يطوي العراق في 30 سبتمبر مرحلة عسكرية امتدت أكثر من عقد، مع انتهاء مهمة التحالف الدولي على أراضيه وانتقال العلاقة مع دوله من الوجود القتالي المباشر إلى شراكات ثنائية في التدريب والتسليح والتعاون الأمني.

 

ويضع تسلم بغداد المقر الأمريكي في مطار بغداد الدولي، بالتزامن مع ترتيبات الانسحاب المتبقية، الدولة أمام مرحلة جديدة تختبر قدرة مؤسساتها العسكرية على إدارة الأمن والمجال الجوي وملاحقة خلايا داعش بإمكاناتها الذاتية.

 

 

انسحاب التحالف يعيد رسم العلاقة

 

وفي هذا السياق، أكد الفريق سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، أن استلام الموقع الأمريكي في مطار بغداد يمثل خطوة ضمن انتقال المسؤوليات كاملة إلى الجانب العراقي وترسيخ السيطرة الوطنية على المنشآت العسكرية والأمنية.

 

كما يأتي هذا التحول قبل الموعد النهائي المعلن في 30 سبتمبر، بعدما أكدت بغداد وواشنطن خلال أغسطس التزامهما بإنهاء مهمة التحالف وفق الجدول المتفق عليه والانتقال بعدها إلى علاقات ثنائية مختلفة.

 

ومن جهة أخرى، لا يعني انتهاء مهمة التحالف إغلاق قنوات التعاون العسكري مع الدول المشاركة، إذ تتجه بغداد إلى صيغة تقوم على التدريب والتسليح وتبادل الخبرات وفق اتفاقات منفصلة بدلاً من مظلة عسكرية جماعية.

 

وفي المقابل، يكتسب هذا الانتقال حساسية خاصة لأن التحالف تشكل عام 2014 بعد سيطرة داعش على مساحات واسعة من العراق، قبل أن تعلن بغداد استعادة الأراضي التي كان التنظيم يسيطر عليها أواخر 2017.

 

وبعد ذلك، استمر وجود قوات التحالف في أدوار استشارية وتدريبية وداعمة، ما جعل إنهاء المهمة الحالية تحولاً في شكل العلاقة الأمنية وليس قطيعة كاملة مع الولايات المتحدة أو بقية الشركاء الدوليين.

 

وفوق ذلك، ربطت الحكومة العراقية موعد الانسحاب باستعادة إدارة الملف الأمني بصورة مستقلة، فيما شددت بيانات رسمية خلال الأسابيع الماضية على أن نهاية سبتمبر تمثل الحد الزمني النهائي لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف.

 

وبالتوازي، دخل ملف الوجود التركي في بعشيقة مساراً منفصلاً، بعد اتفاق بغداد وأنقرة على تسليم منشأة بعشيقة زليكان تدريجياً للحكومة الاتحادية وفق آلية وجدول زمني مرتبطين بالتفاهمات الأمنية بين الجانبين.

 

ولذلك، تتعامل بغداد مع ملفين مختلفين في التوقيت والطبيعة، أحدهما يتعلق بانتهاء مهمة التحالف الدولي، والآخر يخص الوجود العسكري التركي في نينوى، بينما تجمعهما رغبة عراقية معلنة في توسيع السيطرة السيادية.

 

 

القوة الجوية تختبر الاستقلال الكامل

 

وفي الجانب الجوي، أعلن قائد القوة الجوية الفريق الطيار خالد التميمي أن قوات التحالف لم تنفذ واجبات داخل العراق منذ بداية 2026، مؤكداً أن جميع المهام الجوية العراقية تجري بصورة مستقلة.

 

كما أوضح التميمي أن طائرات إف 16 العراقية نفذت مهمات متواصلة لأكثر من عشرة أيام من دون تدخل أجنبي، وأن أعمال صيانة الأسطول باتت تنفذ بكوادر عراقية بنسبة مئة بالمئة.

 

ومن ناحية أخرى، قال قائد القوة الجوية إن طائرات مسيرة عراقية حلت محل منصات التحالف في مهام الاستطلاع، مع تنفيذ مسح جوي يومي لمختلف الأراضي والقطاعات التي تخضع للمتابعة الأمنية.

 

وفي السياق نفسه، أشار التميمي إلى أن القوة الجوية نفذت 58 ألفاً و822 واجباً خلال الحرب على داعش، وهو رقم تستخدمه المؤسسة العسكرية لإبراز حجم الخبرة العملياتية المتراكمة خلال سنوات المواجهة.

