سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس

 

لم تعد أخبار غزّة تتصدر الشاشات منذ توقف الحرب المعلنة، رغم أن القصف والحصار لم يتوقفا يومًا واحدًا. غير أن التشكيلة السياسية التي أرادتها القوى الكبرى للهيمنة على القطاع، كما تتجسّد في مجلس السلام بدأت تدريجيًا في التحوّل إلى خصم لحق البقاء الذي عاش الفلسطينيون يناضلون من أجله منذ احتلال 1948.

 

لم يدرك الاحتلال وأنصاره أن خط المقاومة ليس مجرّد خيار يمكن التخلي عنه، وإنما هو المكافئ الموضوعي للاحتلال، وهو السبب في استمراره، طالما بقي الاحتلال الاستيطاني في التوسّع وممارسة القتل والتدمير ستظل المقاومة متواصلة بأساليب شتّى لا يمكن حصرها.

 

رغم مرور ما يزيد عن نصف السنة منذ إعلان ترامب عن تشكيل مجلس السلام، إلا أن حصيلة أعماله تقارب الصفر، لأنه على الرغم من تصريحات دونالد ترامب الرنانة، لا يزال السلام بعيد المنال في غزّة. منذ إعلان الهدنة في أكتوبر 2025، استشهد مئات الفلسطينيين في غارات أو قصف إسرائيلي. ولم يُبدِ جيش الاحتلال أي مؤشّر ملموس على الانسحاب من "الخط الأصفر"، بينما استعادت فصائل المقاومة السيطرة على المناطق التي جرى إخلاؤها. في المقابل، أعضاء المجلس، سواء وعدوا بتقديم أموال لإعادة إعمار غزّة، أو أرسلوا قوات ضمن قوة استقرار دولية، أو قدّموا تدريبًا لهذه القوات، فهموا تمامًا المطلوب منهم لإرضاء الكاوبوي الأميركي: الوجود، وتقديم الوعود، والإشادة ببطولات الرئيس الأميركي المفترضة. أما إذا كان هذا يحسّن بالفعل الظروف المعيشية للفلسطينيين في غزّة، أو يسرّع من خطوات إعادة الإعمار، أو يمنع ممارسات الكيان الصهيوني التي قد تكسر وقف إطلاق النار، أو يبطئ من سياستها في العزلة الإقليمية، فهو أمر قليل الأهمية.

 

عودة الاغتيالات والقصف والاستهدافات قرب المناطق الصفراء، فضلا عن استهداف النازحين والخيام، ممارسات تعيد القطاع إلى أجواء التصعيد التي سبقت التطورات أخيرًا. واستمرار الرفض الصهيوني إعادة الإعمار وإنهاء التضييق الذي يفرضه الجيش على القطاع قد يدفع، إلى خيار أكثر صعوبة، يتمثل في اعتبار التفاهمات منتهية عمليا إذا استمرّ الكيان في التنصل منها، خصوصًا أن الفصائل الفلسطينية ترى أنها قدّمت أقصى ما يمكن تقديمه في المفاوضات السابقة.

 

فعالية مجلس السلام يجب أن تُقاس بقدرته، إلى جانب قوة الاستقرار الدولية واللجنة الوطنية لإدارة غزّة، وهي لجنة تكنوقراطية انبثقت من خطة إدارة دونالد ترامب، على توفير الحماية الفورية للسكان المدنيين. وعلى المدى الطويل، توجيه غزّة نحو إنهاء الوجود الصهيوني غير الشرعي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ووفقًا لهذه المعايير الأساسية، فإن مجلس السلام فاشل على الأقل طوال الفترة الماضية فيما لا يبشر مستقبله بإنجازات مهمة.

 

مرّة أخرى، يفشل التدخل الدولي في طرح الحل المناسب للقضية الفلسطينية رغم وضوح أسباب المشكلة الكامنة في الاحتلال وطبيعته العدوانية التي تدفعه الى ممارسة أقصى أشكال العنف والإرهاب، ضد شعب يحاول إثبات حقه في الحياة. وفكرة مجلس السلام التي طرحتها إدارة الرئيس الأميركي لا تخرج عن السياق العام للمبادرات الأممية لمقاربة القضية الفلسطينية، والتي تكتفي بمعالجة الأعراض، وليس حل جوهر القضية. ومع استمرار التعنت الصهيوني الرافض أدنى التنازلات تصبح الحلول الترقيعية لمجلس السلام في غزّة جزءًا من المشكلة التي تهدّد المنطقة برمتها، ويقوم بترحيل التناقض الأساسي بين الاحتلال والشعب المُضطهد (الذي أفرز "7 أكتوبر") إلى المستقبل، حتى وإن كانت الغاية المعلنة "تحسين حياة الفلسطينيين في غزّة بشكل جذري ومستدام؛ وتوفير الأمن الدائم للإسرائيليين؛ والانتقال من صراع زعزع استقرار المنطقة إلى بيئة توفر السلام والازدهار والفرص الاقتصادية للشرق الأوسط بأكمله"، كما أكد الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، إلا أن الشعارات وحدها لا تصنع الوقائع ويبدو أن مجلس السلام لم يخرج عن دائرة الوعود الجوفاء لمؤسّسه، وهو ما تثبته ظروف الحياة التي تزداد قسوة في قطاع غزّة.