منير شفيق

مفكر عربي إسلامي وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

قبل التعليق على أهم محتويات خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الاجتماع العالمي لرؤساء دول العالم، لا بد من ملاحظة البرودة التي قوبل بها الخطاب، وذلك حين لم يحظ على تصفيق القاعة، في أي من فقراته.

 

إن أغلب دول العالم واجهت، وتواجه من ترامب إرهابًا ماليًا، أو سياسيًا، أو تنمرًا، وبعضها واجه عدوانًا مباشرًا، كما حصل مع فنزويلا، أو ما يُعدّ له من عدوان مثل كوبا. ومن ثم يأتي هذا البرود، أو عدم التجاوب مع خطاب ترامب، ليحمل دلالة على أنه يعاني من عزلة دولية "صامتة".

 

هذه العزلة، عبّرت عن نفسها، في مواجهة خطابه بالبرود، وقد اكتفت بالتصفيق الذي لا بدّ منه بعد ختام كلمته، والكل تحت الصورة. وبهذا ينضم ترامب إلى نتنياهو في العزلة الدولية.

 

البعض يقلّل من أهمية أن يُصاب زعيم دولة، حتى لو كانت بقوّة الولايات المتحدة الأمريكية، بالعزلة، أو بانتشار رأي عام ناقد لها، أو مستهزئ بها. فهذا التقدير يخطئ كثيرًا، حين يقلل من أهمية تدهور سمعة دولة عالميًا، أو حين تُنبذ من قِبَل الرأي العام. أما الدليل، فيكفي أن يُلاحظ ما تضعه الدول من ميزانيات إعلامية كبيرة، لتبييض صورتها، وإبراز موقع رئيسها، ودوره، واتسّاع التأييد له، والإعجاب به.

 

من هنا فإن متابعة هذا البُعد، بالنسبة إلى كل من ترامب ونتنياهو، يشكل أهمية خاصة، في تقدير الموقف، واحتساب موازين القوى. فسمعة نتنياهو، التي تدهورت إلى الدرك الأسفل، بسبب حرب غزة وما ارتكب من جرائم إبادة، ثم ما سبّبه ذلك من تدهور في سمعة الكيان الصهيوني، ولنفوذ اللوبيات الصهيونية، عالميًا، بل وفي بلدان العالم ولا سيما في أمريكا وأوروبا، يشكل كارثة مدمّرة، لا نجاة بعدها، وهو ما سيظهر في المستقبل القريب والمتوسط، قياسًا لما نشهده الآن، أو نشهد ترسّخه يومًا بعد يوم.

 

أما ما راح يُحدثه ترامب، من أبعاد سلبية على سمعة أمريكا، داخليًا أولًا وعالميًا ثانيًا، فسوف يسهم في تدهور سيطرتها العالمية، التي وصلت لتكون قيادة أحادية، أو شبه ذلك، ولكنها الآن أخذت بالتخبط والارتباك خاصة في الحرب العدوانية التي شنتها وتشنها ضدّ إيران..

 

وعَودٌ إلى قراءة خطب رؤساء الدول في الاجتماع الدولي العتيد؛ يلحظ تعالي الأصوات التي أبرزت المظلومية الفلسطينية، والتعاطف مع ما تتعرض له غزة والضفة الغربية، من جرائم وحشية يرتكبها الجيش الصهيوني، بأوامر من نتنياهو، وتواطؤ من جانب ترامب ومساعديه، بمن فيهم ميلادينوف، ممثل مجلس السلام العالمي الذي يترأسّه ترامب، وقد عقد اجتماعًا في نيويورك للتخفيف من مزاعم ترامب، حين ادعى تحقيقه لوقف إطلاق النار في حرب غزة.

 

أما من جهة أخرى، فقد جاءت كلمة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، قويّة على المستويين السياسي والمبدئي، مقابل الحرب العدوانية التي تواجهها إيران، وما قدمه ترامب من دفاع هزيل لتسويقها. ولكن الأهم ما تضمنته كلمة الرئيس الإيراني من نديّة عسكرية وسياسية في الحرب، وتصميم لا يتزعزع بالصمود، واستحالة الخضوع، الأمر الذي يدمّر كل الدعايات الأمريكية، ومن يردّدونها، بأن محاصرة الموانئ وفرض العقوبات القصوى ستهز الوحدة الداخلية الإيرانية، أو تهز إرادة الصمود، أو تضعف إرادة إفشال الضغوط العسكرية والاقتصادية، أو تحول دون الخروج من هذه الحرب بتراجع أمريكي، كما عبّر عن ذلك اتفاق التفاهم "اتفاق جنيف".