أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استعداد طهران للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي ومسار الحرب، لكنه شدد في الوقت نفسه على رفض بلاده التفاوض تحت الضغوط العسكرية أو العقوبات، مؤكداً أن إيران لن تستسلم.
وتأتي تصريحات بزشكيان في وقت تتقاطع فيه ثلاثة مسارات متوازية؛ محاولات دبلوماسية لإنهاء الحرب، وضغوط سياسية داخل الولايات المتحدة على الرئيس دونالد ترامب، وتحذيرات إيرانية من توسيع نطاق المواجهة إذا استؤنفت الهجمات.
وفي مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، قال بزشكيان إن بلاده مستعدة للتوصل إلى اتفاق إذا كان قائماً على القانون الدولي، مؤكداً أن إيران لم تبدأ الحرب، وإنما ترى أنها تخوض مواجهة دفاعية. وأضاف أن طهران سترد بقوة إذا قررت واشنطن مواصلة القتال، في حين رفض أن تؤدي العقوبات والضغوط الاقتصادية إلى إجبار بلاده على تقديم تنازلات خارج إطار التفاوض.
وتزامنت تصريحاته مع رفض مجلس الشيوخ الأميركي قراراً يهدف إلى تقييد قدرة ترامب على مواصلة استخدام القوات الأميركية في الحرب على إيران، بينما حذر مستشار المرشد الأعلى الإيراني من احتمال امتداد المواجهة إلى المحيط الهندي.
طهران تعرض خفض التخصيب
فتح بزشكيان الباب أمام تنازل إيراني واضح في الملف النووي، مؤكداً استعداد بلاده لخفض مستوى تخصيب اليورانيوم البالغ 60% بصورة كبيرة، في إطار أي اتفاق مع الولايات المتحدة.
وقال إن طهران سبق أن دخلت في مفاوضات وكانت مستعدة لخفض مستوى التخصيب، لكنه اتهم الإدارة الأميركية بخرق الاتفاق السابق واللجوء إلى الهجمات بدلاً من مواصلة الحوار.
وبحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام إيرانية، فإن الرئيس الإيراني أكد أيضاً استعداد حكومته للالتزام بتعهداتها بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي، والانفتاح على عمليات تفتيش للمنشآت النووية.
وفي المقابل، نفى بزشكيان بشكل قاطع سعي إيران إلى امتلاك سلاح نووي، قائلاً إن طهران لو أرادت إنتاج قنبلة نووية لفعلت ذلك، مستشهداً بموقف المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الذي سبق أن أعلن تحريم أسلحة الدمار الشامل.
العقوبات لم تدفع إيران للاستسلام
ورغم اعترافه بوجود مشكلات اقتصادية صعبة، رفض بزشكيان اعتبار الضغوط الاقتصادية وسيلة قادرة على إجبار طهران على الاستسلام.
وقال إن العقوبات الأميركية أوجدت أوضاعاً اقتصادية غير مسبوقة، لكن إيران مستعدة لتحمل تداعياتها، مؤكداً أن بلاده ستواصل المقاومة حتى النهاية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً متزايدة على قطاعات النقل والطاقة والتجارة، في ظل استمرار العقوبات الأميركية والإجراءات التي تستهدف قدرتها على التصدير والاستيراد. وتفيد تقارير حديثة بأن الضغوط امتدت أيضاً إلى قطاع الطيران الإيراني، مع تزايد القيود على شركات الطيران والخدمات المقدمة للطائرات الإيرانية في الخارج.
وفي المقابل، ترى طهران أن استمرار العقوبات والهجمات العسكرية لا يوفر أرضية مناسبة لمفاوضات مباشرة، إذ يشدد المسؤولون الإيرانيون على ضرورة وقف الهجمات ورفع العقوبات قبل الانتقال إلى اتفاق أكثر شمولاً.
بزشكيان ينتقد خيار الحرب
ركز الرئيس الإيراني في حديثه على ما وصفه بتناقض الموقف الأميركي، قائلاً إن واشنطن لا يمكنها شن هجمات على إيران ثم مطالبتها بالعودة إلى طاولة التفاوض.
وأشار إلى أن الطرفين كانا قد توصلا إلى إطار زمني للمفاوضات يمتد 60 يوماً، وكان من الممكن انتظار انتهاء المدة لمعرفة ما إذا كان بالإمكان الوصول إلى اتفاق نهائي، لكنه اتهم الولايات المتحدة بخرق التفاهم وشن الهجمات بعد فترة قصيرة من التوصل إليه.
ويعكس هذا الطرح محاولة من طهران لإعادة تقديم الملف باعتباره أزمة تفاوضية يمكن حلها سياسياً، بدلاً من حصره في المسار العسكري. وفي الوقت نفسه، يظل الموقف الإيراني مشروطاً برفض التفاوض أثناء الهجمات، وهو ما يضع مستقبل أي اتصالات مباشرة أمام عقبة استمرار العمليات العسكرية.
