كمال أوزتورك

كاتب وصحفي تركي

 

حزب العدالة والتنمية حركة سياسية استطاعت خلال 25 عاما من وجودها في السلطة، مقاومة جميع الضربات القادمة من الخارج من دون أن تهتز، وقد تجاوز العديد من الأزمات.

 

فعلى سبيل المثال، حاولت المنظومة القديمة في تركيا عام 2008 إغلاق الحزب عبر القضاء، لكنها لم تنجح.

 

وفي عام 2013، جرت محاولة لإسقاطه من السلطة من خلال الاحتجاجات في الشوارع المعروفة باسم "أحداث غيزي "، ثم عبر الأزمة المالية التي أطلقت بعدها، لكن المحاولة لم تنجح.

 

كما استقال عدد من الوزراء نتيجة محاولة تنظيم غولن (فيتو) التي دخلت التاريخ باسم "الانقلاب القضائي في 17-25 ديسمبر"، إلا أن حزب العدالة والتنمية واصل البقاء في السلطة عام 2013.

 

وفي النهاية جاءت محاولة الانقلاب العسكري في 15 يوليو، وهذه المرة نزل الشعب إلى الشوارع ودافع عن السلطة، ونجت البلاد من كارثة كبيرة كانت على وشك الوقوع عام 2016.

 

وتمكن رجب طيب أردوغان من الخروج من جميع هذه الأزمات أكثر قوة بفضل إرادته القوية وذكائه، وأصبح اليوم واحدا من أهم قادة العالم. لكن حزب العدالة والتنمية يواجه هذه المرة أزمة من داخله، وليس ضغطا من الخارج.

 

3 مبادئ مهمة عند تأسيس حزب العدالة والتنمية

 

يتموضع حزب العدالة والتنمية، أكثر من كونه حزبا سياسيا، باعتباره إحدى الحركات السياسية المهمة داخل مجتمع واسع.

 

فقد خاض الوسط المتدين والمحافظ، لسنوات طويلة، "صراعا من أجل البقاء " حتى يتمكن من ممارسة أفكاره ومعتقداته في مواجهة الأيديولوجيا الكمالية العلمانية.

 

ونقل نجم الدين أربكان صراع هذا الوسط الواسع من أجل البقاء إلى السياسة، وأطلق حركة "الرؤية الوطنية ".

 

وفي البداية، استغرب الوسط المتدين هذه الحركة السياسية، لكنه تبناها لاحقا، وتمكن أربكان من أن يصبح رئيسا للوزراء، ولو لفترة قصيرة. ثم استقال تحت ضغط الوصاية العسكرية، ودخلت البلاد مرحلة عميقة من الوصاية العسكرية عرفت باسم "مرحلة 28 فبراير" عام 1998.

 

وظهر رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية على الساحة السياسية في هذه المرحلة تحديدا، فقد تسلم إرث أربكان، وقاوم ضغوط الوصاية، وحقق انتصارا كبيرا في انتخابات ستغير مصير البلاد عام 2002.

 

ولم يفتح أردوغان حزبه أمام فريق الرؤية الوطنية التابع لأربكان فقط، بل ضم أيضا أبرز المثقفين الإسلاميين في البلاد، والمثقفين الليبراليين، والقوميين، والقطاع الكردي المحافظ، ونشأ عن ذلك توافق واسع وطاقة كبيرة، وهو ما جلب معه نجاحات كبيرة.

 

وفي مرحلة التأسيس، أعلن أردوغان أنهم سيحاربون ثلاثة أمور: الفساد، والفقر، والمحظورات، وقد لقي ذلك قبولا واسعا داخل المجتمع، وجعل حزب العدالة والتنمية يصل إلى السلطة منفردا في كل انتخابات.

 

البعد الاقتصادي للأزمة

 

اكتسب حزب العدالة والتنمية خبرة كبيرة في مواجهة جميع الضغوط والهجمات القادمة من الخارج، وحقق نجاحا كبيرا في التعامل معها، لكنه لا يمتلك الخبرة نفسها في مواجهة المشكلات الموجودة داخله.

 

وهو يخوض الآن اختبارا بالغ الجدية بسبب أزمة الصناديق الاستثمارية التي يشهدها الاقتصاد. وعندما اتضح أن بعض المتسببين في هذه الأزمة شخصيات سبق أن تولت مناصب وزارية من داخل حزب العدالة والتنمية، انتقل النقاش فجأة إلى داخل الحزب، واشتعل جدل سياسي.

 

ويعيش حزب العدالة والتنمية الآن أزمة مختلفة بسبب انتهاك كوادر من داخله أحد أهم مبادئ تأسيسه، وهو "مكافحة الفساد ".

