نُقل عمر البشير من مدينة مروي شمالي السودان إلى مستشفى علياء العسكري في أم درمان لمواصلة العلاج وإجراء فحوصات إضافية، وسط تضارب في الروايات بشأن طبيعة وضعه الصحي وأسباب نقله إلى العاصمة.

 

وتثير الخطوة أسئلة تتجاوز الجانب الطبي إلى مستقبل احتجازه وإمكان سفره للعلاج خارج البلاد، خصوصاً مع استمرار ملاحقاته القضائية داخلياً وبقاء مذكرتي توقيف دوليتين بحقه في قضية دارفور.

 

 

العلاج يعيد البشير إلى الخرطوم

 

وبحسب محاميه محمد الحسن الأمين، جرى نقل البشير إلى الخرطوم قبل نحو أسبوعين لإجراء فحوصات دورية، مؤكداً أن حالته ليست حرجة، رغم ظهور أعراض لم تتحدد أسبابها بصورة قاطعة حتى الآن.

 

وفي المقابل، تحدثت تقارير سودانية عن تدهور صحي استدعى نقله سريعاً من مروي، بينما قالت مصادر أخرى إن حالته مستقرة، ما أبقى أسباب الانتقال محل روايات متباينة لم تحسمها بيانات طبية رسمية.

 

ووفقاً لفريق الدفاع، يعاني البشير بصورة متكررة انخفاضاً في ضغط الدم والتهابات، ويحتاج إلى فحوصات قد تتطلب أجهزة غير متاحة محلياً، وهو ما أعاد طرح فكرة نقله للعلاج خارج السودان.

 

ومن جهة أخرى، ربط المحامي انتقال موكله بتحسن الوضع الأمني في الخرطوم وأم درمان، موضحاً أن بقاءه في مروي لم يعد ضرورياً، وأنه يتنقل حالياً بين الاحتجاز والمستشفى لاستكمال العلاج.

 

وبشأن السفر، قال فريق الدفاع إن مسؤولين أبدوا موافقة مبدئية أو عدم ممانعة، لكن الخطوة لم تتحول حتى الآن إلى إجراء نهائي نافذ يسمح بخروج البشير من البلاد لتلقي العلاج.

 

وفي الوقت نفسه، أشار المحامي إلى أن طلب السفر مطروح منذ أكثر من عام، معتبراً أن الحاجة إلى فحوصات أكثر تطوراً هي الأساس الطبي للمطلب، بينما لم تعلن السلطات قراراً نهائياً مفصلاً.

 

ومن ناحية أخرى، استند الدفاع إلى سفر بكري حسن صالح إلى تركيا لتلقي العلاج، باعتباره مثالاً على إمكان السماح لشخصيات محتجزة أو خاضعة لإجراءات قانونية بالعلاج خارج السودان وفق ترتيبات رسمية.

 

 

السفر يفتح جدلاً قانونياً واسعاً

 

لكن في المقابل، يعارض قانونيون هذا المسار، ويقول معز حضرة، المتحدث باسم هيئة الاتهام في قضية انقلاب 1989، إن مكان المتهم أو المحكوم عليه يظل خاضعاً لقرارات السلطة القضائية.

 

وبحسب حضرة، فإن قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 لا يسمح بالسفر خارج البلاد لمتهم أو محكوم عليه دون مسار قضائي، ويرى أن العلاج ينبغي أن يتم تحت إشراف الجهات القضائية المختصة.

 

وعلى هذا الأساس، يعتبر فريق الاتهام أن أي نقل إلى الخارج يحتاج غطاءً قانونياً واضحاً، بينما لم يُعلن حتى الآن عن قرار قضائي منشور يحسم مسألة سفر البشير أو يحدد شروطه.

 

وفي خلفية هذا الجدل، لا يزال البشير ملاحقاً أمام المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت بحقه مذكرتي توقيف في 2009 و2010، وما زالت قضيته مسجلة في مرحلة ما قبل المحاكمة.

