تتسارع التطورات العسكرية في اليمن مع انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر اتساعًا، بعدما أعلنت القوات الحكومية استهداف تعزيزات حوثية في تعز، بالتزامن مع حديثها عن عمليات مكثفة على عدة جبهات ومقتل أربعة خبراء إيرانيين.
وتفتح هذه التطورات جبهة سياسية موازية، بعدما أدانت إيران الغارات الجوية واعتبرتها انتهاكًا للسيادة اليمنية، بينما تتبادل القوات الحكومية والحوثيون روايات متعارضة بشأن طبيعة الأهداف وحصيلة الضحايا في تعز والجوف.
تعزيزات الحوبان تحت الرصد الجوي
وفي هذا السياق، قال العميد الركن عبده مجلي إن التعزيزات التي وصلت إلى معسكر مستحدث بمنطقة الحوبان شرق تعز جاءت من صعدة، بينما وصلت أسلحة ومعدات أخرى من مخابئ وملاجئ موجودة في صنعاء.
وبحسب مجلي، سبقت عملية الاستهداف مرحلة رصد استخباراتي لتحركات التعزيزات الحوثية، بما سمح بتتبع انتقال الآليات والعربات إلى المعسكر الجديد، وتحديد توقيت وصولها قبل تنفيذ الضربات الجوية على الموقع المستهدف.
ومن ثم، أوضح مجلي أن القوات الجوية استهدفت العربات والآليات والأطقم القتالية فور تجمعها داخل المعسكر، بعد وصول التعزيزات القادمة من صعدة وصنعاء، معتبرًا أن دقة التوقيت ارتبطت مباشرة بالمعلومات الاستخباراتية المتاحة.
وفي المقابل، لم تتضمن الرواية الواردة تفاصيل مستقلة عن حجم الخسائر البشرية داخل المعسكر، لكنها ركزت على تدمير الآليات والتجهيزات، وعلى أن الضربات جاءت بعد متابعة مسبقة لمسار التحركات الحوثية شرق تعز.
وعلى نطاق أوسع، أعلنت القوات المسلحة اليمنية الحكومية تنفيذ 756 عملية استهداف خلال 72 ساعة ضد مواقع وعناصر وقدرات عسكرية حوثية في جبهات كتاف والبقع وعلب والجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز.
كذلك، قالت القوات الحكومية إن العمليات استخدمت وسائل قتالية متعددة، شملت القوات الجوية والطيران المسيّر والقناصة ومدفعية الميدان والراجمات، واستهدفت تحركات ومواقع ومنصات ومخازن مرتبطة بالقدرات العسكرية التابعة للحوثيين في عدة جبهات.
وفي امتداد هذه الحملة، قالت القوات الحكومية إن الضربات لم تقتصر على معسكر الحوبان، بل توزعت على ثماني جبهات، بما يعكس اتساع نطاق العمليات المعلنة خلال الأيام الثلاثة الأخيرة.
وفوق ذلك، أعلنت القوات الحكومية مقتل أربعة خبراء إيرانيين في تعز، وقالت إنهم متخصصون في تشغيل وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ، وقدمت الواقعة باعتبارها دليلًا إضافيًا على استمرار الدعم والخبرات الإيرانية المقدمة للحوثيين.
روايات متعارضة حول ضربات تعز
وفي المقابل، أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع وقوع غارات جوية خلال الساعات الأخيرة، وقال إن الضربات أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والمصابين في مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة.
وبحسب الرواية الحوثية، أصابت غارات سوقًا في تعز وأسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا، بينما أظهرت روايات منشورة من جهات تابعة للجماعة اختلافًا في تفاصيل الحصيلة بين القتلى والمصابين.
وفي الوقت نفسه، أدانت وزارة الخارجية الإيرانية الغارات التي قالت إنها استهدفت البنية التحتية والأهداف المدنية، واعتبرت استمرار العمليات العسكرية والحصار الاقتصادي انتهاكًا للسيادة اليمنية ووحدة الأراضي ومخالفة لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
كما أدانت الخارجية الإيرانية بصورة خاصة الغارات على سوق تعز، وتحدثت عن مقتل أكثر من خمسين شخصًا وإصابة العشرات، إلى جانب إدانتها غارات أخرى قالت إنها استهدفت خب والشعف.
