كشفت مطالبات برلمانية ومناشدات متزايدة من ملاك وسائقي مركبات التوك توك عن أزمة تتفاقم داخل المحافظات، بعدما وصلت الغرامات الفورية في بعض المناطق إلى ما بين 1500 و10 آلاف جنيه، بخلاف رسوم الإيواء والحراسة اليومية، ما جعل استرداد المركبة المحتجزة عبئًا يفوق قدرة كثير من الأسر محدودة الدخل.

 

وتفتح الأزمة بابًا واسعًا أمام مساءلة السياسات الحكومية التي تركت ملف التوك توك لسنوات بلا حل جذري، ثم انتقلت من فوضى الترخيص وغياب خطوط السير الواضحة إلى حملات ضبط وغرامات قاسية، وكأن السائق الفقير وحده مسؤول عن سوق سمحت الدولة أصلًا باتساعها دون بناء منظومة قانونية مستقرة تستوعب العاملين فيها.

 

غرامات تعاقب الفقراء

 

تحولت حملات ضبط مركبات التوك توك غير المرخصة في عدد من المحافظات إلى عبء مالي ضخم على ملاك المركبات، بعدما باتت تكلفة المخالفة والإيواء والاسترداد تتراكم يومًا بعد آخر، بينما يبقى صاحب المركبة بلا مصدر رزق طوال فترة احتجازها، في معادلة يدفع ثمنها الطرف الأضعف وحده.

 

ولا تبدو المشكلة في تطبيق القانون نفسه، وإنما في طريقة تطبيقه، فالجهات التنفيذية تمتلك حق تنظيم المرور ومنع المركبات غير المرخصة من السير، لكنها في المقابل مطالبة بتوفير مسار واقعي للتقنين، بدلًا من فرض غرامات قد تساوي دخل السائق لأسابيع أو أشهر ثم مطالبته بتدبيرها فورًا.

 

ويكشف تكدس آلاف المركبات في مخازن الأحياء ومراكز الإيواء عن خلل واضح في السياسة المتبعة، لأن المركبة المحتجزة لا تحقق أي فائدة اقتصادية لصاحبها أو للدولة، بل تتحول إلى أصل معطل تتزايد عليه الرسوم يوميًا، حتى تصبح تكلفة استرداده أحيانًا قريبة من قيمته السوقية أو أكبر من قدرة مالكه.

 

كما أن استمرار رسوم الإيواء والحراسة طوال فترة الاحتجاز يخلق دائرة مغلقة يصعب على السائق الفقير الخروج منها، فكل يوم يمر يرفع المبلغ المطلوب، وكل زيادة في المبلغ تقلل فرصة السداد، لتنتهي العقوبة عمليًا بحرمان أسرة كاملة من مصدر دخلها بدلًا من تصحيح المخالفة وإدخال المركبة إلى المنظومة الرسمية.

 

ولا يمكن للحكومة أن تتحدث عن دمج الاقتصاد غير الرسمي بينما تجعل الدخول إلى الاقتصاد الرسمي أكثر تكلفة وتعقيدًا، لأن التقنين الحقيقي يحتاج إلى رسوم محتملة وإجراءات سريعة وقواعد واضحة، وليس متاهة مالية وإدارية تضع السائق أمام خيارين كلاهما قاس، إما استمرار المخالفة أو خسارة وسيلة رزقه.

 

سنوات من الفوضى ثم العقاب

 

تتحمل الجهات الحكومية جانبًا أساسيًا من مسؤولية أزمة التوك توك، بعدما انتشرت هذه المركبات على نطاق واسع لسنوات طويلة، ودخلت آلاف الوحدات إلى السوق وعملت في القرى والمدن والأحياء دون أن تضع الدولة منذ البداية خريطة موحدة للترخيص وخطوط السير والاشتراطات ومناطق الحظر.

 

وبدلًا من معالجة جذور الأزمة، تتكرر الحملات الموسمية التي تصادر المركبات وتفرض الغرامات ثم تهدأ لفترات، قبل أن تعود الحملات مرة أخرى، بينما تظل المشكلة الأصلية قائمة، وهي غياب سياسة مستقرة يعرف من خلالها السائق مسبقًا أين يسير وكيف يرخص مركبته وما الرسوم المطلوبة منه.

 

ويطرح ذلك سؤالًا مباشرًا حول جدوى سياسات استمرت سنوات بين الحديث عن إحلال التوك توك بمركبات بديلة وبين خطط التقنين ثم التضييق والحظر، دون الوصول إلى صيغة ثابتة، بينما كان المواطن هو من يتحمل تكلفة التخبط، سواء بشراء مركبة قد تتغير القواعد المنظمة لها أو بدفع غرامات متراكمة عند ضبطها.