 

كما تتضمن القضية الدولية اتهامات بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب والإبادة الجماعية في دارفور، وتؤكد المحكمة أن الملف سيبقى قبل المحاكمة إلى حين توقيفه ونقله إلى مقرها.

 

وفي الداخل السوداني، خضع البشير مع مسؤولين سابقين لمحاكمة تتعلق بانقلاب 30 يونيو 1989، وهي القضية التي توقفت إجراءاتها عملياً بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.

 

وقبل ذلك، أدانته محكمة سودانية في ديسمبر 2019 في قضية فساد وحيازة أموال بصورة غير مشروعة، وأمرت بإيداعه مؤسسة إصلاحية لمدة عامين بدلاً من السجن بسبب سنه آنذاك.

 

ومع انتقاله إلى مروي خلال الحرب، ارتبط وجوده هناك بالاعتبارات الأمنية والطبية، قبل أن يعاد إلى منطقة الخرطوم بعد تحسن نسبي في الوضع الأمني وعودة بعض المؤسسات والخدمات إلى العمل.

 

 

المحكمة الدولية تضاعف تعقيدات الملف

 

وفي المقابل، ظهرت رواية سياسية موازية تقول إن تحريك ملف العلاج قد يمهد لإخراج البشير من السودان قبل تحولات محتملة في المشهد السياسي، لكن هذه الرواية تستند إلى مصادر لم تسم نفسها.

 

وبحسب تلك المصادر، جرت اتصالات سابقة لترتيب استقبال البشير في دولة خارجية، وطرحت إريتريا ضمن الخيارات المتداولة، غير أن هذه التفاصيل لم تؤكدها بصورة مستقلة بيانات حكومية أو قضائية معلنة.

 

وعلى الجانب الآخر، يقدم فريق الدفاع القضية باعتبارها مسألة طبية وحقوقية، ويقول إن الأولوية هي توفير الفحوصات اللازمة، دون ربط العلاج بأي ترتيبات سياسية تخص مستقبل البشير أو موقعه القانوني.

 

وبين الروايتين، يظل غياب تقرير طبي معلن ومفصل عاملاً رئيسياً في استمرار الجدل، إذ لا تتوافر معلومات رسمية تسمح بتقييم طبي مستقل لطبيعة الأعراض أو مدى ضرورة العلاج خارج البلاد.

 

كذلك يزيد الغموض القانوني من حساسية الملف، لأن أي قرار بالسفر سيتقاطع مع قضايا داخلية مفتوحة، ومع مذكرات التوقيف الدولية، بما يجعل الجهة صاحبة الاختصاص وشروط الإجراء محوراً أساسياً.

وفي هذا السياق، تسجل المحكمة الجنائية الدولية البشير باعتباره غير موجود في عهدتها، وتؤكد أن مذكرتي التوقيف ما زالتا قائمتين، وأن إجراءات المحاكمة لا تبدأ قبل مثوله أمام قضاتها.

 

ومن ثم، فإن انتقاله إلى دولة أخرى قد يثير أسئلة تتعلق بالتزامات تلك الدولة تجاه المحكمة، وفق وضعها القانوني واتفاقاتها الدولية، وهي مسألة تختلف تفاصيلها باختلاف الدولة التي قد تستقبله.

 

وفي نهاية المطاف، يبقى الثابت أن البشير موجود حالياً داخل منشأة طبية عسكرية وتحت الاحتجاز، بينما لم يصدر إعلان نهائي موثق بشأن سفره، وتظل دوافع النقل محل تفسيرات صحية وسياسية متنافسة.

 

وبذلك، يتحول ملف علاجه إلى نقطة تقاطع بين الحالة الصحية والمسار القضائي والحسابات السياسية، فيما ستتحدد الخطوة التالية بما يصدر عن الجهات السودانية المختصة وأي قرارات قضائية أو طبية رسمية لاحقة.