أعاد تقرير رقابي إسرائيلي فتح ملف الإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر 2023، بعدما أظهر ثغرات واسعة في تشغيل وحدات الحماية بالمستوطنات المحيطة بقطاع غزة، وتضارب الجهات المشرفة عليها، وغياب تنظيم واضح لمسؤولياتها.
ووضع التقرير، مع اقتراب مرور ثلاث سنوات على هجمات طوفان الأقصى، مؤسسات الاحتلال أمام سجل ممتد من التحذيرات المهملة، بينما ظلت مشكلات التوظيف والتنسيق والاتصالات قائمة، رغم الكلفة البشرية التي أظهرت خطورة تركها دون معالجة.
تحذيرات قديمة تجاهلتها مؤسسات الاحتلال
ففي تقرير التدقيق السنوي، تناول مراقب الدولة ماتانياهو إنجلمان أوضاع العناصر المكلفة بالحماية داخل المستوطنات القريبة من قطاع غزة، مسلطا الضوء على اضطراب وضعها القانوني والوظيفي، وانعكاس ذلك على أداء مهامها الأمنية.
وأشار التقرير إلى مقتل سبعة من منسقي الأمن واثنين من بدلاء هذه العناصر، إضافة إلى 35 فردا من فصائل التأهب، خلال مواجهات السابع من أكتوبر في المستوطنات المحيطة بقطاع غزة.
كما أورد إصابة أكثر من مئة من المستوطنين وأسر آخرين ونقلهم إلى القطاع، بينهم اثنان من عناصر الحماية قُتلا خلال الأسر، في حصيلة أظهرت انهيار الترتيبات التي جرى التعويل عليها لحمايتهم.
لكن الخلل الذي تناوله التدقيق لم يبدأ صباح الهجوم، إذ تعود ملاحظات رقابية بشأن مشكلات التشغيل إلى عام 2005، دون أن ينجح الجيش ووزارة الأمن في إنهاء أسبابها أو توحيد آليات التعامل معها.
وعلى امتداد هذه السنوات، بقيت جهات متعددة تشارك في تشغيل العناصر وتأهيلها والإشراف عليها، بينما افتقرت المنظومة إلى توزيع منضبط للصلاحيات، يسمح بتحديد المسؤولية ومحاسبة الجهة المقصرة عند تعطل الأداء.
وبذلك، يضع التسلسل الزمني الوارد في التقرير رواية المفاجأة وحدها أمام اختبار صعب، لأن وجود إنذارات إدارية وتشغيلية سابقة يعني أن جانبا من مواطن الضعف كان معروفا لدى المؤسسات المعنية.
كذلك يثير استمرار هذه الأوضاع سؤالا عن قيمة الرقابة داخل مؤسسات الاحتلال، حين تتحول ملاحظاتها إلى ملفات مؤجلة، دون إجراءات تمنع تراكم الخلل في مناطق توصف بأنها شديدة الحساسية الأمنية.
ومن ثم، لا يقف الملف عند أخطاء أفراد واجهوا الهجوم، بل يمتد إلى قرارات مؤسسية أبقت ترتيبات الحماية معلقة بين جهات متعددة، وتركت المشكلات المعروفة تتفاقم حتى لحظة الاختبار الميداني.
تعدد المرجعيات يربك منظومة الحماية
وفي الجانب الوظيفي، أظهر التقرير أن 88% من الوحدات المشمولة بالفحص تواجه مشكلات جدية في ترتيبات تشغيلها، بما ينعكس على قدرتها على أداء الواجبات الأمنية المنوطة بها داخل المستوطنات.
كما تناول انخفاض الرواتب وعدم انتظام الوضع القانوني للعاملين، وهي مشكلات لا تنفصل عن الجاهزية، لأن غموض العلاقة الوظيفية يترك العناصر أمام التزامات أمنية لا تقابلها حقوق ومسؤوليات محددة بوضوح.
