تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين التلويح بإمكانية إجراء محادثات مباشرة مع طهران، والتأكيد في الوقت نفسه على أن الحرب لن تستمر طويلًا، بينما شددت القيادة الإيرانية على رفضها التفاوض تحت الضغط العسكري، وحذرت من أن أي هجوم جديد سيقابل برد واسع.

 

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار التصعيد العسكري والسياسي بين واشنطن وطهران، وسط غياب مؤشرات واضحة حتى الآن على قرب التوصل إلى اتفاق ينهي المواجهة، رغم حديث الطرفين عن الدبلوماسية وإمكانية التفاوض.

 

 

ترامب يتمسك بخيار الحوار

 

أعلن دونالد ترامب أن الولايات المتحدة لا تزال منفتحة على إجراء محادثات مباشرة مع إيران، في تصريحات أدلى بها للصحفيين أثناء مغادرته البيت الأبيض متوجهًا إلى تجمع انتخابي في ولاية نبراسكا.

 

وقال ترامب إنه منفتح دائمًا على الدخول في محادثات مباشرة مع طهران، لكنه لم يحدد موعدًا محتملًا لاستئناف الاتصالات، كما لم يكشف عن طبيعة الشروط التي يمكن أن تضعها واشنطن أمام إيران قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.

 

وتحمل تصريحات ترامب دلالة مهمة في ظل استمرار الحرب، إذ تشير إلى أن الإدارة الأمريكية لا تغلق الباب أمام المسار الدبلوماسي، حتى مع استمرار الضغط العسكري على إيران.

 

ويبدو أن واشنطن تحاول الإبقاء على أكثر من خيار مفتوح في التعامل مع الأزمة، من خلال الجمع بين الضغط العسكري والسياسي، وإظهار استعداد للتفاوض إذا توافرت الظروف المناسبة.

 

 

ترامب يتوقع نهاية سريعة للحرب

 

وفي الوقت الذي تحدث فيه عن إمكانية إجراء مفاوضات مباشرة، توقع ترامب أن تنتهي الحرب مع إيران خلال فترة قصيرة، مؤكدًا أن المواجهة لن تستمر لفترة طويلة من وجهة نظره.

 

وقال الرئيس الأمريكي إن الحرب ستنتهي بسرعة كبيرة بطريقة أو بأخرى، في إشارة إلى اعتقاده بأن الصراع يتجه نحو نهايته قريبًا، سواء من خلال تطورات عسكرية أو عبر مسار آخر يمكن أن يؤدي إلى وقف المواجهة.

 

لكن هذا التقدير الأمريكي لا يتطابق مع التصريحات الإيرانية، التي تشير إلى استعداد طهران لمواصلة المواجهة في حال تعرضها لهجوم جديد، بالتوازي مع تأكيدها أن باب الدبلوماسية لم يُغلق بشكل كامل.

 

ويعكس التباين بين تصريحات ترامب والمسؤولين الإيرانيين صعوبة التنبؤ بمسار الحرب، خصوصًا في ظل عدم وضوح ما إذا كان الحديث عن التفاوض يمثل تمهيدًا لخفض التصعيد أم جزءًا من الضغط السياسي المتبادل.

 

 

بزشكيان يرفض التفاوض تحت النار

 

في المقابل، شن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هجومًا حادًا على السياسة الأمريكية، معتبرًا أن المشكلة الأساسية بين طهران وواشنطن تتمثل في أن المفاوضات تتحول في كل مرة إلى مقدمة للتصعيد العسكري.

 

وقال بزشكيان، خلال استقباله وزير الخارجية والتجارة الدولية الأرمني أرارات ميرزويان في طهران، إن إيران تواجه وضعًا متكررًا يتمثل في فرض الحرب عليها كلما جلست إلى طاولة المفاوضات.

 

وأكد الرئيس الإيراني أن بلاده أثبتت، بحسب روايته، صدق موقفها بشأن أنشطتها النووية، مشيرًا إلى خضوع المنشآت الإيرانية لعمليات تفتيش ورقابة واسعة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 

ويرى بزشكيان أن التجارب السابقة أضعفت الثقة في المسار التفاوضي، خاصة مع تعرض إيران، وفق تصريحاته، لهجمات خلال فترات كانت فيها الاتصالات والمفاوضات قائمة.

 

وأضاف أن بلاده لا ترى معنى للتفاوض مع طرف يمارس الاغتيال والتهديد وينقض تعهداته بصورة متكررة، معتبرًا أن التجارب السابقة أظهرت، من وجهة نظر طهران، أن واشنطن لا تبحث فقط عن تسوية بشأن الملف النووي، وإنما تسعى إلى أهداف سياسية أوسع.

 

 

إيران تربط التفتيش بالضربات

 

وشكلت عمليات التفتيش الدولية للمنشآت النووية الإيرانية محورًا أساسيًا في تصريحات بزشكيان، الذي قال إن طهران كانت مستعدة للحوار والتحقق من طبيعة برنامجها النووي.

