق توازن بين حقوق المرضى واستدامة توفير الدواء وتشجيع الاستثمار والمنافسة وحماية الأمن الدوائي.

 

لكن تحقيق هذا التوازن لا يحسمه النص وحده، إذ يبقى السؤال حول الكيفية التي ستُطبق بها المعادلة على أرض الواقع، ومدى قدرة الدولة على منع تحول ارتفاع التكلفة إلى فاتورة تُنقل في النهاية إلى المستهلك، خصوصا مع اتساع الفجوة بين مستويات الدخول وتكاليف العلاج.

 

كما تشمل آليات التسعير اعتبارات أوسع من أسعار العملات، بينها المقارنة بأسعار مرجعية خارجية والتقييم الاقتصادي للدواء وفاعليته وتأثيره في جودة حياة المريض وتكلفة البدائل العلاجية، وهو اتجاه يمكن أن يوفر تسعيرا أكثر دقة إذا صاحبه نشر واضح للمعايير والبيانات المستخدمة في اتخاذ القرار.

 

وتظهر المشكلة عندما تصبح النتيجة النهائية معلنة بينما تبقى تفاصيل الأوزان التطبيقية وتقدير القيمة الاقتصادية بعيدة عن الفحص العام، لأن التسعير المبني على القيمة لا يصبح ضمانة للمريض بمجرد كتابة المصطلح داخل قرار، وإنما يحتاج إلى شفافية تسمح بفهم سبب وضع سعر دون آخر.

 

حق العلاج أمام معادلة اقتصادية

 

يطرح القرار إشكالية جوهرية تتعلق بالفارق بين الدواء والسلع الأخرى، فالدواء ليس مشتريات يمكن للأسرة إرجاؤها عندما تتعرض ميزانيتها للضغط، وبالتالي فإن ربط جزء كبير من تكلفة التسعير بسوق العملات يفرض ضرورة وجود شبكة حماية تمنع انعكاس الاضطرابات الاقتصادية بالكامل على المرضى.

 

ومن هنا تظهر الحاجة إلى معاملة مختلفة للأدوية الأساسية والمزمنة والمنقذة للحياة، سواء عبر دعم مباشر أو تأمين صحي قادر على امتصاص جانب من الزيادة، لأن نجاح المعادلة في ضمان استمرار المصنع لا يكون كافيا إذا أصبح العلاج نفسه خارج القدرة الشرائية لقطاع من المرضى.

 

ولا يمكن وضع الأمن الدوائي في مواجهة القدرة على تحمل السعر، لأن توفير العبوة على رف الصيدلية لا يحقق الغرض الصحي إذا لم يكن المريض قادرا على شرائها، كما أن تخفيض السعر بصورة تجعل المصنع عاجزا عن الإنتاج يقود بدوره إلى النقص واختفاء الأصناف من السوق.

 

ولهذا يفترض أن يصبح معيار نجاح القرار مزدوجا، الأول استمرار توافر الأدوية دون انقطاع، والثاني ألا تؤدي المراجعات الدورية إلى تحميل أصحاب الأمراض المزمنة والمتقاعدين والأسر محدودة الدخل زيادات متكررة تتجاوز قدرتهم على الإنفاق الصحي.

 

كما أن منح سعر الصرف وزنا يبلغ 60% يستوجب مراقبة دقيقة لمدى ارتباط تكلفة كل مستحضر فعليا بالعملة الأجنبية، لأن الصناعة المحلية تختلف في نسبة المكون المستورد من منتج إلى آخر، ولا ينبغي أن تتحول معادلة عامة إلى مبرر آلي لتحريك منتجات لا تتأثر تكلفتها بالدرجة نفسها.

 

ويتطلب الأمر أيضا إعلان نتائج كل مراجعة بصورة مفصلة، توضح نسبة التغير الناتجة عن سعر الصرف والتضخم والفائدة، والأصناف التي شملها التعديل، حتى يستطيع المريض والمصنع والصيدلي معرفة الأساس الاقتصادي الفعلي للسعر بدلا من مواجهة قائمة جديدة من الأسعار دون تفسير كاف.