 

كذلك تحدث عن محاولات لتوسيع التصنيع المحلي للطائرات المسيرة وإنشاء قيادة متخصصة بهذا السلاح، في وقت أصبحت فيه المسيّرات جزءاً أساسياً من عمليات الاستطلاع والمراقبة والاستهداف في الحروب الحديثة.

 

وفي الوقت ذاته، تجري بغداد مفاوضات للحصول على طائرات مقاتلة متطورة من دول أخرى، بينها طائرات رافال الفرنسية، ضمن مساع لتوسيع مصادر التسليح وعدم حصر القدرات الجوية في منصة واحدة.

 

وعلاوة على ذلك، نفذ العراق تمريناً جوياً متقدماً بمشاركة فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة والأردن، في مؤشر على أن إنهاء الوجود العسكري لا يلغي التدريبات المشتركة أو قنوات التعاون الفني مع الجيوش الشريكة.

 

ومن ثم، تصبح قدرة العراق على تشغيل الطائرات وصيانتها وإدارة الاستطلاع الجوي محلياً معياراً عملياً لنجاح مرحلة ما بعد التحالف، بعيداً عن البيانات السياسية التي ترافق عادة ترتيبات الانسحاب وإعادة الانتشار.

 

وفي المقابل، يظل استمرار هذا الاستقلال مرهوناً بتوافر قطع الغيار والذخائر والتدريب المتخصص وأنظمة القيادة والسيطرة، لأن امتلاك الطائرة وحده لا يضمن استمرار الجاهزية القتالية على المدى الطويل.

 

 

ما بعد الانسحاب يختبر الدولة

 

وفي الملف الأمني، تؤكد بغداد أن خطر داعش أصبح محدوداً مقارنة بسنوات تمدده، بينما تستمر العمليات ضد الخلايا المتبقية في مناطق صحراوية وجبلية يصعب ضبطها بالانتشار التقليدي وحده.

 

كما تضع نهاية مهمة التحالف القوات العراقية أمام مسؤولية كاملة عن تعقب تلك الخلايا وحماية الحدود والمجال الجوي، ما يحول الأشهر التالية للانسحاب إلى اختبار مباشر لمستوى الجاهزية والاستخبارات والتنسيق الميداني.

 

ومن جانب آخر، تحاول الحكومة تثبيت معادلة تقول إن التعاون الدولي سيستمر من دون وجود قتالي جماعي، عبر اتفاقات ثنائية تسمح بالتدريب والتسليح والاستشارات من دون بقاء التحالف بصيغته السابقة.

 

وفي الوقت نفسه، يفتح انتهاء المهمة باباً سياسياً داخلياً أمام ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة، بعدما ربطت تصريحات رسمية بين خروج القوات الأجنبية وانتفاء المبررات المستخدمة لاستمرار تشكيلات مسلحة خارج الأطر الرسمية.

 

وبذلك، لا تتوقف أهمية 30 سبتمبر عند مغادرة قوات أو إخلاء مواقع، بل تمتد إلى اختبار قدرة بغداد على تحويل الانسحاب إلى إعادة ترتيب أوسع لمنظومة الأمن والسلاح والعلاقات العسكرية الخارجية.

 

وفي المقابل، ستظل الحدود العراقية السورية ومناطق النشاط المتقطع لداعش عاملاً ضاغطاً على المؤسسات الأمنية، خصوصاً أن التنظيم يعتمد على خلايا صغيرة وحركة مرنة بدلاً من السيطرة الواسعة على المدن والأراضي.

 

ولهذا، تبدو الشراكات الثنائية المقبلة جزءاً من محاولة الجمع بين الاستقلال العسكري والحاجة إلى التكنولوجيا والتدريب، بحيث لا تتحول نهاية التحالف إلى فراغ في المعلومات أو الصيانة أو تطوير القدرات.

 

كما يكتسب تسلم موقع مطار بغداد دلالة تتجاوز الجانب البروتوكولي، لأنه ينقل منشأة ارتبطت لسنوات بالحضور الأمريكي إلى الإدارة العراقية الكاملة قبل أيام قليلة من انتهاء الجدول العسكري المتفق عليه.

 

وأخيراً، يدخل العراق بعد 30 سبتمبر مرحلة سيقاس نجاحها بقدرته على منع عودة داعش وحماية أجوائه وحدوده وإدارة علاقاته الدفاعية من موقع الدولة صاحبة القرار، لا بمجرد إعلان انتهاء مهمة التحالف.