تواجه الحكومة أزمة جديدة في ملف الشفافية بعد استمرار عدم إعلان نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2023/2024، رغم مرور أشهر على الموعد الذي تعهدت خلاله بإتاحة البيانات التي تكشف الصورة الحقيقية لدخول المصريين وإنفاقهم ومستويات معيشتهم.

 

ويضع استمرار غياب النتائج الحكومة أمام سؤال مباشر: لماذا تتأخر أهم خريطة إحصائية للفقر ومستويات المعيشة في وقت تحمل فيه المواطن موجات متتالية من ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، بينما يفترض أن تكشف هذه البيانات بدقة من أصبح أفقر ومن تضرر أكثر؟

 

وتزداد الأزمة وضوحًا بعدما تعهدت الحكومة أمام اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب في أبريل الماضي بإتاحة النتائج خلال أسبوع واحد، قبل أن تمر نحو ستة أشهر من دون تنفيذ التعهد، لتتحول مهلة الأيام السبعة إلى شهور من الانتظار والأسئلة بلا إجابات.

 

كما لم يعد الأمر خلافًا فنيًا حول موعد إصدار دراسة إحصائية، لأن البحث يمثل أحد أهم الأدوات التي تكشف واقع دخل الأسر وإنفاقها ومعدلات الفقر، وتستخدم نتائجه في تقييم سياسات الدعم والحماية الاجتماعية وقياس الأثر الفعلي للأزمات الاقتصادية على المواطنين.

 

 

وعد أسبوع يتحول إلى ستة أشهر

 

تقدم النائب حسام حسن، المتحدث الرسمي باسم حزب العدل وعضو مجلس النواب، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، مطالبًا بالكشف عن أسباب استمرار عدم نشر النتائج رغم التعهدات السابقة.

 

ووصف النائب ما يحدث بالمماطلة الحكومية، مشيرًا إلى أن السلطة التنفيذية كانت قد وعدت بإتاحة المؤشرات خلال العام الماضي، قبل أن يتكرر الوعد بصورة أكثر تحديدًا أمام اللجنة الاقتصادية في أبريل 2026.

 

ومنحت اللجنة وقتها الوزارة مهلة أسبوع واحد لإتاحة البيانات، إلا أن الأسبوع انتهى وتبعه شهر ثم آخر حتى دخل التأخير شهره السادس، بينما ظلت النتائج بعيدة عن المواطنين والباحثين والبرلمان.

 

ولم يكن تحرك حسام حسن الأول من نوعه، إذ سبقته أدوات رقابية أخرى قدمتها النائبتان سحر عتمان وأميرة العادلي، في مؤشر على أن أزمة البحث لم تعد ملاحظة عابرة وإنما ملفًا برلمانيًا يتكرر دون حسم.

 

واستندت التحركات البرلمانية إلى المادة 68 من الدستور التي تعتبر المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملكًا للشعب، وهو ما يجعل السؤال عن استمرار حجب نتائج بحث بهذا الحجم أكبر من مجرد خلاف حول جدول نشر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

 

فإذا كانت البيانات الرسمية ملكًا للمواطن، يصبح من الصعب تفسير إبقاء المؤشرات التي ترسم خريطة الفقر والدخل والإنفاق بعيدة عن المجال العام طوال هذه المدة، خصوصًا مع تكرار التعهد بإعلانها.

 

 

الحكومة بلا أرقام فقر محدثة

 

وتكمن خطورة بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك في أنه ليس تقريرًا إحصائيًا يمكن تأجيله دون نتائج، بل يمثل أداة أساسية لفهم التحولات التي حدثت في حياة ملايين الأسر المصرية.

 

ويقيس البحث مستويات الدخل والإنفاق وأنماط الاستهلاك والظروف المعيشية، ومن خلال نتائجه يمكن تحديد معدلات الفقر وتوزيعها جغرافيًا واجتماعيًا ومعرفة الفئات التي فقدت جزءًا أكبر من قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.

 

كما تعتمد برامج الحماية الاجتماعية على بيانات من هذا النوع لتحديد المستحقين وتوجيه الموارد، وهو ما يجعل العمل بخرائط قديمة للفقر مخاطرة حقيقية عندما تتغير الأسعار والدخول والأوضاع الاقتصادية بهذه السرعة.

