يفتح حديث المهندس ممدوح حمزة عن بيع سبعة موانٍ بحرية واحدًا من أخطر ملفات التفريط في الأصول الاستراتيجية، بعدما وصف الاتجاه نحو التخلي عن الموانئ بأنه «خراب متعمد»، مؤكداً أن ما يجري لا يصدر إلا عن عدو.

 

ويضع كلام حمزة السلطة أمام اتهام سياسي بالغ القسوة، إذ لم يعد الأمر مجرد خصخصة أو بحث عن استثمارات، بل مساس مباشر بأصول سيادية تدر عملة صعبة وتمثل جزءاً أساسياً من أمن الدولة ومقدراتها الاقتصادية.

 

 

الموانئ ليست عقارات للبيع

 

فقد انتقد حمزة الترويج لنموذج شركة موانئ دبي العالمية باعتباره مبرراً للتوسع في تسليم الموانئ، موضحاً أن وجود الشركة في نحو ستين دولة لا يعني امتلاكها موانئ كاملة كما يتم تصوير الأمر.

 

وأوضح أن الغالبية الساحقة من نشاط الشركة تتركز في تشغيل أرصفة محددة داخل موانئ تظل مملوكة للدول، أو في إنشاء أرصفة جديدة ثم إدارتها، وليس الاستحواذ على الميناء بكامل أصوله وموقعه وموارده.

 

كما أشار إلى أن نسبة تتراوح بين 90 و99 بالمئة من الموانئ التي تعمل بها الشركة حول العالم تقوم على هذا النموذج، بما يهدم أي محاولة لتسويق بيع الموانئ المصرية باعتباره ممارسة دولية طبيعية.

 

وضرب حمزة مثالاً بما جرى في جيبوتي، التي دخلت في تعاقد دولي مع الشركة قبل أن ينتهي النزاع بين الطرفين إلى ساحات التحكيم والقضاء، لتتحول التجربة إلى تحذير من خطورة التنازل عن السيطرة.

 

والأخطر أن الحديث يدور، وفق حمزة، عن سبعة موانئ دفعة واحدة، وهو رقم يجعل القضية أكبر كثيراً من مجرد صفقة استثمارية، ويطرح أسئلة عن حدود التفريط في أصول يصعب تعويضها مستقبلاً.

 

ومن هنا يصبح السؤال أكثر فجاجة: إذا كانت الدول الكبرى تحافظ على موانئها باعتبارها شرايين اقتصادية وأمنية، فلماذا تتحول الموانئ المصرية إلى أصول مطروحة للمشاركة أو البيع كلما احتاجت الخزانة إلى سيولة عاجلة؟

 

 

سيولة مؤقتة مقابل دخل دائم

 

ويرفض حمزة المنطق الاقتصادي الذي يحاول تبرير بيع الموانئ بالحاجة إلى النقد الأجنبي، مؤكداً أن الموانئ نفسها من أهم المصادر القادرة على توليد العملة الصعبة بصورة مستمرة ومتزايدة عاماً بعد عام.

 

فالسفن العابرة تدفع رسوماً مقابل المرور والدخول والرسو، كما تتحمل تكاليف تفريغ وتحميل وتخزين البضائع والخدمات اللوجستية المختلفة، وهي إيرادات تحصل الدولة على جزء كبير منها بالعملات الأجنبية بصورة منتظمة.

 

وبالتالي فإن التخلي عن ميناء قائم ومدر للدخل مقابل دفعة مالية واحدة يعني، اقتصادياً، استبدال أصل ينتج عائداً دائماً بسيولة قصيرة الأجل يتم إنفاقها، بينما تنتقل الأرباح المستقبلية إلى المستثمر لسنوات طويلة.

 

وهذه السياسة لا تبدو إدارة رشيدة للأصول بقدر ما تشبه بيع مصادر الدخل لسد فجوات مالية متراكمة، بما يجعل الدولة تخسر الأصل والإيراد معاً ثم تعود لاحقاً للبحث عن مصادر جديدة للعملة الأجنبية.

 

كما أن مقارنة الموانئ بالمشروعات العادية تتجاهل طبيعتها السيادية، فالميناء ليس قطعة أرض أو مصنعاً يمكن استبداله، بل بوابة للدولة ومركزاً للتجارة وسلسلة الإمداد وأداة يمكن أن تتحول إلى نفوذ سياسي واقتصادي.

 

ولهذا جاءت تحذيرات حمزة شديدة الوضوح عندما ربط إدارة الموانئ بمفهوم الأمن القومي، معتبراً أن من يتعامل معها كسلعة للبيع لا يدرك أبعاد السيطرة على الممرات البحرية ومنافذ التجارة الخارجية.

 

 

بدائل موجودة والبيع بلا مبرر

 

وأشار حمزة إلى وجود بدائل استثمارية يمكن أن تحقق عوائد وتستقطب رؤوس الأموال دون التخلي عن ملكية الموانئ، من بينها تأجير أرصفة محددة لمدد زمنية واضحة مع بقاء الأصل والسيطرة الكاملة للدولة.

 

كما يمكن منح مستثمرين تراخيص لإنشاء أرصفة جديدة على مساحات غير مستغلة داخل الموانئ، بحيث تضيف الاستثمارات طاقات جديدة بدلاً من أن تستحوذ على البنية التي مولها المصريون وأقامتها الدولة عبر عقود.

 

وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس عن غياب البدائل، بل عن سبب الإصرار على الطريق الأكثر خطورة، وهو نقل السيطرة على أصول قائمة تحقق بالفعل دخلاً مستمراً بدلاً من توسيعها أو تطويرها بعقود تشغيل محددة.

 

ولا يمكن فصل هذا التوجه عن سياسة أوسع تقوم على تحويل الأصول العامة إلى مصدر سريع للدولار، حتى لو كان الثمن فقدان موارد استراتيجية كان يفترض أن تظل أداة لتعزيز استقلال القرار الاقتصادي.

 

وفي هذه النقطة تحديداً تصل انتقادات حمزة إلى أقصى درجات القسوة، عندما يصف ما يحدث بأنه «خراب متعمد» ويقول إن هذا التصرف لا يصدر إلا عن عدو، في اتهام سياسي لا يحتمل التخفيف.

 

أما وصف بيع سبعة موانئ بالخيانة العظمى فهو يعبر عن زاوية سياسية ترى أن التخلي عن أصول تمس الأمن القومي لا يمكن اختزاله في لغة الاستثمار، لأن القضية تتعلق بالسيادة قبل الأرباح وحجم الصفقة.

 

وحين تكون الموانئ مصدراً للعملة الصعبة وأداة للسيطرة على التجارة الخارجية، فإن التفريط فيها لا يمثل فقط خسارة مالية، بل نقل جزء من القدرة الاقتصادية والسيادية إلى أطراف ستدير الأصل بما يخدم مصالحها أولاً.

 

ويظل السؤال الذي يطرحه هذا الملف بلا إجابة مقنعة: لماذا تُباع الأصول التي يفترض أن تنقذ الاقتصاد على المدى الطويل، بينما يجري التعامل مع حصيلة البيع باعتبارها حلاً سريعاً لأزمة لن تنتهي بمجرد دخول دفعة دولارات جديدة؟