أثار تحديد مكافأة معلمي الحصة عند خمسين جنيهًا للحصة وبحد أقصى 4800 جنيه شهريًا موجة انتقادات جديدة، بعدما اعتبر النائب ناجي الشهابي أن المقابل المالي لا يتناسب مع مسؤوليات المعلم أو متطلبات المعيشة.
ويفتح الجدل حول العقود الموسمية ملفًا أوسع يتعلق بكيفية سد العجز في المدارس، وحدود الاستعانة المؤقتة بالمعلمين، ومدى قدرة هذا النموذج على تحقيق استقرار وظيفي يسمح للمعلم بأداء دوره داخل الفصل بصورة منتظمة.
عقد موسمي وأجر محدود
وفي هذا السياق، وصف الشهابي الصيغة الجديدة بأنها عقد إذعان، معتبرًا أن المعلم يُطلب منه العمل طوال العام الدراسي، ثم يجد نفسه خلال شهور الصيف بلا دخل ثابت يساعده على تحمل احتياجات أسرته الأساسية.
ومن جانبه، انتقد الشهابي سقف المكافأة الشهرية البالغ 4800 جنيه، وقال إن خمسين جنيهًا للحصة لا تمثل مقابلًا كافيًا إذا أضيفت إليها تكاليف الانتقال والالتزامات اليومية التي يتحملها المعلم خلال فترة الدراسة.
وفي المقابل، تحدد الصيغة المعلنة للعقد قيمة الحصة الواحدة بخمسين جنيهًا، مع حد أقصى يبلغ 96 حصة شهريًا، بما يجعل إجمالي المكافأة 4800 جنيه شاملة الاستقطاعات القانونية المقررة.
كما تمتد مدة التعاقد، وفق التفاصيل المنشورة، من أول سبتمبر حتى نهاية يونيو، وهو ما يجعل العلاقة التعاقدية مرتبطة بفترة العام الدراسي ولا يضمن استمرار المقابل المالي خلال شهري يوليو وأغسطس.
وعلى هذا الأساس، يرى الشهابي أن النموذج الحالي يستخدم البطالة والحاجة إلى العمل في فرض شروط مالية ضعيفة، معتبرًا أن المعلم الذي يسد عجزًا فعليًا داخل المدارس يحتاج إلى وضع أكثر استقرارًا وإنصافًا.
وفي الوقت نفسه، تقول وزارة التربية والتعليم إن العقود الموسمية تستهدف تقنين أوضاع معلمي الحصة، وضمان انتظام صرف مستحقاتهم، والمساهمة في استقرار الدراسة، إلى جانب الاستفادة منهم في سد العجز بالمواد الدراسية المختلفة.
وبذلك، تظهر فجوة في توصيف العقود بين الوزارة التي تقدمها وسيلة للتقنين والاستقرار، والانتقادات التي ترى أن مدة العقد وقيمة المكافأة لا تمنحان المعلم أمانًا ماليًا أو وظيفيًا كافيًا.
الاستقرار الوظيفي داخل الفصول
ومن زاوية أخرى، ربط الشهابي بين ضعف الاستقرار الوظيفي وتراجع قدرة المعلم على التركيز في مهمته التعليمية، معتبرًا أن القلق المستمر بشأن الدخل قد ينعكس على مستوى العطاء داخل الفصل وعلى العلاقة بالطلاب.
كما حذر من أن محدودية الدخل قد تدفع بعض المعلمين إلى البحث عن مصادر إضافية، وفي مقدمتها الدروس الخصوصية، وهو ما يراه عاملًا يزيد تعقيد أزمة قائمة أصلًا داخل منظومة التعليم.
وفي هذا الإطار، لا تتوقف القضية عند رقم المكافأة وحده، لأن معلم الحصة يؤدي دورًا مباشرًا في تغطية النقص بالمدارس، بينما يظل وضعه مرتبطًا بعدد الحصص الفعلية وحدود التعاقد الموسمي.
وفوق ذلك، فإن الحد الأقصى المعلن لا يعني بالضرورة حصول كل معلم على 4800 جنيه، لأن بلوغ هذا الرقم يفترض الوصول إلى السقف الكامل للحصص الشهرية المحدد في العقد.
ومن ثم، فإن أي انخفاض في عدد الحصص المسندة للمعلم ينعكس مباشرة على دخله، وهو ما يزيد حساسية هذه الفئة تجاه توزيع الجداول المدرسية وحجم الاحتياج الفعلي داخل كل إدارة تعليمية.
وفي المقابل، يتضمن تنظيم العقود تطبيق أحكام تتعلق بإصابات العمل وفق قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، وهو جانب يوفر إطارًا قانونيًا لبعض المخاطر المهنية خلال فترة التعاقد، لكنه لا يحسم مسألة الدخل المستمر.
الدستور وتمويل التعليم العام
ومن ناحية دستورية، استند الشهابي إلى المادة 19 التي تنص على تخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي، مع زيادتها تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.
وفي هذا السياق، اعتبر أن أزمة معلمي الحصة تعكس خللًا في ترتيب الأولويات، ودعا إلى توجيه موارد أكبر للتعليم باعتباره استثمارًا في البشر لا يقل أهمية عن الإنفاق على المشروعات والبنية الأساسية.
كما شدد على أن ضمان وضع مالي أكثر أمانًا للمعلم ليس قضية اجتماعية فقط، بل عنصر يرتبط بجودة العملية التعليمية نفسها، لأن الاستقرار الوظيفي يؤثر في قدرة المعلم على التخطيط والاستمرار والتطوير المهني.
وفي ضوء ذلك، يصبح تحسين شروط معلمي الحصة مرتبطًا بمسارين متوازيين، أولهما ضمان مقابل مالي مناسب، وثانيهما بناء صيغة تعاقدية تمنح المدرسة استقرارًا دون ترك المعلم عرضة لانقطاع الدخل الموسمي.
وفي المقابل، تقدم الوزارة العقود الموسمية باعتبارها أداة لتنظيم الاستعانة بمعلمي الحصة وتحديد المقابل المالي ومدة العمل، ضمن إجراءات تستهدف ضمان انتظام الدراسة وتقنين أوضاع العاملين بهذا النظام.
وعلى صعيد التطبيق، يتوقف نجاح النظام على انتظام صرف المستحقات، ووضوح قواعد توزيع الحصص، وعدم تحميل المعلمين التزامات إضافية خارج ما تسمح به طبيعة العقد والمقابل المالي المحدد.
كذلك، تظل مسألة الصيف نقطة خلاف أساسية، لأن انتهاء التعاقد في يونيو يعني توقف المقابل خلال فترة الإجازة، بينما تستمر الالتزامات المعيشية للمعلم وأسرته دون توقف أو تخفيض.
ومن جهة أخرى، فإن وصف العقد بالإذعان يمثل موقفًا سياسيًا عبّر عنه الشهابي، بينما تقدمه الوزارة باعتباره أداة لتقنين العلاقة مع معلمي الحصة وتنظيم حقوقهم والتزاماتهم خلال العام الدراسي.
وفي النهاية، تتجاوز الأزمة حدود الخلاف حول خمسين جنيهًا للحصة، لتصل إلى سؤال أكبر بشأن النموذج الذي تعتمد عليه المدارس لسد العجز، وهل ينبغي أن يقوم على حلول موسمية أم مسارات أكثر استقرارًا.
وبناء على ذلك، فإن النقاش حول معلمي الحصة سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على التوفيق بين احتياجات المدارس الفورية، والقيود المالية، ومتطلبات تحسين أوضاع المعلمين الذين تعتمد عليهم المنظومة في سد فجوات التدريس.

