بقلم عبد الله حلمي
-رغم رحيل صاحب صورة اليوم منذ 77 عاما إلا أن تأثيره لازال موجودا بقوة وعلى مساحة شاسعة من الأرض في القارات الست رغم أنه لم يكن زعيما سياسيا، أو قائد عسكريا بل كان معلما ومرشدا، أو داعية إنه الإمام "حسن البنا" مؤسس جماعة الإخوان.
-ولد "حسن أحمد عبد الرحمن البنا" عام 1906م في البحيرة، وكان أبوه عالما في علم الحديث رتب مسند الإمام "أحمد" ترتيب سهل على العلماء الانتفاع به بالشكل الأمثل في هذا البيت، تربى "حسن" وحفظ القرآن الكريم، والتحق بدار المعلمين في دمنهور ثم دار العلوم في القاهرة.
-كان "حسن البنا" أول دفعته في الجامعة في سنواتها الأربع، وكان يحفظ 16 ألف بيتا من الشعر وفي الثامن عشر من عمره حدث حدث هز أركانه بسقوط الخلافة العثمانية، حاول الشاب حب الاتصال بالشيخ "الدجوي" شيخ الأزهر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لكن الكارثة كانت أكبر منه فشرع الرجل /الشاب في مشروعه الطموح وجعل هدفه الأعلى هو إعادة الخلافة وأستاذية العالم.
-وعلى مدار 21 عاما (1928-1949) حاب الرجل كل قرى مصر في الصعيد والدلتا ففي عام 1946م وكما يشير الباحث الأمريكي "زوبير جاكسون" في كتابه عن "حسن البنا" (الرجل القرآني) كان ينتسب جماعة الإخوان يصف مليون مصري، ولقد امتاز فكر البنا عن سابقيه فيما يلي:
أولًا: يرى كثيرون أن "حسن البنا" هو مجد القرن الرابع عشر الهجري لكن اختلف عنهم لظروف تاريخية حيث جاء الرجل في وضع صعب فلا خلافة قائمة، ولا شريعة حاكمة، ولا جهاد ماض وكل بلاد الإسلام ترزح تحت نيران الاحتلال مما صعب مهمته.
ثانيًا: انتقل البنا بالفكرة الإسلامية من التنظير إلى الواقع العمل فأتم ما نظر إليه "جمال الدين الأفغاني"، والكواكبي، و"محمد عبده"، و"رشيد رضا" وضع وسلم أولويات منطقي وقابل للتطبيق ينتهي بتوحيد العالم الإسلامي بادئا من أصغر لبنة، وهى بالفرد المسلم مرورا بالأسرة، والمجتمع، والحكومة.
ثالثًا: وضوح الفكرة وبساطتها مع عمق الإيمان بها وكذا عالميتها مع عدم الاصطدام بالأفكار الوطنية، والقومية دون تعقيد، أو تشتيت.
رابعًا: كان "البنا" عبقريا في التوفيق بين المواقف الفقهية وتبسيط القضايا الكبرى للعوام في صياغة مختصرة لبقة تقفز فوق الخلافات التي تعرقل ولا تفيد، وترك وأهمل كل ما لا يُبنى عليه عمل
خامسًا: عُنى "البنا" حسن بصناعة الرجال ومع ذلك كان له أعماله التنظيرية من خلال تفسير القرآن في جريدة المنار ورسائله إلى تلامذته، والمناهج التربوية التي وضعها وترك تراثًا مكتوبا يحتاج إلى تجميع وتوثيق.
سادسا: اهتم "البنا" بالفرد وصحته، وحالته المالية، والجسمانية كما أولى الاهتمام للعقيدة السليمة، والعبادة الصحيحة وعلم تلامذته أن الإسلام نظام شامل، ووضع مشروعا واضح المعالم محدد المراحل قابل للتطبيق.
سابعا: اتجه "البنا" لمقاومة المحتل البريطاني كما أرسل كتائب الإخوان لقتال اليهود في فلسطين فأبلوا بلاًء حسنُا، وطالب بتحرير مصر في أروقة الأمم المتحدة من خلال مداخلة لأحدى تلامذته في نيويورك.
ثامنا تحلى "البنا" بقدر عال من البرجماتية السياسية -دون التخلي عن المبادئ- فتنازل عن الترشيح لمجلس النواب مقابل إلغاء البغاء وقد كان.
تاسعا: كان "البنا" خطيبا مُفوها يأسرك بكلماته، وعاطفته، ويتناول الموضوعات بزوايا جديدة، ومعاني متفردة، وروحانية متميزة تخطف قلب المستمع فلا يتمنى أن يتوقف الرجل عن الكلام.
عاشرا: كان "البنا" يدرك أهمية وسائل التأثير وأثرها على العوام فأهتم بالفن في صورته المثلى وقدم مسرح الإخوان أعمالا ذات قيمة ومغزى، وقدمت "فاطمة رشدي" أعمالا في هذا المسرح، وتخرج منه "عبد المنعم مدبولي".
حادي عشر: يظل "البنا" ابن جيله وأسير زمانه فكان له أراء في العمل الحزبي، ومشاركة المرأة لم تعد صالحة الآن.
ويبقى "البنا" حامل مشعل نور الأمة في زمن المستحيل ولكن دعوته بقت وانتشرت لليوم، وربما كان طبيعيا أن يلقى "البنا" ربه شهيدا على درب البطولة في عامه ال42 فقد أراد للأمة أن تعود للصدارة، والريادة على أساس متين من الدين، والأخلاق، وهو الأمر الذي أزعج الخصوم والأعداء.

