اعتقلت الشرطة الأمريكية الممثلة سوزان ساراندون خلال احتجاج في نيويورك ضد الحرب على غزة، شارك فيه نحو مئتي شخص تزامنًا مع زيارة بنيامين نتنياهو للأمم المتحدة، في مشهد تجاوز الحضور الفني ليطرح أسئلة عن حرية الاحتجاج.
وجاء توقيف ساراندون، الحائزة جائزة الأوسكار، ضمن حملة اعتقالات طالت نحو مئة متظاهر، بينهم الممثلة هانا أينبيندر وشخصيات سياسية محلية، بعدما أغلق محتجون شارعًا ورفض بعضهم مغادرة الطريق، ليُنقلوا لاحقًا إلى الحافلات قبل الإفراج عنهم.
🔴 Detienen a la actriz Susan Sarandon durante una protesta en Nueva York para exigir el fin del suministro de armas a Israel https://t.co/iphLKPAqH3 https://t.co/ryFePuizdY
— Cadena SER (@La_SER) September 24, 2026
اعتقال عند أبواب الأمم المتحدة
وفي محيط مقر الأمم المتحدة بمانهاتن، احتشد المتظاهرون للتنديد بالحرب الإسرائيلية على غزة وبزيارة نتنياهو، رافعين شعارات تدعو إلى وقف الحرب وتقديم الدعم للناس بدلًا من تمويل القنابل، ومرددين هتافات تطالب بتحرير فلسطين.
ونظمت التظاهرة مجموعة «الصوت اليهودي من أجل السلام»، وسط إجراءات أمنية مشددة وانتشار للشرطة في شوارع المنطقة، بينما تزامنت مع خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة، في وقت شهدت فيه القاعة انسحاب وفود احتجاجًا على سياسات حكومته.
وبحسب مقاطع متداولة، ظهرت ساراندون بين المحتجين الذين أحاطت بهم الشرطة، قبل أن تقتادهم من المكان. ولم يكن حضورها عابرًا؛ فهي من أبرز الفنانين الأمريكيين الذين أعلنوا دعمهم لحقوق الفلسطينيين ووقف العمليات العسكرية في غزة.
كما شارك في التحرك فنانون وناشطون وشخصيات سياسية، من بينهم هانا أينبيندر وإليوت بيج وتشيلسي مانينغ، ما منح الاحتجاج حضورًا عامًا تجاوز الاعتراض على الزيارة إلى مساءلة الدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل.
وعلى الرغم من أن السلطات نسبت الاعتقالات إلى إغلاق الشوارع وعدم الامتثال لأوامر الشرطة، فإن مشهد توقيف محتجين سلميين أعاد النقاش حول حدود التعامل الأمني مع المظاهرات السياسية، خصوصًا حين تتناول حربًا تحظى بتغطية ومتابعة دولية واسعة.
وبينما أُفرج عن المقبوض عليهم لاحقًا، لم ينه ذلك دلالة الواقعة؛ فالاعتقال نفسه حمل رسالة ردع محتملة إلى المشاركين، وأثار مخاوف بشأن كلفة التعبير العلني حين يصطدم بمواقف سياسية تحظى بحماية مؤسسات نافذة.
كذلك لم تكن المظاهرة حدثًا منفصلًا عن موجة أوسع شهدتها مدن أمريكية، إذ تتواصل التحركات المطالبة بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الدمار والضحايا، بالتوازي مع اعتراض متزايد على استخدام أموال دافعي الضرائب لدعم إسرائيل.
شهرة لا تحمي من الكلفة
ومنذ اندلاع الحرب، واجهت ساراندون تبعات مهنية بسبب مواقفها المؤيدة للفلسطينيين، وقالت مؤخرًا إنها خسرت أدوارًا سينمائية بعدما حذرت جهات في الصناعة من التعاقد معها، في اعتراف يسلط الضوء على نفوذ السياسة داخل سوق الترفيه.
وكانت الممثلة قد خسرت وكالتها الفنية بعد تصريحات ألقتها في فعالية مؤيدة لفلسطين عام 2023، ثم قالت إنها لا تزال تتعرض للاستبعاد من بعض الأعمال، رغم استمرارها في الدفاع عن وقف إطلاق النار وحقوق الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، يكتسب اعتقالها دلالة تتجاوز صورتها كنجمة سينمائية؛ إذ يبرز التناقض بين المكانة التي تمنحها الشهرة، والقيود التي قد تواجهها الشخصيات العامة عندما تستخدم منصاتها لمعارضة سياسات تحظى بدعم رسمي واسع.