وتجري اتصالات بين مسؤولين إيرانيين وأميركيين في نيويورك بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط جهود دبلوماسية لإنهاء الحرب. وتقول طهران إنها نقلت شروطها للتوصل إلى اتفاق، ومن بينها رفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
الشيوخ يرفض تقييد ترامب
في واشنطن، رفض مجلس الشيوخ الأميركي الخميس مشروع قرار كان سيقيد استخدام القوات المسلحة الأميركية في العمليات العسكرية ضد إيران.
وجاء التصويت بنتيجة 50 عضواً مقابل 49، مع غياب عضو واحد، وانضم أربعة جمهوريين إلى الديمقراطيين في تأييد القرار، بينما صوّت السيناتور الديمقراطي جون فيترمان ضده.
وكان مجلس النواب قد أقر المشروع في يوليو، إلا أن رفضه في مجلس الشيوخ أبقى الرئيس ترامب بعيداً عن هذا القيد التشريعي، في وقت يستمر فيه الجدل داخل الكونغرس بشأن حدود الصلاحيات الرئاسية في إدارة العمليات العسكرية.
والإجراء الذي جرى التصويت عليه يندرج ضمن قرارات صلاحيات الحرب، التي تتيح لأعضاء الكونغرس محاولة إنهاء أو تقييد مشاركة القوات الأميركية في الأعمال العدائية في ظروف معينة.
ويأتي التصويت قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وسط نقاش سياسي بشأن الكلفة العسكرية والاقتصادية للحرب، وتأثير ارتفاع أسعار الطاقة والسلع على الإدارة الأميركية والحزبين.
تحذير إيراني من المحيط الهندي
في موازاة ذلك، رفع مسؤول إيراني سقف التحذيرات بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.
وقال يحيى رحيم صفوي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني، إن اتساع المواجهة قد يتجاوز الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر ليصل إلى المحيط الهندي أو أبعد منه إذا تعرضت إيران لهجمات جديدة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويكتسب ذكر المحيط الهندي أهمية خاصة بسبب وجود قاعدة دييغو غارسيا العسكرية الأميركية البريطانية في المنطقة، على مسافة بعيدة من السواحل الإيرانية.
ويأتي التحذير في وقت باتت فيه الممرات البحرية واحدة من أبرز نقاط التوتر المرتبطة بالحرب، خصوصاً مع استمرار المخاوف بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز وتأثير الصراع على صادرات النفط العالمية.
إيران تنفي توجيه الحوثيين
وفي ملف إقليمي آخر، حاول بزشكيان الفصل بين الحكومة الإيرانية وجماعة الحوثيين في اليمن، مؤكداً أن الجماعة مسؤولة عن قراراتها وأفعالها، ولا تتلقى توجيهات مباشرة من حكومة طهران.
وأوضح أن هناك تواصلاً مع الحوثيين، لكنه نفى وجود علاقة منظمة بالصيغة التي تجعل الحكومة الإيرانية صاحبة قرار مباشر في عمليات الجماعة.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية في ظل تصاعد التوتر في البحر الأحمر والخليج، والارتباط المتزايد بين جبهات الصراع المختلفة في المنطقة.
وتقول تقارير عن التطورات في اليمن إن الحوثيين استفادوا من الانقسامات داخل القوات المناهضة لهم، فيما أدى اتساع عملياتهم إلى زيادة المخاوف بشأن أمن طرق الملاحة وإمدادات الطاقة.
الصين تحت المجهر الأميركي
وفي خلفية المشهد، تصاعد الجدل الأميركي بشأن مستوى الدعم الصيني لإيران، بعدما قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إنها راجعت بيانات جمركية إيرانية تشير إلى وصول نحو 1300 شحنة من مكونات ذات استخدام مزدوج من الصين إلى إيران حتى نهاية يونيو.
وتقول الصحيفة إن بعض هذه المكونات يمكن استخدامه في تصنيع الطائرات المسيّرة وأنظمة توجيه الصواريخ، وإن شحنات أخرى تضمنت معدات تجاوزت قيمتها 6 ملايين دولار.
كما أشارت تقارير إلى زيادة الرحلات الجوية لنقل البضائع بين الصين وإيران، بالتزامن مع القيود المفروضة على طرق النقل البحري. وتقول بكين من جانبها إنها تلتزم بالقوانين الدولية وترفض الاتهامات التي تربطها مباشرة بالحرب أو باستخدام مكونات صينية في هجمات إيرانية.
ويضع هذا الملف زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن أمام اختبار إضافي، إذ تتزامن الزيارة مع استمرار الخلاف بين واشنطن وبكين بشأن إيران، بينما يسعى ترامب إلى الحفاظ على قنوات التواصل مع القيادة الصينية.

