يتسع نطاق التحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري مع توغلات طالت ريف القنيطرة وريف درعا الغربي، ورافقها اعتقال شاب وتفتيش منازل وانتشار آليات، بينما يواجه الأهالي خوفًا يتسلل إلى تفاصيل حياتهم اليومية.
وتضع هذه الوقائع قرى الحدود أمام واقع يفرضه السلاح، إذ بات مرور الطلاب إلى مدارسهم وتوجه السكان بين منازلهم وحقولهم يجريان تحت وطأة الدوريات والتحليق المتكرر للطائرات المسيّرة.
دوريات القنيطرة ترهب طريق المدارس
ففي ريف القنيطرة، دخلت دورية إسرائيلية تضم خمس سيارات إلى محيط قرية زبيدة صباح الثلاثاء 29 سبتمبر، بالتزامن مع توجه الطلاب إلى المدارس، ما أثار القلق بين الأطفال وذويهم.
ومع عبور الآليات قرب الطرق التي يسلكها التلاميذ، لم يعد الخوف مقتصرًا على احتمال مواجهة عسكرية؛ فقد صار الوصول إلى الفصل الدراسي نفسه مرتبطًا بتحركات قوة مسلحة لا يملك الأهالي التحكم فيها.
وفي قرية الحرية بريف القنيطرة الشمالي، اعتقلت القوات الإسرائيلية شابًا، في واقعة تضيف إلى التوغل أثرًا مباشرًا على إحدى الأسر، وتطرح أسئلة عن مصيره وظروف احتجازه وسبل الاطمئنان عليه.
كما يضاعف تزامن الاعتقال مع الحركة العسكرية حالة الترقب في القرى المجاورة؛ فكل دورية تمر من طريق مأهول تعيد إلى الواجهة خشية اقتحام جديد أو توقيف آخر.
وبينما تبدو زبيدة والحرية نقطتين منفصلتين على الخريطة، يجمعهما أثر واحد على المدنيين؛ انتشار عسكري عابر للقرى يحول الأنشطة المعتادة إلى قرارات تحسب فيها الأسر احتمالات الخطر.
ومن جهة أخرى، لا تمنح قلة التفاصيل المتاحة عن الاعتقال سببًا للجزم بملابساته أو باتهامات محددة، لكنها لا تمحو حقيقة اقتياد شاب من قريته وسط توغل عسكري.
ولهذا تتجاوز آثار الحادثتين عدد المركبات ومدة مرورها؛ فالخوف الذي رافق طريق المدرسة، والقلق على المعتقل، يستمران بعد مغادرة الدوريات المكان أو تراجع صوت محركاتها.
وعلى امتداد الجنوب السوري، يزيد تكرار مثل هذه العمليات صعوبة استعادة الأهالي شعورهم بالأمان، لأن الحياة اليومية لا تستقر حين يمكن لقوة مسلحة دخول قرية في أي وقت.
وبين هذه الوقائع، تتراجع قدرة الأسر على التخطيط ليوم عادي؛ فالذهاب إلى المدرسة أو المرور في طريق القرية يصبحان قرارين تحكمهما أخبار الدوريات، لا احتياجات الناس ومواعيدهم.
مداهمات معرية تطال البيوت والطرق
وفي ريف درعا الغربي، شهدت قرية معرية بمنطقة حوض اليرموك انتشار قوة إسرائيلية داخل حيها الغربي، حيث فتشت عددًا من المنازل بالتزامن مع تحليق مكثف لطائرات مسيّرة.
وبخلاف مرور الآليات في الطرق، ينقل تفتيش البيوت التوغل إلى مساحة الأسرة الخاصة، ويجعل السكان يواجهون القوة العسكرية داخل منازل يفترض أن تكون ملاذًا لهم من الاضطراب.
كما وصلت القوة إلى معرية من جهة ثكنة الجزيرة الواقعة على أطراف القرية، بينما انتشرت قوة أخرى بآليات عسكرية على الطريق الرابط بين معرية وعابدين.
