أظهرت الأسواق الأوروبية في 6 أكتوبر 2026 تراجع اليورو إلى نحو 1 دولار و12 سنتًا، بعدما لامس في الجلسة السابقة أدنى مستوى منذ مايو 2025، بينما رفعت أزمة المالية العامة الفرنسية كلفة الاقتراض وأعادت مخاوف انتقال اضطراب سوق السندات من باريس إلى بقية منطقة اليورو.
تزامن هبوط العملة الأوروبية مع وصول الدين العام الفرنسي في نهاية الربع الثاني إلى 3 تريليونات و595,5 مليار يورو بما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى قياسي يضع حكومة سيباستيان لوكورنو أمام أزمة ثقة صنعتها سنوات من العجز المتكرر والقرارات المؤجلة قبل انتخابات 2027.
ديون قياسية وأسواق تفقد الثقة
وفي بداية الأزمة الحالية، سجلت السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات عائدًا اقترب من 5% وهو الأعلى منذ 2002، بينما اتسع الفارق مع السندات الألمانية إلى قرابة 160 نقطة أساس، وهو مؤشر مباشر على أن المستثمرين أصبحوا يطلبون علاوة أكبر لحمل الدين الفرنسي بدل التعامل معه كأصل قريب من الأمان الألماني.
وبعد تصاعد العائدات، أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن الدين ارتفع خلال الربع الثاني وحده بنحو 59,6 مليار يورو بعد زيادة 75,8 مليارًا في الربع الأول، كما صعدت نسبة الدين من 117,5% إلى 119% من الناتج، وهو مسار لا ينسجم مع خطاب حكومي متكرر عن استعادة السيطرة على الحسابات العامة.
وعند مقارنة الأرقام، كانت المفوضية الأوروبية قد توقعت في مايو بقاء العجز عند 5,1% خلال 2026، لكن مشروع موازنة 2027 بات يبني على عجز يقترب من 5,4% هذا العام، ما يعني أن الحكومة انتقلت خلال أشهر قليلة من توقع أقل سوءًا إلى مسار مالي أكثر ضغطًا في ظل نمو ضعيف وكلفة فائدة أعلى.
وفي هذا السياق، حذر الاقتصادي الفرنسي أوليفييه بلانشار، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، من أن خلل عملية إعداد الموازنة الفرنسية يرفع خطر أزمة ديون، موضحًا أن المشكلة الأساسية لا تتوقف عند حجم الدين بل عند فقدان المستثمرين الثقة في قدرة الحكومة على تثبيت مساره خلال السنوات المقبلة.
ومع استمرار هذا المسار، تصبح زيادة الفائدة جزءًا من الأزمة نفسها لأن الخزانة تضطر إلى إعادة تمويل ديون ضخمة بأسعار أعلى، بينما ترتفع مدفوعات الفوائد وتضيق المساحة المتاحة للإنفاق العام، وهو ما يجعل كل إخفاق سياسي في تمرير إصلاح مالي مقنع سببًا جديدًا لرفع تكلفة الاقتراض بدل تخفيضها.
اليورو يدفع ثمن الأزمة الفرنسية
وعلى مستوى سوق العملات، هبط اليورو في 5 أكتوبر إلى نحو 1,116 دولار قبل أن يستقر قرب 1,12 دولار في تعاملات 6 أكتوبر، كما امتدت خسائره الأسبوعية إلى أكثر من 1%، بعدما ربط المستثمرون بين اضطراب السندات الفرنسية واحتمال انتقال الضغط إلى دول أخرى مرتفعة المديونية.
وبالتوازي مع ذلك، جاء تراجع اليورو رغم أن الأزمة ليست فرنسية فقط، لأن صعود عوائد السندات الأمريكية وقوة الدولار زادا الضغط على العملة الأوروبية، غير أن فرنسا تحولت إلى الحلقة الأضعف داخل المنطقة بسبب حجم اقتصادها الكبير وارتفاع دينها واستمرار العجز والانقسام البرلماني حول كيفية تمويل الموازنة وتقليص الإنفاق.
ومن زاوية توقعات السوق، قال جوزيف كابورسو، خبير العملات في بنك الكومنولث الأسترالي، إن مؤسسته ما زالت متشائمة بشأن اليورو وتتوقع هبوطه إلى أقل من 1,10 دولار، وهو تقدير يربط استمرار ضعف العملة بعدم قدرة العوامل السياسية والمالية الحالية على استعادة الثقة سريعًا.