 

كما تكشف الأزمة تناقضًا واضحًا بين السماح بوجود سوق ضخمة لبيع التوك توك وقطع غياره وتداوله وبين ملاحقة مستخدميه لاحقًا باعتبارهم طرفًا مخالفًا، فإذا كانت الدولة ترى هذه المركبات خطرًا يستوجب الحد منها، فإن الرقابة يجب أن تبدأ من الاستيراد والتصنيع والتوزيع لا من السائق وحده.

 

وتصبح القسوة أكبر عندما يكون السائق من أصحاب الدخول المحدودة الذين لجأوا إلى التوك توك بسبب غياب فرصة عمل مستقرة، فبدلًا من توفير بدائل اقتصادية حقيقية، يجد نفسه مطالبًا بسداد آلاف الجنيهات حتى يستعيد المركبة التي يعتمد عليها في إعالة أسرته، وسط ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار.

 

ولا تعني مراعاة الظروف الاجتماعية التغاضي عن المخالفات المرورية الخطيرة أو السماح بالفوضى في الشوارع، لكنها تعني أن تكون العقوبة متناسبة مع المخالفة والدخل، وأن تفرق الجهات التنفيذية بين مركبة تشكل خطرًا مباشرًا على المواطنين وبين مخالفة ترخيص يمكن تسويتها من خلال إجراءات تقنين واقعية.

 

التقنين لا الجباية

 

دفعت الأزمة نوابًا في البرلمان إلى المطالبة بإعادة النظر في جداول الغرامات ورسوم الإيواء، مع طرح إمكانية الجدولة أو التخفيض للحالات التي تستحق ذلك، وهو اقتراح يكشف أن المشكلة لم تعد مجرد شكاوى فردية، بل تحولت إلى ملف يستدعي تدخلًا رسميًا يعيد التوازن بين القانون والقدرة الاقتصادية للمواطنين.

 

وطالب النائب محمد الصالحي بوضع مسار واضح وميسر لتقنين أوضاع التوك توك والدراجات النارية، وربط الترخيص بخطوط سير وضوابط محددة، وهي مطالب تبدو بديهية بعد سنوات من إدارة الملف بالقرارات الجزئية، إذ لا يمكن فرض الانضباط دون أن يعرف السائق أصلًا الطريق القانوني الذي يتعين عليه اتباعه.

 

ويحتاج الملف إلى خريطة معلنة تحدد المناطق التي يسمح فيها بسير التوك توك والطرق المحظورة عليه، مع توحيد الإجراءات والرسوم قدر الإمكان، حتى لا تتحول المحافظة الواحدة إلى نظام مختلف عن المحافظة المجاورة، ولا يبقى المواطن رهينة قرارات محلية تتغير دون رؤية قومية معلنة وثابتة.

 

كما يجب أن تتركز الرقابة المشددة على المخالفات التي تهدد حياة المواطنين بالفعل، مثل القيادة الخطرة والسير عكس الاتجاه والعمل بواسطة صغار السن أو المركبات غير الآمنة، بدلًا من تحويل كل المخالفات إلى باب واحد للعقوبة المالية المرتفعة التي لا تميز بين مستوى الخطورة أو ظروف كل حالة.

 

وتفرض العدالة أيضًا فتح ملف الموردين والمستوردين والتجار وشبكات توزيع المركبات وقطع الغيار، لأن تحميل السائق وحده مسؤولية ظاهرة اقتصادية كاملة ليس حلًا، خصوصًا أن هذا السائق يقف في نهاية سلسلة طويلة من المصالح التجارية والتنظيمية التي سمحت باستمرار السوق واتساعها لسنوات.

 

وفي النهاية، لا تحتاج أزمة التوك توك إلى مزيد من حملات المصادرة بقدر حاجتها إلى سياسة واضحة تحمي الشارع وتحمي مصدر رزق آلاف الأسر في الوقت نفسه، لأن الدولة التي تريد التقنين يجب أن تجعل القانون ممكن التطبيق، لا أن تحول المخالفة إلى ديون تتراكم حتى يصبح الفقير عاجزًا عن استرداد أدوات عمله.

 

وإذا استمرت الغرامات ورسوم الإيواء بالصورة الحالية، فإن الحديث عن دمج الاقتصاد غير الرسمي سيظل مجرد شعار، بينما الواقع يدفع السائق بعيدًا عن التقنين، فالقانون الذي لا يراعي القدرة على التنفيذ يفقد جانبًا من فاعليته، والسياسة التي تبدأ بالجباية قبل تقديم الحل لن تصنع انضباطًا مستدامًا في الشارع.