شريف أيمن

كاتب وصحافي مصري

 

قبيل احتلال فلسطين، كانت مدينة يافا بمينائها محطة ربط تجارية بين فلسطين والعالم، وكعادة المدن الساحلية وخاصة المدن التي تحوي موانئ، تصير هذه المدن شديدة التنوع الثقافي، وامتازت يافا بمناخ وجغرافيا بديعة، ثم جاءت كارثة قرار التقسيم عام 1947، لتصيب يافا البهيَّة في مقتل.

 

وفقًا لقرار الأمم المتحدة رقم (181) لعام 1947 بشأن تقسيم فلسطين، كان من المفترض أن تظل يافا "جيبا عربيًّا داخل الدولة اليهودية"، لكن في أواخر عام 1947 هاجمت عصابة "الهاغاناه" مدينة يافا، وارتكبت مجازر واسعة وهجرت أهالي المدينة التي كان يقطنها نحو 100 ألف نسمة. وفي مايو 1948 سيطرت القوات العسكرية اليهودية التابعة لـ"الهاغاناه" و"الأرغون" على يافا، وهُجّر سكان المدينة الفلسطينيون، وكان ذلك قبل يومين من إعلان قيام دولة الاحتلال، وجاء الإعلان فيما بعد في منزل رئيس بلدية تل أبيب مئير ديزنغوف.

 

هذه المقدمة لا تنفصل عن موضوع المقال، إذ إن المدينة التي تعبث بمسرح المنطقة كلها هي يافا المحتلة المعروفة باسم تل أبيب اليوم، التي نشأت على الأطراف الشمالية لمدينة يافا، ثم التهمتها كاملة، والتهمت أرض فلسطين بأكملها فيما بعد.

 

في الجنوب العربي، منذ أكثر من ثلاث سنوات، وقف عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن محمد البخيتي في أبريل 2023، معلنًا توصل الحوثيين إلى تفاهم مع السعودية لوقف الحرب اليمنية، فتوقفت المواجهة المسلحة التي لا تفيد أي طرف عربي، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من وقف القتال، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية التابعة للحكومة المعترَف بها دوليًّا والمدعومة من السعودية، في 13 يوليو، أن القوات المسلحة اليمنية استهدفت مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط في الأرض اليمنية، وردَّ الحوثيون بقصف مطار أبها جنوب السعودية، بذريعة أن الهجمات كانت سعودية، فانتهى الاتفاق وعاد الاقتتال المسلَّح منذ أكثر من شهرين.

 

محصَّلة الاشتباكات حتى الآن: سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، وارتفاع أسعار النفط، مع توقعات بزيادته حال توقف الإمدادات السعودية بعد ضرْب خط أنابيب النفط السعودي "شرق-غرب" الذي كان مسارًا بديلًا يتجاوز إغلاق إيران مضيق هرمز، فأصبح خط إمداد الطاقة العالمي مهدَّدًا أكثر من ذي قبل.

 

مع انعدام الدعم العسكري الأمريكي للسعودية، والخلاف مع الإمارات في عدة قضايا إقليمية من بينها اليمن، وعدم تحرك أطراف اتفاق مكة في هذا الصراع، بدأت المملكة في البحث عن حلفاء في هذه المواجهة التي لم يكن لها داعٍ مطلقًا، وربما تكون مصر إحدى هذه البوابات بزيارة ولي العهد السعودي لها يوم 15 سبتمبر.

 

المثير للانتباه أن الانسحاب الأمريكي من المواجهة المباشرة مع الحوثيين، أعلنه ترامب بصلفه المعهود، فقال في العاصمة الأيرلندية دبلن، إن الحوثيين "اتصلوا بنا، وهم لا يريدون القتال معنا"، مضيفا أن الجماعة "تسمح بمرور السفن" وأن الوضع "سيسير على ما يرام وبشكل رائع"، وأن المشكلة تنحصر في "دولة واحدة" لم يسمها.

 

لكن البرود الذي يتعامل به ترامب مع المسألة ليس نابعًا من عدم اهتمامه بمضيق باب المندب، بل لأنه يضمن حركة الملاحة الدولية عدا الخاصة بالسعودية كما في بيانات الحوثيين، ولا مانع لديه من خسارة مؤقتة نتيجة وقف الملاحة السعودية، مقابل مكاسب أكبر تتعلق بتوسيع الهوة بين مكونات المنطقة، سواء العربية-العربية، أو الإسلامية-الإسلامية بإذكاء الصراع المذهبي بين السنة والشيعة على اختلاف ألسنتهم.