 

الصيدليات أيضا تحت الضغط

 

ولا يقف الصراع داخل سوق الدواء عند المريض وشركات التصنيع، إذ أثار عضو شعبة الصيادلة بالاتحاد العام للغرف التجارية محمد عابدين في أواخر سبتمبر أزمة اقتصاديات الصيدليات، قائلا إن نحو 1500 صيدلي سلّموا تراخيصهم خلال ثلاث سنوات نتيجة الخسائر وضغوط التشغيل.

 

واعتبر عابدين أن زيادة هامش ربح الصيدلي بنقطتين مئويتين غير كافية لمعالجة الأزمة، مشيرا إلى وجود فجوة بين المبيعات المسجلة وصافي العائد بعد حساب تكلفة تجديد المخزون والإيجارات والأجور والمصروفات اليومية، وهي شكوى تكشف أن ارتفاع مبيعات الصيدلية لا يعني بالضرورة تحسن مركزها المالي.

 

لكن رقم 1500 صيدلية ليس محل إجماع، إذ قال نقيب الصيادلة محمد الشيخ لاحقا إن هذا الحديث يحتاج إلى إثباتات، وإن النقابة لم تتلق طلبات أو شكاوى تؤكد هذا العدد، ولذلك فإن التعامل معه باعتباره رقما رسميا نهائيا سيكون غير دقيق دون بيانات موثقة من الجهات المختصة.

 

ومع ذلك، فإن الخلاف حول الرقم لا يلغي أصل المشكلة التي يناقشها الصيادلة، وهي تآكل رأس المال العامل عندما ترتفع أسعار إعادة شراء المخزون، فضلا عن تكاليف العمالة والكهرباء والإيجارات والتشغيل، ما يجعل هامش الربح الاسمي مختلفا بصورة كبيرة عن الربح الحقيقي المتبقي للصيدلية.

 

كما يعيد ملف الأدوية منتهية الصلاحية طرح أزمة قديمة بين الصيدليات والمصنعين والموزعين، إذ يحتاج أي نظام جديد إلى آليات تنفيذ واضحة تلزم جميع الأطراف باسترداد المستحضرات وفق القواعد المحددة، بدلا من ترك الصيدلي يتحمل تكلفة مخزون لا يستطيع بيعه أو استبداله.

 

وتكشف هذه التشابكات أن أزمة تسعير الدواء لا يمكن اختزالها في رغبة الشركات في زيادة الأسعار أو رغبة المرضى في تثبيتها، فالسلسلة تبدأ باستيراد المواد الخام والإنتاج وتمر بالتوزيع والصيدلية وتنتهي بمريض قد يكون مطالبا بشراء العلاج طوال حياته.

 

ولهذا فإن أخطر ما قد يحدث هو أن تتحول المعادلة الجديدة إلى آلية محاسبية ناجحة على الورق لكنها تنقل أزمات سعر الصرف والتضخم تدريجيا إلى جيب المريض، أو أن يجري تجميد الأسعار بصورة تدفع الشركات إلى تقليص الإنتاج والصيدليات إلى العجز عن تجديد مخزونها.

 

ويحتاج القرار لذلك إلى مستوى من الإفصاح يتجاوز الإعلان عن المعادلة، عبر نشر أسس التقييم والبيانات المستخدمة ونتائج المراجعات الدورية، مع رقابة على توافر المستحضرات وهوامش الأطراف المختلفة وقدرة المرضى على تحمل السعر، لأن الأمن الدوائي لا يقاس بعدد العبوات المنتجة وحده.

 

ويبقى الاختبار الحقيقي لقرار 480 في الأشهر المقبلة عندما تبدأ تطبيقات المراجعة السعرية في الظهور، فإما أن تنجح المنظومة في حماية الدواء من الاختفاء دون سحق المريض بالزيادات، أو تتحول حركة الدولار والتضخم والفائدة إلى ضيف دائم على فاتورة العلاج يدفع المواطن ثمنه مرتين، مرة في معيشته ومرة في دوائه.