وبين الجهة المحلية التي تدفع الرواتب، والقائد العسكري الذي يتولى الإشراف المهني، والمجلس الذي يمارس دورا إشرافيا آخر، توزعت المرجعيات بطريقة سمحت بوصول تعليمات متضاربة إلى العناصر العاملة ميدانيا.
وفي هذا السياق، أشار التدقيق إلى غياب تعريف موحد للواجبات في أوامر الجيش وتوجيهات وزارة الأمن، بما يفتح الباب لاختلاف فهم المهمة بين المكلف بتنفيذها والجهات التي يفترض أن تشرف عليه.
وعمليا، يضع هذا التضارب العاملين أمام مأزق يتعلق بتحديد الجهة صاحبة القرار، خصوصا عند الطوارئ، حين تصبح سرعة الاستجابة مرتبطة بوضوح الأوامر، ويؤدي تعدد مصادرها إلى إرباك الحركة وتوزيع المسؤولية.
وإزاء ذلك، دعا مراقب الدولة وزيري الأمن والمالية إلى التحرك لمعالجة أوجه القصور، معتبرا أن استمرار المشكلات المعروفة منذ سنوات يستدعي حلا جذريا، يتجاوز تأجيل التسويات أو الاكتفاء بمعالجات محدودة.
غير أن تعدد المؤسسات المعنية يفتح أيضا مجالا للتنصل من المسؤولية، إذ تستطيع كل جهة الإشارة إلى صلاحيات جهة أخرى، بينما تبقى العناصر نفسها محكومة بترتيبات تشغيل لم تُحسم تناقضاتها.
وهنا تتضح فجوة بين تقديم هذه الوحدات باعتبارها خط حماية للمستوطنات، وبين واقع إدارتها، حيث لم يقترن حجم التعويل الأمني عليها بتوفير إطار وظيفي وتنظيمي يضمن تماسكها وقت الأزمات.
اتصالات ناقصة وإصلاحات لم تكتمل
أما في التنسيق الميداني، فرصد التقرير قصورا في العلاقة بين الجيش والعناصر الأمنية التابعة للمجالس الاستيطانية، مع غياب تنظيم واضح داخل الأوامر العسكرية يحدد التواصل مع القادة والضباط المسؤولين.
وفوق ذلك، لم تُوزع أجهزة لاسلكي عسكرية على بعض المعنيين بهذه المهام، واضطر عدد منهم إلى استخدام أجهزة اشتراها مسؤولون محليون صباح السابع من أكتوبر، بما يعكس نقصا في تجهيزات الاتصال.
وبهذا المعنى، لم تكن المشكلة محصورة في تباين التعليمات المكتوبة، بل شملت الوسائل اللازمة لنقلها وتبادل المعلومات، وهي حلقة أساسية لربط وحدات الحماية المحلية بالقوات العسكرية خلال المواجهات والطوارئ.
والأخطر أن التقرير أشار إلى عدم تنظيم علاقات العمل بصورة كافية قبل الهجوم أو بعده، بما يجعل الحديث عن استخلاص الدروس مرتبطا بما تحقق فعليا، وليس بمجرد إعلان البدء في المعالجة.
ورغم أن الجيش ووزارة الأمن شرعا في التعامل مع بعض النواقص عقب الهجوم، فإن التدقيق أظهر أن التغيير المطلوب في آلية تشغيل القوات المحلية لم يُنفذ، وأن جذور الاضطراب بقيت قائمة.
وهكذا يضع التقرير مؤسسات الاحتلال أمام إخفاق يتجاوز يوم الهجوم، فالمشكلة تشمل سنوات من تجاهل التحذيرات، ثم بطء الاستجابة لنتائجها، رغم أن الوقائع أثبتت خطورة الفصل بين التخطيط الإداري والجاهزية الميدانية.
وفي المحصلة، يقدم هذا الملف صورة لمنظومة امتلكت تحذيرات مسبقة بشأن جوانب من ضعفها، لكنها لم تعالجها، ثم واجهت نتائجها دون استكمال الإصلاح، لتظل المسؤولية موزعة والمحاسبة الفعلية موضع سؤال مفتوح.