 

ويصبح السؤال أكثر إلحاحًا مع برامج مثل «تكافل وكرامة» و«حياة كريمة»، لأن تقييم قدرتها على الوصول إلى الأكثر احتياجًا يحتاج إلى معرفة حديثة بمن أصبح فقيرًا ومن خرج من دائرة الفقر ومن انضمت أسرته إليها بعد موجات الغلاء.

 

كما تستخدم بيانات البحث في بناء أوزان الرقم القياسي لأسعار المستهلكين، وهو المؤشر الذي يقاس من خلاله التضخم، بما يعني أن قيمة البحث تمتد من سياسات الدعم إلى قراءة حركة الأسعار نفسها.

 

وبالتالي فإن غياب نشر النتائج يحرم الباحثين والخبراء والرأي العام من أداة أساسية لاختبار الخطاب الحكومي عن تحسن المؤشرات الاقتصادية مقابل ما تشعر به الأسر فعليًا داخل بيوتها وأسواقها.

 

 

الغلاء موجود والأرقام غائبة

 

وتأتي الأزمة في توقيت تحمل فيه المواطن المصري تغيرات واسعة في الأسعار وتكاليف الغذاء والسكن والنقل والخدمات، ما يجعل الحاجة إلى قياس أثر هذه التحولات على مستويات المعيشة أكبر من أي وقت مضى.

 

ولا تكشف المؤشرات الكلية وحدها هذه الصورة، لأن الحديث عن النمو والاستثمارات والاحتياطيات لا يجيب عن سؤال بسيط يتعلق بما تبقى في جيب الأسرة بعد شراء الطعام ودفع الإيجار وفواتير الكهرباء والمواصلات.

 

وهنا تكمن أهمية بحث الدخل والإنفاق؛ فهو ينقل النقاش من الأرقام العامة إلى تفاصيل حياة الأسرة، ويكشف ما تنفقه على الطعام والصحة والتعليم والسكن، ومدى قدرة دخلها على تغطية هذه الاحتياجات.

 

كما يسمح بمقارنة أوضاع الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل عبر السنوات، وتحديد مدى تأثير موجات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة على تركيب المجتمع ومستوى الرفاه أو الحرمان داخله.

 

ومن دون هذه البيانات، يصبح النقاش بشأن الفقر معتمدًا بصورة أكبر على تقديرات قديمة أو مؤشرات جزئية، بينما يفترض أن تكون الحكومة نفسها أول جهة حريصة على إعلان أحدث الأرقام إذا كانت تريد تقييم نتائج سياساتها بصورة علمية.

 

أما استمرار التأخير، فيفتح المجال أمام منتقدين للتساؤل عما إذا كانت النتائج تحمل مؤشرات اجتماعية شديدة الحساسية لا تريد الحكومة نشرها في الوقت الراهن، وهو تساؤل لا يمكن حسمه دون إعلان البيانات نفسها.

 

 

هل انتهى البحث وبقي قرار النشر؟

 

وتزداد علامات الاستفهام مع ما يتردد بشأن انتهاء الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء من إعداد نتائج البحث بالفعل، بينما يبقى إصدارها النهائي مرتبطًا بموافقة حكومية على النشر.

 

ولا توجد في المادة المطروحة وثيقة رسمية تحسم هذه المعلومة، لكن استمرار المطالبات البرلمانية بالكشف عن موقف البحث يجعل الحكومة مطالبة بتوضيح ما إذا كان التأخير فنيًا أم إداريًا أم مرتبطًا بقرار سياسي بشأن توقيت الإعلان.

 

فإذا لم يكن البحث قد اكتمل، فمن حق الرأي العام معرفة أسباب التأخير وجدول الانتهاء منه، وإذا كان مكتملًا بالفعل، تصبح الحاجة أكبر إلى تفسير سبب عدم نشر أرقامه حتى الآن.

 

ولا يكفي هنا الحديث عن إجراءات داخلية، لأن البيانات تتعلق بمعدلات الفقر والدخل والإنفاق لمجتمع كامل، وتأخيرها يؤثر في قدرة البرلمان والباحثين والمؤسسات المستقلة على تقييم أداء الحكومة نفسها.