كما تُظهر الواقعة أن خسارة الفرص المهنية لم توقف ساراندون عن الظهور في الاحتجاجات، ولا عن إعلان موقفها من غزة. ويبدو أن حضورها العلني يضعها أمام كلفة متراكمة، تشمل التهميش المهني والتوقيف في الشارع.
ومن جهة أخرى، لا تقتصر هذه الضغوط على ساراندون وحدها؛ ففنانين وطلابًا وناشطين واجهوا تداعيات مهنية أو تأديبية بسبب مشاركتهم في تحركات مؤيدة للفلسطينيين، ما وسّع النقاش حول من يملك حق تحديد حدود الخطاب المقبول.
لكن شهرة الممثلة جعلت الواقعة أكثر وضوحًا للرأي العام، إذ انتقلت صور توقيفها سريعًا إلى منصات التواصل، ودفعت جمهورًا واسعًا لمتابعة ما يجري في الشارع الأمريكي، حيث لا تضمن النجومية حصانة من الاعتقال أو خسارة العمل.
لذلك تحولت ساراندون إلى وجه بارز في مشهد أوسع، لا لأنها الوحيدة التي احتجت، بل لأن اسمها كشف حجم المخاطر التي يتحملها الفنانون حين يربطون حضورهم العام بموقف سياسي وإنساني مثير للجدل.
غزة في قلب النقاش الأمريكي
وفي قلب الجدل، تتصدر حرية التعبير سؤالًا أساسيًا: هل تكفي مخالفة تنظيمات المرور لتبرير اعتقال جماعي في احتجاج سياسي؟ تثير الواقعة هذا السؤال، من دون أن تلغي حق السلطات في تنظيم الشوارع وحماية المرافق العامة.
إلا أن المعيار لا ينبغي أن يتوقف عند الإجراء الأمني وحده، بل يمتد إلى تناسبه وشفافيته، وإلى قدرة المحتجين على الاعتراض دون أن يتحول توقيفهم إلى وسيلة لتخويف الآخرين أو إبعادهم عن المجال العام.
ومع استمرار الحرب، تتزايد أهمية هذه الأسئلة في الولايات المتحدة، حيث يطالب المحتجون بوقف العمليات العسكرية وإنهاء الدعم الذي يرونه مساهمة مباشرة في استمرار معاناة المدنيين، بينما تواصل الحكومة دعم إسرائيل عسكريًا وسياسيًا.
كما يربط كثير من المتظاهرين بين أموال الضرائب الأمريكية وما يجري في غزة، معتبرين أن الصمت أو الاكتفاء بالتعبير عن القلق لا يبدل واقعًا يستمر فيه القصف والتهجير وتدمير مقومات الحياة.
ومن هنا، لم يختزل المحتجون رسالتهم في رفض زيارة نتنياهو، بل اعترضوا على استخدام منصة دولية لتبرير الحرب، وعلى ما يرونه ازدواجية في التعامل مع القانون وحقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين.
وفي المقابل، أدى توقيف المشاركين إلى نقل النقاش من شعارات المظاهرة إلى طريقة تعامل الشرطة معها، وإلى ما إذا كانت القيود المفروضة على الاحتجاج تطبق بالتساوي، أم تتشدد حين تصبح الرسالة السياسية محرجة للسلطات.
وتعيد مشاركة ساراندون تسليط الضوء على دور الفنانين في الاحتجاج العام؛ فشهرتهم تمنح القضايا مساحة أوسع، لكنها قد تجعلهم أيضًا أهدافًا لضغوط مهنية وقانونية، في وقت يطالب فيه متابعون بمحاسبة من يواصلون الحرب.
وهكذا يتجاوز اعتقالها واقعة عابرة في شوارع نيويورك، ليصبح جزءًا من مواجهة أوسع حول غزة وحرية التضامن معها، وحول الثمن الذي يدفعه أصحاب الأصوات المعروفة حين يرفضون التزام الصمت أمام حرب تطال المدنيين.