 

وليست هذه الأزمة في الواقع أكبر أزمة اقتصادية خلال سنوات الحزب الـ25 في السلطة، لكن تأثيرها أصبح أكبر لأن أطراف الأزمة أسماء قريبة من حزب العدالة والتنمية.

 

ونتيجة قيام 7 شركات لإدارة المحافظ بتنفيذ معاملات غير قانونية ومضاربات في 131 صندوقا، أصبحت استثمارات نحو 450 ألف شخص، بقيمة تقارب 20 مليار دولار، في خطر كبير بصورة مفاجئة.

 

وتدخل مجلس أسواق رأس المال ووزارة المالية على الفور، وتم توقيف 75 شخصا عبر القضاء، وأوقفت معاملات 131 صندوقا، وبدأت إجراءات تصفيتها؛ وتأثرت البورصة كثيرا بهذه العملية، وفقدت نحو 13% من قيمتها.

 

وتبلغ قيمة الصناديق الـ131 -التي شهدت معاملات غير قانونية- نحو 10% من إجمالي سوق الصناديق. ويوجد في تركيا نحو ألفي صندوق استثماري، تبلغ قيمتها الإجمالية قرابة 250 مليار دولار، ويبلغ حجم الاقتصاد التركي نحو 1.6 تريليون دولار.

 

لماذا أحدثت الأزمة تأثيرا كبيرا؟

 

بالمقارنة مع القوة الاقتصادية لتركيا، فإن تأثير الأزمة التي وقعت من حيث الأرقام ليس في الواقع بالحجم الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار كبير.

 

فالأنظمة المالية والقطاع المصرفي والبورصة ما زالت تعمل بصورة منتظمة، ومع ذلك، أحدثت أزمة الصناديق هذه نقاشا واسعا جدا وصدمة كبيرة، وهناك عدة أسباب لذلك.

 

العدد الكبير من المستثمرين المتضررين. فقد أعلنت المؤسسات الرسمية أن 455 ألفا و758 مستثمرا فرديا تضرروا من هذه الأزمة. وعند احتساب أسرهم، فإن نحو 1.5 مليون شخص يتأثرون بهذه الأزمة حاليا.

 

معظم شركات إدارة المحافظ السبع التي تسببت في الأزمة تعود إلى أقارب أو مقربين من أشخاص قريبين من حزب العدالة والتنمية، أو إلى أشخاص مرتبطين بهم.

 

واضطرت نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية ووزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية السابقة فاطمة بتول كايا سايان إلى الاستقالة من مناصبها بعد اتهامات بأنها كونت ثروة غير مشروعة على صلة بهذه الشركات لإدارة المحافظ.

 

وازداد الجدل حدة لأن حزب العدالة والتنمية، الذي يكافح الفساد وكشف الرشاوى والمخالفات في البلديات التابعة للمعارضة التي بدأت بشأنها إجراءات قضائية، وجد نفسه أمام وضع مشابه.

 

تدخل الرئيس أردوغان في القضية

 

عندما بدأت أزمة الصناديق، كان الرئيس أردوغان في الولايات المتحدة لحضور اجتماع الأمم المتحدة، وفي أثناء عودته، قال للصحفيين على متن الطائرة إن كل من يتحمل مسؤولية في الأزمة سيحاسب أمام القضاء.

 

وفور هبوطه في إسطنبول، جمع الوزراء ومسؤولين آخرين لتقييم الأزمة، وأصدر أولى تعليماته: "بغض النظر عمن يتورط في الأمر، يجب محاسبته ".

 

وبعد هذا الاجتماع، أعلنت نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية فاطمة بتول كايا سايان استقالتها من جميع مناصبها.

 

أما أكثر تصريحات أردوغان شمولا، فجاءت بعد اجتماع مجلس الوزراء في 28 سبتمبر 2026، وكان تصريحه حادا وحازما للغاية:

 

"سواء كان ذلك عبر التلاعب بالسوق، أو ألعاب البورصة، أو عبر ممارسة فساد واضح كما يحدث في البلديات؛ فإن كل من يمد يده إلى حق الشعب أو حقوقه أو أمواله أو ممتلكاته سيجدنا في مواجهته، وسيجد الدولة في مواجهته. لا يخلط أحد بيننا وبين الآخرين، ولا يقارننا أحد بمن يتنقلون من ساحة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى للدفاع عن فساد بمليارات الليرات. نحن لا نشبههم، خطنا الأحمر هو شعبنا العزيز ".

 

أسلوب المعارضة والسلطة في مكافحة الفساد

 

منذ اليوم الذي اندلعت فيه الأزمة، تنتقد المعارضة الوضع بكثافة، بل إن "المتحدث باسم الحزب الجديد " زينل إمره هو من كشف للرأي العام المعلومات التي أدت إلى استقالة فاطمة بتول سايان.