وفي المقابل، لم ينجح التحسن المحدود في السندات مع بداية الأسبوع في إزالة القلق، لأن الفارق بين العائد الفرنسي والألماني بقي مرتفعًا بعد قفزته الحادة، كما ظل اليورو قريبًا من قاع 17 شهرًا، وهو ما يوضح أن المستثمرين لم يتعاملوا مع هبوط العملة كحركة يومية منفصلة عن أزمة الدين.
ومع انتقال الأثر إلى أسواق أخرى، بدأت أزمة فرنسا تتحول من ملف موازنة محلي إلى مصدر ضغط على العملة الموحدة، لأن أي اتساع جديد في فروق العائد يرفع تكلفة التمويل داخل المنطقة ويدفع المستثمرين إلى الأصول الأكثر أمانًا، بينما يتحمل اليورو نتيجة الشكوك في قدرة ثاني أكبر اقتصاد بالمنطقة على ضبط حساباته.
تقشف جديد يحمل المجتمع الكلفة
وفي مواجهة العجز، قدمت حكومة لوكورنو مشروع موازنة 2027 متضمنًا 43 مليار يورو من إجراءات التوفير الجديدة و54 مليارًا من إجمالي جهد التصحيح عند احتساب الإجراءات القائمة، وحددت هدفًا لخفض العجز إلى 5% في 2027 ثم إلى أقل من 3% في 2029 رغم اتساع الشكوك في قابلية هذه الخطة للتنفيذ.
وعلى الجانب الاجتماعي، تشمل الخطة تجميد نقطة الأجور الأساسية للموظفين الحكوميين وتقليص ربط معاشات تتجاوز 1,260 يورو بالتضخم، إلى جانب خفض أسعار الأدوية وإصلاح مدفوعات الإجازات المرضية، بينما تخفف الحكومة في الوقت نفسه الضريبة الاستثنائية المفروضة على أرباح الشركات الكبرى مقارنة بمستواها السابق.
وبسبب هذه الاختيارات، ينتقل جانب واضح من فاتورة العجز إلى الموظفين والمتقاعدين ومستخدمي الخدمات العامة، في وقت لا تقدم فيه الحكومة مسار نمو قويًا يعوض أثر التقليص المالي، إذ توقعت المفوضية الأوروبية نمو الاقتصاد الفرنسي بنحو 0,8% فقط في 2026 مع صعود البطالة واستمرار ارتفاع خدمة الدين.
ومن جانبه، يرى الاقتصادي باتريك أرتوس، المستشار الاقتصادي في أوسيام، أن التشدد المالي لا يخفض نسبة الدين بصورة مستدامة عندما يؤدي إلى إضعاف النمو، وهو رأي يضع خطة التقشف الحكومية تحت ضغط إضافي لأن تخفيض الإنفاق بلا توسع اقتصادي كاف قد يضغط الناتج ويجعل نسبة الدين أكثر صعوبة في الانخفاض.
وبعد طرح الموازنة، أصبحت الحكومة محاصرة بين أسواق تطالب بخفض العجز ومجتمع يواجه تجميد أجور ومعاشات وخدمات، لكن هذه المعضلة لم تنشأ فجأة بل جاءت بعد سنوات من ترحيل الإصلاحات وتراكم العجز، ولذلك تبدو إجراءات 2027 أقرب إلى تحميل المجتمع كلفة التأخير بدل تقديم معالجة مبكرة أقل قسوة.
وفي المحصلة، يكشف هبوط اليورو إلى أدنى مستوى في 17 شهرًا أن أزمة فرنسا المالية تجاوزت حدود باريس وأصبحت اختبارًا لثقة المستثمرين في العملة الأوروبية، بينما تؤكد أرقام الدين والعائدات أن الحكومة تواجه أزمة مصداقية صنعتها موازنات عاجزة وأجلتها السلطة حتى أصبحت كلفة التمويل والتقشف أعلى معًا.
وأخيرًا، تضع التطورات الحالية الحكومة الفرنسية أمام مسؤولية مباشرة عن وقف مسار الدين قبل أن يتحول ارتفاع الفوائد إلى دائرة أشد ضغطًا على الموازنة والعملة ومستوى المعيشة، لأن استمرار العجز عند أكثر من 5% مع دين يلامس 120% يترك اليورو مكشوفًا لأي صدمة سياسية أو مالية جديدة في فرنسا.