وبذلك لم يقتصر الوجود العسكري على حي واحد؛ فقد امتد إلى الطريق الذي يصل القريتين، وهو مسار يعتمد عليه السكان في انتقالاتهم، ما يوسع نطاق القلق خارج موقع التفتيش.
وفي الأجواء، رافق تحليق المسيّرات عمليات الانتشار البري، فاجتمعت مراقبة السماء مع حركة الآليات على الأرض، في مشهد يضع قرية مدنية صغيرة تحت ضغط عسكري متواصل.
كذلك يترك تفتيش المنازل سؤالًا مفتوحًا بشأن ما جرى داخلها، في ظل غياب تفاصيل عن مبررات العملية أو نتائجها؛ والمؤكد من المعطيات المتاحة وقوع المداهمات وتزامنها مع الانتشار.
ومن منظور السكان، لا ينتهي أثر المداهمة بانسحاب القوة؛ إذ يمكن أن يتغير تعامل الأسرة مع بيتها وطريقها المعتاد كلما تكررت العمليات في المنطقة المحيطة بها.
وفي حوض اليرموك، يزيد الموقع القريب من مناطق التحرك العسكري حساسية أي انتشار جديد، لأن قرى متجاورة تراقب ما يحدث في معرية وعابدين بوصفه احتمالًا يمس حياتها أيضًا.
جنوب سوريا تحت ضغط التوغلات
وباجتماع وقائع القنيطرة ودرعا، تتضح صورة تحرك متعدد الأشكال: دوريات بين القرى، اعتقال، تفتيش منازل وانتشار على الطرق، مع طائرات مسيّرة ترصد المنطقة من الجو.
لكن اختلاف تفاصيل كل واقعة لا يحجب الرابط بينها؛ فالمدنيون هم من يتحملون أثر دخول القوات، سواء أصادفوا آليات في طريق المدرسة أم واجهوا التفتيش داخل بيوتهم.
وعلى مدى الفترة الماضية، شهدت محافظتا القنيطرة ودرعا توغلات وإطلاقًا للنار واستهدافات متفرقة في المناطق الحدودية، ما يجعل العمليات الأخيرة امتدادًا لنمط متكرر لا حادثًا منعزلًا.
وفي ظل هذا التكرار، يصعب على الأهالي التعامل مع كل تحرك بوصفه استثناءً عابرًا؛ فالخوف يتجدد مع كل دورية، حتى حين لا ترد أنباء عن إصابات.
ومن ناحية أخرى، لا تتيح المعلومات المنشورة تحديد حصيلة شاملة للعمليات الأخيرة أو نتائج تفتيش البيوت، ولذلك يظل التمييز ضروريًا بين ما ورد عن الوقائع وما لم يتضح بعد.
غير أن غياب حصيلة معلنة لا يقلل من خطورة اقتحام مناطق مأهولة؛ فدخول الآليات إلى محيط المدارس والمنازل يعرّض السكان لضغط لا يحتاج إلى سقوط ضحايا كي يظهر.
وفي قلب هذه الوقائع، يبرز حق الأهالي في معرفة ما جرى للشاب المعتقل، والحصول على معلومات واضحة عن مصيره، بدل ترك أسرته أمام انتظار يضاعف وطأة التوغل.
ومع كل ساعة تمر دون معلومات عنه، تتسع معاناة عائلته خارج موقع الاعتقال نفسه؛ فالغموض بشأن مكانه ووضعه يحول القلق إلى عبء مستمر على من ينتظرون عودته.
كما يبرز حق الأطفال في الذهاب إلى مدارسهم دون أن تتحول الطريق إلى مساحة ارتباك وخوف، وحق الأسر في ألا تقتحم العمليات العسكرية أبواب حياتها اليومية.
ولهذا يظل توثيق كل اعتقال ومداهمة وتحرك عسكري ضرورة لفهم حجم ما يجري في الجنوب السوري، ومنع ذوبان وقائع القرى الصغيرة في وصف عام للتصعيد.
وفي النهاية، لا تختصر أخبار زبيدة والحرية ومعرية في أسماء قرى على شريط حدودي؛ إنها حكاية طلاب ارتبك طريقهم، وشاب اعتقل، وأسر اقتحمت القوات منازلها.

