تضع ظاهرة الجمع بين المواقع الحكومية وعضويات مجالس إدارات الهيئات والشركات والصناديق سؤالًا ثقيلًا حول من يملك القرار ومن يحصل على مقابله، خصوصًا حين تتكرر الأسماء بينما تبقى الصورة الكاملة للمكافآت والبدلات بعيدة عن الجمهور.
وتدفع الأرقام المتاحة الملف من خانة المصادفات الوظيفية إلى مساحة أوسع تتعلق بالحوكمة وتضارب المصالح وعدالة توزيع الفرص، فالمشكلة ليست في عضوية واحدة، بل في شبكة متشابكة يصعب على الجمهور تتبعها أو حساب عوائدها.
تداخل المناصب يضغط قواعد الحوكمة
وفي قلب هذه الشبكة، يظهر رامي أبو النجا، نائب محافظ البنك المركزي، ضمن مجالس جهات مصرفية وحكومية واستثمارية متعددة، بينها البريد والسلع التموينية وصندوق التنمية الحضرية وسي آي كابيتال، إلى جانب مواقع أخرى مذكورة في البيانات المتاحة.
كما يظهر طارق الخولي، نائب محافظ البنك المركزي، في مجالس الكهرباء والرقابة المالية والإسكان الاجتماعي، إلى جانب تمثيلات مؤسسية أخرى، بما يجعل حدود الفصل بين الوظيفة التنظيمية والوجود داخل كيانات متعددة سؤالًا لا يمكن تجاوزه بسهولة.
وبالمثل، تمتد الدائرة إلى قيادات مصرفية بارزة، إذ تورد البيانات عضويات لمحمد الأتربي في جهات استثمارية ومصرفية وشركات عامة ومؤسسات ثقافية، بينما تتكرر الصورة مع هشام عكاشة وغيرهما من قيادات القطاع المصرفي.
وفوق ذلك، يتسع التداخل عندما يجمع مسؤولون بين مواقع حكومية وعضويات في شركات خاصة أو مقيدة بالبورصة، وهو ما يرفع حساسية الملف لأن القرار العام قد يلتقي عند النقطة نفسها مع مصالح شركات وأسواق خاضعة للتنظيم.
وفي هذا السياق، وصف الخبير الاقتصادي زياد بهاء الدين ملف تعارض المصالح بأنه أوسع من قطاع البنوك وحده، وربطه بحوكمة الجهاز الحكومي، معتبرًا أن الفوضى تمتد إلى القوانين والممارسات والمعلومات المتاحة للجمهور.
ومن جهة أخرى، يضع القانون رقم 106 لسنة 2013 مسؤولية مباشرة على المسؤول الحكومي عند قيام تعارض للمصالح، ويلزمه بالإفصاح في حالات التعارض النسبي واتخاذ إجراءات تحول دون الإضرار بالمصلحة العامة.
كذلك تزداد المشكلة لأن بعض الهيئات لا تنشر تشكيل مجالسها بصورة واضحة، فتتحول محاولة رسم خريطة كاملة للعضويات إلى مهمة شاقة، ويظل الجمهور أمام أسماء تتكرر من دون قاعدة بيانات موحدة تسمح بالمقارنة والحساب.
ولهذا، تبدو القواعد المعلنة لعدد العضويات والإفصاح عنها جزءًا أساسيًا من الحوكمة، لأن معرفة من يجلس على الطاولة وبأي صفة وما المصالح المتقاطعة معه شرط سابق لأي مساءلة جادة.
المكافآت تتسع بعيدًا عن الأداء
وفي الجانب المالي، تنتقل المسألة من النفوذ إلى المقابل، إذ ترتبط عضويات مجالس الإدارات في شركات عديدة بمكافآت سنوية وبدلات حضور وانتقال وبدلات لجان، بينما لا تعلن جهات عامة كثيرة القيمة الفعلية لما يحصل عليه أعضاؤها.
كما توضح البيانات أن شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير خصصت 13.5 مليون جنيه مكافآت لمجلس الإدارة من أرباح 2025، بواقع مليون جنيه للعضو، مع بدل حضور 14.5 ألف جنيه للجلسة وبدل انتقال منفصل.
وفوق ذلك، تظهر عينة من ثلاثين شركة مقيدة تفاوتًا ضخمًا في المكافآت، إذ وصل نصيب العضو في بعض الشركات إلى ملايين الجنيهات سنويًا، مع أرقام أعلى في شركات محددة مقارنة ببقية العينة الواردة.