 

من جهة أخرى، تكبَّدت خزائن الأسلحة الأمريكية والصهيونية خسائر فادحة، منذ العدوان الصهيوني على غزة في السابع من أكتوبر 2023، ولعل آخرها ما أعلنه مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي أن الأشهر الخمسة الأولى من الحرب على إيران -فقط- كلَّفت وزارة الحرب الأمريكية نحو 38 مليار دولار. وتوقع مكتب الميزانية أن تكلفة الصراع ستصل إلى ما بين مليارين و3 مليارات دولار شهريًّا، مؤكدًا أن الحرب استنزفت مخزونات الأسلحة الأمريكية بما في ذلك الصواريخ الاعتراضية. وقال المكتب إن استبدال الذخائر التي استُخدمت في المواجهة مع إيران سيكلف نحو 21.7 مليار دولار، وإن إعادة بناء مخزون الصواريخ الاعتراضية الأمريكية قد يستغرق 5 سنوات على الأقل. فإذا كانت هذه الأرقام مرتبطة بالعدوان الصهيو-أمريكي على إيران فقط، فما تكلفة باقي الساحات في اليمن والعراق ولبنان، وبالطبع غزة؟

 

هذه التكاليف فرضت على أمريكا أن تتراجع خطوة أو أكثر في المواجهات المسلحة، خاصة أن اتساع ساحات المواجهة التي فرضتها القوى الحليفة لإيران في المنطقة لم يكن متوقَّعًا أن يكون بهذه الشراسة، والأهم بهذه الصلابة، فمع الضربات العنيفة التي استنزفت صواريخ وميزانيات الاحتلال وأمريكا، كانت التقديرات تشير إلى أنها ستتسبب في هزيمة ذلك المحور، وهو ما لم يحدث، رغم باستشهاد هنية والسنوار ونصر الله والخميني، فقادة الجهات المقاتلة غابوا عن المشهد، لكن المواجهة لم تتوقف مع غيابهم، ولم تسبِّب تليين المواقف، ما استدعى الانخراط في استنزاف طويل بلغ ثلاث سنوات إلى الآن، مع صعود وهبوط في حدة المواجهات.

 

إذًا أمامنا عاملان لعدم التدخل الأمريكي؛ أحدهما التكاليف المادية، والآخر ضمان حرية حركة الملاحة الدولية في باب المندب إلا "دولة واحدة"، وربما يعد هذا تحولًا بارزًا في موقف أمريكا من معادلة "النفط مقابل الأمن".

 

في السياق ذاته، كتبتُ قبل اتساع المواجهات ما مفاده: "ما يريده الأمريكيون والإسرائيليون أن تشتعل المنطقة وتندلع الخلافات بين أطرافها، وإذا وُجِد طرف يمثل خطرًا على المشروع الصهيو-أمريكي، فمن الأفضل أن يكون القتال الطويل بأيدي أبناء المنطقة لا بأيديهم، وهذا ما نراه في تشكيل عصابات في غزة، وإمداد السلطة الفلسطينية بالسلاح لقمع الفلسطينيين في الضفة، وغزة من قبل، وكذلك في دفع الحكومة اللبنانية إلى مواجهة حزب الله، ومحاولة دفع الدول العربية إلى خوض مواجهة عسكرية مع إيران وأذرعها في المنطقة (..) وبالتالي سيكون أي دور ضد الحوثيين خادمًا للاحتلال الصهيوني، لا المصالح العربية التي تتعارض أحيانًا مع المصالح الإيرانية".

 

وهذا لبُّ المواجهة الحالية؛ هذه عملية لإنهاك إيران وحلفائها بأيدي أطراف أخرى في المنطقة غير الاحتلال، وحليفته الكبرى، وللأسف تورط الحوثيون في المواجهة كما تورطت المملكة فيها، وكان الأوْلى ألا تنخرط المملكة في الهجمات الأُولى، وألا ينخرط الحوثيون في التصعيد العسكري، فخيارات الرد العسكري تبدأ من خيار رد "حفظ ماء الوجه" مع فتح قناة اتصال مع الخصم، وتنتهي بخيار المواجهة الشاملة، وقرر الحوثيون خوض المعركة بسقف مرتفع بدلا من فتح قناة اتصال مع السعودية، تشبه المفتوحة مع أمريكا.

 

ما يُخشى الآن أن تنخرط مصر، أو غيرها من دول المنطقة، في المواجهة إذا طلبت المملكة منها ذلك، عقب زيارة ابن سلمان الأخيرة، إذ إن اتساع أطراف الصراع لا مصلحة فيه لأي طرف سوى للعدو الممسك بالزناد في شَمال المنطقة العربية، وعلى الحكماء في المؤسسات الوطنية في كل دولة عربية أن يبدأوا في فتح قنوات اتصال لوقف التصعيد، وتقديم التنازلات، وبالطبع ستكون التنازلات محكومة بالواقع الجديد على الأرض، وإلا فلن تصل المحادثات إلى شيء، وهذا ما ينبغي أن تعيَه قيادة المملكة في تلك المرحلة الصعبة من تاريخ الأمة.

 

وقد كان للمملكة مواقف معلنَة مقبولة طوال فترة حرب الإبادة على قطاع غزة، وقادت مؤتمر الاعتراف بفلسطين دوليًّا مع فرنسا، ورفضت التطبيع قبل إعطاء الفلسطينيين بعض حقوقهم، والأمل أن تستكمل هذا الدور بوقف القتال العربي-العربي في هذه المرحلة، وبدء تفاوض حقيقي مع جيرانهم في الشرق والجنوب، على أساس من النديَّة لا المواقف المسبقة أو الاستعلائية.