 

وأوضح أن المفتشين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية كانوا يدخلون المنشآت الإيرانية ويطلعون على معلومات مرتبطة بها، قبل أن تتعرض مواقع نووية وعلماء إيرانيون لهجمات، وفق روايته.

 

ويرى الرئيس الإيراني أن هذا الأمر ساهم في زيادة الشكوك داخل طهران بشأن جدوى التعاون مع المؤسسات الدولية، كما عزز المخاوف الإيرانية من استخدام المعلومات التي يتم الحصول عليها خلال عمليات التفتيش في تحديد أهداف يمكن استهدافها عسكريًا.

 

واتهم بزشكيان الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي بمواصلة الضغوط على إيران، متحدثًا عن العقوبات والاغتيالات والتهديدات العسكرية وما وصفه بانتهاك الالتزامات السابقة.

 

وبحسب الموقف الإيراني، فإن استئناف المفاوضات يحتاج إلى ضمانات تحول دون تكرار هذه التجارب، في وقت تبدو فيه مسألة الثقة واحدة من أصعب العقبات أمام أي تفاوض جديد بين طهران وواشنطن.

 

 

تحذيرات إيرانية من حرب أوسع

 

وبالتزامن مع تصريحات بزشكيان، صعّدت القيادة العسكرية الإيرانية لهجتها تجاه الولايات المتحدة، محذرة من أن أي حرب جديدة ضد إيران لن تظل محصورة داخل الأراضي الإيرانية.

 

وقال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء علي عبد اللهي إن نيران أي حرب جديدة ستطاول الجميع، مؤكدًا أن القوات المسلحة الإيرانية سترد بقوة على أي تحرك أمريكي ضد بلاده.

 

وشدد عبد اللهي على أن الرد الإيراني، بحسب تصريحاته، لن يرتبط بموعد الانتخابات الأمريكية أو بنتائجها، مؤكدًا أن طهران لا تنتظر نتائج انتخابات كونجرس لاتخاذ قراراتها المتعلقة بالأمن القومي.

 

كما حذر الدول التي تستضيف قوات أمريكية في المنطقة، معتبرًا أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي يمثل، من وجهة نظر طهران، عاملًا أساسيًا في زعزعة الأمن وزيادة المشكلات الاقتصادية.

 

وتحمل هذه التصريحات رسالة تتجاوز واشنطن إلى حلفائها وقواعدها العسكرية في المنطقة، إذ تشير إلى أن طهران قد تعتبر مصالح أمريكية خارج أراضي الولايات المتحدة أهدافًا محتملة في حال اندلاع مواجهة جديدة.

 

 

عراقجي يتمسك بالدبلوماسية والرد

 

وتأتي التحذيرات العسكرية الإيرانية بالتزامن مع تصريحات لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن بلاده تتحرك على مسارين متوازيين، هما الدبلوماسية والدفاع عن أمنها القومي.

 

وقال عراقجي خلال لقاء مع سفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية في طهران إن إيران مستعدة للتوصل إلى تسوية عادلة عبر القنوات الدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه مستعدة لتوجيه رد حاسم في حال تعرضها لعدوان جديد.

 

ويكشف هذا الموقف عن محاولة إيرانية للحفاظ على باب التفاوض مفتوحًا، دون تقديم تنازلات في ظل استمرار العمليات العسكرية والتهديدات المتبادلة.

 

كما يعكس توجه طهران إلى استخدام المسار الدبلوماسي بالتوازي مع رسائل الردع العسكري، في محاولة لمنع واشنطن من الاعتقاد بأن استمرار الحوار يعني تراجع القدرة الإيرانية على الرد.

 

 

أزمة الثقة تعرقل إنهاء الحرب

 

وفي الوقت نفسه، قال مسؤولون إيرانيون إن الضغوط داخل الولايات المتحدة، إلى جانب الموقف الإسرائيلي، تجعل عملية اتخاذ القرار الأمريكي بشأن إيران أكثر تعقيدًا.

 

وتحدث المتحدث باسم الجيش الإيراني العميد أكرمي نيا عن ضغوط إسرائيلية متزايدة على ترامب لاتخاذ خطوات عدائية جديدة ضد طهران، مقابل ما وصفه بمعارضة شعبية داخل الولايات المتحدة لخوض حرب جديدة.

 

كما حذر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي من أن أي أخطاء جديدة في الحسابات قد تؤدي إلى فتح جبهات إضافية، مؤكدًا أن بلاده ستتجاوز الظروف الحالية، بحسب تصريحاته.

 

وفي المقابل، لا تزال تصريحات ترامب بشأن استعداد واشنطن للحوار تمثل نقطة يمكن البناء عليها إذا توافرت إرادة سياسية لدى الطرفين لوقف التصعيد.