 

كما أن استمرار الغموض يضرب أحد أهم شروط العمل الإحصائي، وهو استقلال البيانات وصدورها وفق مواعيد معلومة بعيدًا عن الحسابات المتعلقة بما إذا كانت نتائجها مريحة للسلطة التنفيذية أم محرجة لها.

 

 

الموازنة بلا خريطة اجتماعية حديثة

 

ولا تتوقف آثار غياب البيانات عند البحث الأكاديمي، إذ تحتاج الموازنات والسياسات الاجتماعية إلى معرفة دقيقة بتوزيع الدخل والفقر حتى يمكن تحديد الأولويات وتوجيه الإنفاق إلى الفئات والمناطق الأكثر احتياجًا.

 

فكل جنيه تخصصه الدولة للدعم أو برامج الحماية الاجتماعية يحتاج إلى قاعدة معلومات تحدد المستفيدين المستهدفين، وإلا تحولت السياسة الاجتماعية إلى قرارات تتحرك ببيانات متأخرة عن واقع المواطنين.

 

كما أن تغير مستويات الأسعار خلال السنوات الأخيرة يعني أن خط الفقر نفسه يحتاج إلى تحديث يعكس التكلفة الفعلية للمعيشة، وليس واقعًا اقتصاديًا مضى عليه سنوات.

 

ومن هنا يصبح عدم نشر البحث عائقًا أمام تقييم ما إذا كانت مخصصات الحماية الاجتماعية الحالية تتناسب أصلًا مع حجم الفئات المحتاجة، أو أن موجات الغلاء دفعت أعدادًا جديدة إلى مستويات معيشة لم تعد تغطي احتياجاتها الأساسية.

 

ويضع ذلك الحكومة أمام مفارقة واضحة؛ فهي تطلب تقييم برامجها الاقتصادية والاجتماعية وفق مؤشرات الأداء، بينما تؤخر المؤشر الأهم الذي يسمح للناس والبرلمان بتقييم الأثر الحقيقي لهذه البرامج على الأسر.

 

 

الشفافية لا تعمل بالوعود

 

وتحذر الانتقادات البرلمانية من أن استمرار تأخير البيانات لا يغير واقع الفقر ولا يخفض الأسعار، وإنما يمنع فقط رؤية الصورة كاملة ويضعف قدرة المجتمع على مناقشة السياسات على أساس معلومات حديثة.

 

كما أن تكرار الوعود ثم عدم تنفيذها يضيف أزمة ثقة إلى أزمة البيانات، لأن الحكومة لم تعد مطالبة فقط بنشر البحث، وإنما بتفسير لماذا وعدت بإعلانه خلال أسبوع ثم تركت المهلة تتحول إلى ستة أشهر.

 

وتصبح القضية أكثر حساسية مع اعتماد مصر على مؤسسات تمويل دولية وبرامج إصلاح اقتصادي تحتاج في تقييماتها إلى بيانات يمكن الاعتماد عليها، فيما يمثل انتظام النشر وحرية الوصول إلى المعلومات جزءًا أساسيًا من مصداقية العمل الإحصائي.

 

ولا تستطيع أي حكومة أن تطلب من المواطن تصديق خطابها عن تحسن الأوضاع المعيشية بينما تظل أحدث البيانات القادرة على قياس هذا التحسن أو نفيه بعيدة عن النشر.

 

وفي النهاية، فإن بحث الدخل والإنفاق لا يمثل أرقامًا يمكن إخفاؤها في أدراج المؤسسات دون أثر؛ فهو المرآة التي تكشف كم يكسب المصري وكم ينفق وكم تبقى له بعد سنوات من ارتفاع الأسعار.

 

وبعد ستة أشهر من وعد حكومي بنشر النتائج خلال أسبوع، يصبح السؤال أكثر مباشرة من أي وقت مضى: أين أرقام الفقر؟ ولماذا لا يستطيع المواطن الاطلاع على البيانات التي تحدد حقيقة مستوى معيشته بينما تُبنى باسمه سياسات الدعم والموازنة والإصلاح الاقتصادي؟