تثير تقديرات برلمانية بوجود نحو 150 ألف مركبة متهالكة ومتروكة في شوارع القاهرة الكبرى مخاوف بيئية وأمنية، وتضع شكاوى السكان من إشغال الطرق وتراكم المخلفات أمام اختبار جدية الحكومة في معالجة الإهمال الممتد.
وتتصاعد المطالب بإنهاء بقاء السيارات المهملة وسط الأحياء، مع انتقال الملف إلى مساءلة برلمانية بشأن كفاءة الحصر والرفع والتخزين، بينما يظل الرقم المتداول تقديرًا سابقًا يحتاج إلى تدقيق رسمي، وليس نتيجة حصر حديث معلن.
هياكل مهملة تضيق حياة السكان
ففي شوارع تعاني أصلًا من ازدحام الحركة وضيق مساحات الانتظار، تمثل المركبات المتروكة استحواذًا طويلًا على الحيز العام، إذ تبقى هياكل بلا استخدام بينما يتحمل السكان تبعات تعطيل الاستفادة من المساحات المتاحة.
كما تمتد المشكلة إلى البيئة المحيطة بالمساكن، بعدما أشار السؤال البرلماني إلى احتمال تحول بعض المركبات إلى نقاط لتجمع القمامة والحشرات والقوارض، بما يجعل التعامل معها ضرورة خدمية تتجاوز تحسين المنظر العام.
وفي المقابل، لا يصح اختزال المخاوف الأمنية في اتهام جميع المركبات المتروكة بالارتباط بجرائم، وإنما تتعلق الحاجة العاجلة بالتحقق من السيارات مجهولة البيانات، ومعرفة أصحابها وفحص موقفها لدى الجهات المعنية بصورة منتظمة.
ولذلك، فإن ترك هذه الهياكل دون متابعة يضاعف صعوبة التعامل معها بمرور الوقت، ويجعل السكان أمام مشهد ثابت من الإهمال، فيما تتوزع مسؤولية التحرك بين الأحياء والمحافظات وأجهزة المرور دون نتائج شاملة معلنة.
ومن هنا، وجه أيمن محسب، عضو مجلس النواب، سؤالًا برلمانيًا إلى الحكومة بشأن استمرار انتشار السيارات المهملة وأنقاض المركبات، مطالبًا بتفسير الفجوة بين وجود قواعد منظمة للتعامل معها وبقائها داخل الشوارع والأحياء.
وبينما تستمر الحملات المرورية لرفع المركبات المتروكة، فإن الإعلان عن أعداد المرفوع منها لا يجيب وحده عن السؤال الأهم، وهو حجم المتبقي، ومدى انخفاض الظاهرة فعليًا مقارنة بما تراكم على مدار سنوات.
وعليه، يصبح غياب حصر شامل منشور جزءًا من الأزمة، لأن التقديرات المتداولة، مهما بلغت ضخامتها، لا تمنح سكان كل حي إجابة واضحة عن موعد إزالة المركبات التي تشغل شوارعهم أو الجهة المسؤولة.
حملات الرفع تنقل عبء الإهمال
غير أن خروج السيارة من الشارع لا يعني انتهاء المشكلة، إذ تبدأ بعدها مراحل النقل والإيداع والتأمين والإخطار، وهي حلقات حذر محسب من تعثرها بما يحول ساحات التخزين إلى مستودعات دائمة للمركبات.
كذلك، تتحمل الجهات المختصة أعباء مرتبطة بمساحات الإيواء والحراسة والنقل، ما يطرح تساؤلات عن جدوى رفع المركبات إذا ظلت لسنوات داخل الساحات، دون استكمال الإجراءات أو تسوية موقفها وفق القواعد المنظمة للملف.
وفي هذا السياق، طالب النائب بإعلان أعداد المركبات التي جرى رفعها منذ تطبيق المنظومة، وتوزيعها على المحافظات، إلى جانب بيان الموجود منها بالشوارع، حتى يمكن تقييم الأداء بعيدًا عن الاكتفاء بأخبار الحملات.