وفي حالات أخرى، يقفز بدل الجلسة نفسها إلى مستويات لافتة، إذ تورد البيانات عشرة آلاف دولار للجلسة في بالم هيلز، وثلاثة آلاف دولار في القلعة للاستثمارات، إلى جانب عشرات الآلاف من الجنيهات في شركات أخرى.
ومن جهة أخرى، لا تتوقف المدفوعات عند الجلسات الأساسية، فهناك بدلات للجان وبدلات انتقال مرتبطة بها، بل إن بعض الشركات أقرت احتساب المشاركة الإلكترونية حضورًا فعليًا بما يسمح بصرف كامل البدلات المقررة.
وفي هذا الإطار، شدد الدكتور حسام عيسى، أستاذ القانون الدولي بجامعة عين شمس، على أن من يقبل موقعًا وزاريًا ينبغي أن يمتنع عن تقاضي أموال بخلاف راتبه، مستشهدًا برفضه بدلات الحضور أثناء عمله الحكومي.
وبالتالي، تصبح صلة المكافأة بالأداء اختبارًا أساسيًا، خصوصًا مع حالة الدلتا للسكر التي حققت خسائر قدرها 526 مليون جنيه، ثم قررت صرف مكافآت لأعضاء مجلس الإدارة بنصف قيمة ما حصلوا عليه في العام السابق.
وعند هذه النقطة، يصعب التعامل مع المكافآت كمسألة داخلية بحتة، لأن الشركات المرتبطة بأموال عامة أو مصالح واسعة يفترض أن تبرر قواعد الصرف، وأن توضح لماذا يحصل العضو على المقابل وكيف يرتبط بنتيجة قابلة للقياس.
غياب الإفصاح يحجب فاتورة العضويات
وفي المستوى الأوسع، لا تسمح البيانات الحالية بحساب إجمالي ما يتقاضاه المسؤول الواحد من كل عضوياته، لأن الإفصاح موزع بين شركات وهيئات وصناديق، وبعض الجهات لا ينشر أسماء الأعضاء أو تفاصيل المقابل المالي أصلًا.
كما أن هذا الفراغ يجعل المقارنة بين المسؤولين مستحيلة تقريبًا، فلا يعرف الجمهور من يجمع بين أكبر عدد من المجالس، ولا حجم ما يتقاضاه سنويًا، ولا ما إذا كانت هناك حدود ملزمة تمنع تراكم العضويات.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد المتفرغ بجامعة القاهرة، أن الشفافية والمساءلة شرط لإصلاح القرار الاقتصادي، وربط في تصريحات حديثة بين جودة السياسات ووجود رقابة حقيقية قادرة على مراجعة أداء السلطة التنفيذية.
ومن ناحية المعايير، تدعو قواعد الحوكمة الدولية للشركات المملوكة للدولة إلى إعلان مكافآت أعضاء المجالس، وأدوارهم في مجالس أخرى، وآليات الاختيار، بما يسمح للجمهور والمساهمين بتقييم الاستقلال وتعارض المصالح المحتمل.
وفوق ذلك، تشدد تلك المعايير على أن يكون اختيار أعضاء المجالس قائمًا على الكفاءة والشفافية، وأن تخضع المكافآت لسياسة واضحة مرتبطة بالمصلحة طويلة الأجل، لا أن تتحول العضوية إلى امتياز منفصل عن النتائج.
ولهذا، يصبح غياب قاعدة بيانات موحدة عن العضويات والمكافآت فجوة رقابية مباشرة، لأن المواطن لا يستطيع التمييز بين تمثيل مؤسسي ضروري وبين تراكم نفوذ وعوائد يحتاج إلى تفسير ومبررات معلنة.
وفي المحصلة، لا تحسم الأسماء وحدها وجود تضارب مصالح فعلي في كل حالة، لكنها تفرض عبئًا أعلى من الإفصاح والتبرير، لأن كثرة العضويات وتعدد العوائد من دون بيانات موحدة يتركان مساحة واسعة للأسئلة المشروعة.
وأخيرًا، يظل الاختبار بسيطًا وقاسيًا في آن واحد هل تستطيع الجهات العامة نشر قائمة كاملة ومحدثة بكل من يشغل عضويات مجالسها وما يتقاضاه وحدود الجمع بينها أم تظل شبكة المناصب أوسع من حق الجمهور في المعرفة.