ومن ناحية أخرى، أعادت طهران التأكيد على موقفها الداعي إلى تسوية سياسية للأزمة اليمنية، وأعلنت استعدادها للمشاركة في مساعٍ دبلوماسية تستند إلى خارطة الطريق المتفق عليها لإنهاء القتال ومعالجة القضايا العالقة.
لكن في الجهة المقابلة، تستند القوات الحكومية إلى رواية مغايرة تمامًا، إذ تؤكد أنها تستهدف مواقع وقدرات عسكرية حوثية، وتتهم الجماعة باستخدام رواية الضحايا المدنيين لتغطية خسائرها ومواقعها العسكرية المستهدفة.
وبهذا الاتساع، تزامنت الضربات الجوية مع استخدام الطيران المسيّر والمدفعية والراجمات والقناصة، وهو ما يجعل التصعيد الحالي متعدد الأدوات والساحات وفق البيانات الصادرة عن القوات الحكومية نفسها.
الحرب تتسع والروايات تتصادم
وفي ظل هذا التباين، تتحول تعز إلى نقطة مركزية في التصعيد الحالي، فهي تجمع بين معسكرات وتحركات عسكرية معلنة، وضربات جوية مكثفة، واتهامات بسقوط مدنيين، فضلًا عن دخول إيران سياسيًا عبر بيان إدانة مباشر.
وبالتوازي، يبرز الإعلان عن مقتل أربعة خبراء إيرانيين كأحد أكثر عناصر الرواية الحكومية حساسية، لأنه يربط التصعيد العسكري مباشرة بملف الدعم الإيراني الذي تضعه القوات الحكومية في تفسيرها لقدرات الحوثيين.
ومع ذلك، لم يتضمن البيان الإيراني إقرارًا بوجود هؤلاء الخبراء أو تعليقًا مباشرًا على إعلان مقتلهم، وركز بدلًا من ذلك على الغارات الجوية والخسائر المدنية والسيادة اليمنية والدعوة إلى العودة لمسار التسوية السياسية.
وعلى الجانب العسكري، تشير رواية مجلي إلى أن المعركة لم تعد مرتبطة فقط بخطوط التماس التقليدية، بل أصبحت المعلومات الاستخباراتية ومسارات الإمداد وتوقيت وصول التعزيزات عناصر أساسية في إدارة الضربات ضد المعسكرات المستحدثة.
وفي المقابل، تستخدم جماعة الحوثيين أرقام الغارات والخسائر المدنية لإبراز كلفة الضربات الجوية، بينما تستخدم القوات الحكومية أرقام العمليات وحجم الأهداف المستهدفة لإظهار اتساع حملتها العسكرية وقدرتها على ضرب الإمدادات والتحركات.
ولهذا، يبقى التحقق المستقل من الخسائر البشرية وطبيعة الأهداف عاملًا حاسمًا لفهم المشهد، خصوصًا مع صدور أرقام متباينة من أطراف القتال، واستخدام كل طرف للأحداث ضمن روايته العسكرية والسياسية.
وفي المحصلة، يضع التصعيد الأخير اليمن أمام مرحلة شديدة التوتر، تتزامن فيها الضربات الجوية الواسعة مع تحركات برية وإمدادات عسكرية ومواقف إقليمية متقابلة، بينما تتزايد المخاوف من ارتفاع الكلفة الإنسانية مع استمرار المواجهات.
وأخيرًا، تبدو تعز في قلب هذا المشهد المعقد، بين معسكرات مستحدثة تقول القوات الحكومية إنها استهدفتها بعد رصد استخباراتي، وسوق تقول إيران والحوثيون إنه تعرض للقصف، وبين الروايتين تستمر الحرب دون مؤشرات معلنة على تهدئة قريبة.