إضافة إلى ذلك، طلب تحديد أعداد المركبات التي انتهت المدد المقررة لاستلامها ولم يتقدم أصحابها، ومعرفة ما بيع منها، وحصيلة التصرف فيها، وما وصل من هذه الأموال إلى الخزانة العامة بصورة موثقة.
أما المركبات التي بقيت داخل أماكن الإيداع رغم انتهاء الإجراءات الزمنية المتعلقة بها، فتستدعي تفسيرًا لأسباب التأخير، لأن استمرار التخزين لا يعطل الاستفادة الاقتصادية وحدها، بل يضيف أعباء تشغيلية تحتاج إلى حساب واضح.
وبالتوازي، تظل معرفة المالك وإخطاره وضمان حقوقه خطوات أساسية، فلا ينبغي أن تتحول معالجة إشغال الشوارع إلى إجراءات مبهمة، وإنما إلى مسار موثق يتيح المتابعة ويحمي الممتلكات حتى استكمال التصرف القانوني فيها.
وبناءً على ذلك، فإن قياس النجاح بعدد السيارات المنقولة فقط يقدم صورة ناقصة، بينما يرتبط التقييم الحقيقي بإتمام الملف لكل مركبة، وتقليل زمن بقائها في التخزين، وإعلان التكاليف والعائد ومسؤوليات الجهات المشاركة.
حصر شامل ومحاسبة بدل المسكنات
ومن ناحية أخرى، طرح محسب ضرورة إطلاق حصر قومي للمركبات المهملة والمتروكة وأنقاضها، وربط نتائجه إلكترونيًا بقاعدة بيانات المرور، بما يسمح بتتبع السيارة منذ تسجيل وجودها في الشارع وحتى تسوية وضعها النهائي.
فضلًا عن ذلك، يفترض أن يشمل الربط بيانات اللوحات والشاسيه والمحرك، عندما تكون متاحة، حتى لا تتكرر عمليات التسجيل أو تضيع المعلومات بين الجهات، وتصبح لكل مركبة بيانات يمكن مراجعتها ومتابعة إجراءاتها.
وفي الإطار نفسه، طالب النائب بمؤشرات أداء واضحة لكل محافظة، تشمل الرصد والرفع والتصرف النهائي، مع جدول زمني لمعالجة المخزون القديم، بدل استمرار تراكمه وانتقال مسؤولية التعامل معه من إدارة إلى أخرى.
وبالمثل، فإن نشر التكلفة السنوية للنقل والحراسة والإيواء يتيح مقارنة الإنفاق بالعائد الممكن من المركبات التي انتهت صلاحيتها، سواء كخردة أو قطع غيار أو مواد يعاد تدويرها، بعد استيفاء الضوابط المنظمة لذلك.
لكن معالجة الملف تحتاج أيضًا إلى رقابة تتابع جميع المراحل، فلا يكفي وجود تعليمات عامة إذا تعثرت آليات تنفيذها، ولا يصبح اختلاف الأداء بين المحافظات مبررًا لبقاء أحياء كاملة أسيرة الإهمال المتكرر.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن يوفر إعلان نتائج دورية مفصلة وسيلة لمحاسبة الجهات المتأخرة، ويمنح السكان معلومات عن تقدم الشكاوى، بدل تركهم أمام حملات متفرقة لا يعرفون توقيتها ولا مصير المركبات بعدها.
وفي الوقت نفسه، يتيح استقبال بلاغات السكان وتحديد مواقع المركبات بدقة دعم الحصر الميداني، بشرط ربط كل بلاغ بمتابعة فعلية وإجابة واضحة من الجهات التنفيذية المختصة.
وأخيرًا، تضع تقديرات وجود 150 ألف مركبة بالقاهرة الكبرى الحكومة أمام مسؤولية التحقق والتحرك، فالمطلوب شوارع تستعيد مساحاتها وأمانها، وبيانات معلنة تشرح النتائج، وإجراءات تنهي الإهمال بدل نقله من الرصيف إلى ساحات التخزين.