 

ومنذ اللحظة التي اندلعت فيها أزمة الصناديق، انتقد مسؤولو حزب العدالة والتنمية ووسائل الإعلام الداعمة له من ارتكبوا المخالفات، وطالبوا بمحاسبتهم.

 

ولم يحاول أحد الدفاع عن الوضع أو التستر عليه، وأصدر وزيرا العدل والمالية، والمتحدثون باسم حزب العدالة والتنمية، وأخيرا الرئيس أردوغان، رسائل حازمة للغاية، معلنين أن "المحاسبة ستطال الجميع، بغض النظر عمن تصل إليه القضية أو من يكون ".

 

وبالفعل، أوقف عدد كبير من الأشخاص الذين سبق أن تولوا مناصب داخل بيروقراطية الدولة وحزب العدالة والتنمية، إضافة إلى الوزيرة السابقة التي استقالت.

 

وكان يتضح من رد فعل الرأي العام أن أزمات سياسية خطيرة جدا كانت ستندلع داخل حزب العدالة والتنمية لو لم تتم ملاحقة القضية بهذه الصرامة والحزم. فمستوى رد فعل الشعب وغضبه وخيبة أمله تجاه هذه الأزمة مرتفع للغاية.

 

وكان حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي، قد واجه أزمة مشابهة قبل عامين.

 

وعندما كشف عن تورط بعض رؤساء البلديات والنواب المنتمين إلى حزب الشعب الجمهوري في قضايا فساد ورشوة ومخالفات، دافع الحزب عن هؤلاء الأشخاص وقال إنهم أبرياء، بدلا من مطالبتهم بالمثول أمام القضاء ومحاسبتهم وإثبات براءتهم، ثم قدمت إلى المحكمة أدلة قوية عديدة على أن هذه الأسماء تلقت رشاوى وارتكبت فسادا، واتسعت المحاكمات.

 

وبعد ذلك بدأ جدل واسع داخل حزب الشعب الجمهوري، وأشعل مجموعة من أعضائه هذا النقاش متسائلين عن سبب الدفاع عن المتورطين في الفساد.

 

وفي النهاية انقسم حزب الشعب الجمهوري، وأسس الذين واصلوا الدفاع عن السياسيين المتهمين بالفساد بحجة أن "المحاكمات سياسية " حزبا جديدا هو "الحزب الجديد ".

 

أما حزب العدالة والتنمية فلم يقع في هذا الخطأ، ودفع مسؤوليه إلى الاستقالة، كما أصدر الرئيس أردوغان تعليمات خاصة بتوسيع التحقيقات ومحاسبة جميع المذنبين.

 

كيف سيتم الخروج من الأزمة؟

 

أهم عناصر الأزمة هو إنقاذ أموال 455 ألف شخص، التي تقترب قيمتها من 20 مليار دولار، ومعظم هؤلاء من صغار المستثمرين.

 

ولذلك يجري أولا البحث عن صيغة تضمن، على الأقل، إعادة رؤوس أموال هؤلاء المستثمرين الصغار الذين يشكلون عددا كبيرا.

 

كما يعارض الرأي العام بشدة أن تدفع هذه الأموال من خزينة الدولة، إذ يعترض على دفع أموال من استثمروا في هذه الصناديق عالية المخاطر أملا في تحقيق أرباح كبيرة من أموال الضرائب التي يدفعها المواطنون. ولهذا تبحث الحكومة عن طريقة مختلفة لمعالجة خسائر المستثمرين.

 

وهناك مسألة أخرى تتعلق بالتساؤل عن مدى قيام المؤسسات المسؤولة عن الرقابة على الأسواق المالية، مثل مجلس أسواق رأس المال، بعمليات الرقابة والتفتيش اللازمة بصورة كافية.

 

ذلك أن المستثمرين وضعوا أموالهم بثقة لأن الشركات والصناديق المذكورة كانت خاضعة لرقابة الدولة، والآن يجري التحقيق فيما إذا كانت هذه المؤسسات تتحمل مسؤولية أو ارتكبت أخطاء.

 

ومن ناحية أخرى، بات حزب العدالة والتنمية أمام فرصة لتطهير صفوفه والتخلص من الأسماء المتورطة في الفساد والمخالفات والجرائم المشابهة. وتنتظر قاعدة حزب العدالة والتنمية التخلص من هذه الأسماء، وأن يكافح الحزب الفساد والفقر والمحظورات، كما تقتضي فلسفة تأسيسه.

 

وفي الوقت الذي كنت أكتب فيه هذا المقال، كان الرئيس أردوغان يعقد اجتماعا مهما ثانيا، جمع فيه مسؤولي جميع المؤسسات المنظمة للسوق.

 

ويفهم من مسار الأحداث أن هذه الأزمة لن تنتهي خلال وقت قصير، وأنها ستظل مطروحة على الساحة لفترة أطول.