يواجه مئات الآلاف من النازحين في غزة شتاءً جديدًا داخل خيام لم تعد تحميهم من المطر والبرد، بعدما أظهرت بيانات ميدانية تهالك 162 ألف خيمة من أصل 270 ألفًا في القطاع.
ويتزامن هذا الخطر مع اقتحامات إسرائيلية متواصلة في قلقيلية وبلدة عزون بالضفة الغربية، احتُجز خلالها أكثر من 150 فلسطينيًا في عزون، بينما أصيب طفل وشخص آخر بالرصاص في قلقيلية.
خيام غزة أمام شتاء قاس
وقال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة إن أكثر من 60 بالمئة من خيام النازحين أصبحت مهترئة وتحتاج إلى استبدال فوري، وفق نتائج حصر ميداني شمل مخيمات النزوح.
وأوضح أن 162 ألف خيمة خرجت عن الخدمة من بين 270 ألف خيمة تؤوي عائلات نازحة في محافظات القطاع، ما يضع أزمة الإيواء أمام اختبار أشد مع اقتراب الشتاء.
وبذلك، لم تعد آلاف الأسر تملك غطاءً يوفر الحد الأدنى من الحماية أمام الرياح والأمطار، فيما يواجه الأطفال والنساء والمرضى مخاطر مضاعفة داخل أماكن إيواء فقدت قدرتها على الصمود.
وحذّر الثوابتة من شتاء وصفه بأنه سيكون كارثيًا إذا استمرت أزمة الإيواء، ودعا المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والمؤسسات الإنسانية إلى إدخال خيام جديدة ومواد إغاثة شتوية بصورة عاجلة.
وأعادت أمطار الخريف الأولى إلى النازحين مشاهد غرق الخيام، بعدما أظهرت هشاشة الملاجئ المؤقتة في قطاع دمرت فيه الحرب منازل ومنشآت وبنية أساسية كانت توفر للعائلات بدائل للإيواء.
وكانت وزارة التنمية الاجتماعية قد قالت في 13 أغسطس الماضي إن أكثر من 90 بالمئة من الفلسطينيين في القطاع يعيشون داخل خيام مهترئة ومراكز إيواء أو بين أنقاض منازلهم المدمرة.
وفي 20 يناير 2026، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة إن العواصف والفيضانات أتلفت آلاف الخيام والملاجئ المؤقتة، وتركت عائلات وأطفالًا في ظروف باردة ورطبة وغير آمنة خلال الشتاء السابق.
ومع اقتراب موسم المطر، تتجاوز الحاجة استبدال الخيام وحده إلى توفير مستلزمات الشتاء للعائلات، بعدما أثبتت التجربة السابقة أن الملاجئ المؤقتة تتلف سريعًا أمام العواصف والفيضانات.
ولا تقف الأزمة عند تلف الأقمشة والأغطية؛ فمع اتساع الدمار إلى المساكن والخدمات الأساسية، تصبح الخيمة البالية آخر مكان متاح لعائلات فقدت بيوتها، قبل أن تواجه الأمطار مجددًا.
عزون تحت اقتحام واحتجاز جماعي
وفي الضفة الغربية، اقتحمت نحو 15 آلية عسكرية إسرائيلية بلدة عزون شرقي قلقيلية من مدخلها الشمالي، برفقة أكثر من 30 جنديًا، قبل أن تبدأ مداهمات للمنازل في مناطق مختلفة.
وبحسب مصادر محلية، احتجزت القوات أكثر من 150 فلسطينيًا خلال الاقتحام، وجمعت عددًا منهم داخل منزل حوّلته إلى ثكنة عسكرية، ثم أخضعتهم لتحقيق ميداني قبل الإفراج عنهم تدريجيًا.
وأضافت المصادر أن القوات اعتدت بالضرب المبرح على فلسطيني داخل منزله، وفتشت منازل أخرى، وأطلقت قنابل الصوت والغاز باتجاه بيوت السكان، بينما استمر الاقتحام حتى ساعات صباح الخميس.
ومن شأن تحويل منزل إلى موقع عسكري أثناء احتجاز سكان البلدة أن يضاعف شعور الأهالي بالخطر، خصوصًا مع امتداد المداهمات إلى الأحياء السكنية واستمرار التحقيقات الميدانية وسط انتشار الجنود.
وفي ظل هذا المشهد، لا تنتهي آثار الاحتجاز بمجرد الإفراج عن المحتجزين؛ إذ تبقى العائلات أمام قلق من تكرار المداهمات، بعدما تحولت بيوت في البلدة إلى نقاط تجمع وتحقيق.
كما أن اقتحام البلدة من مدخلها الرئيسي دفع تفاصيل الحياة اليومية إلى الخلف، مع انتشار القوات داخل الأحياء وإطلاق قنابل باتجاه المنازل، في وقت كان السكان يستعدون ليوم دراسي جديد.
وتأتي عمليات عزون ضمن تصعيد أوسع في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، تزامن مع اعتداءات المستوطنين، وخلّف أعدادًا كبيرة من القتلى والمصابين والمعتقلين وفق معطيات رسمية فلسطينية.
قلقيلية بين الرصاص وتعطيل الدراسة
وفي مدينة قلقيلية، استمر اقتحام بدأ مساء الأربعاء، قبل أن يدفع الجيش الإسرائيلي بتعزيزات بعد منتصف الليل وينتشر في أحياء نزال وكفر سابا وشارع الواد وحي الطبال.
وبينما فرضت القوات حصارًا على حي الطبال منذ مساء الأربعاء، داهمت منازل في مناطق أخرى واحتجزت عشرات الشبان للتحقيق الميداني، كما اقتحمت محلًا تجاريًا وأرضًا زراعية.
وكان فلسطينيان قد أصيبا بالرصاص الحي مساء الأربعاء خلال الاقتحام، أحدهما طفل يبلغ 14 عامًا أصيب في الفخذ، ونقلته طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وعلى أثر استمرار انتشار القوات، أخّرت مديرية التربية والتعليم بدء دوام المدارس الخاصة ورياض الأطفال في قلقيلية وعزون إلى التاسعة صباح الخميس، وربطت القرار باستمرار الاقتحامين حتى الصباح.
ومن داخل قلقيلية، تظل حركة الأهالي مرهونة بانتشار الآليات في الأحياء وحصار حي الطبال، بينما تعكس إصابة الطفل بالرصاص مدى قرب الخطر من البيوت والمدارس.
ويعني تأخير الدراسة أن أثر الاقتحامات تجاوز المنازل والشوارع إلى الأطفال وأسرهم، بعدما أصبحت حركة الطلاب مرتبطة بمسار القوات العسكرية ومدة بقائها داخل الأحياء والبلدات.
ووفق معطيات رسمية فلسطينية، أسفر التصعيد في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023 عن مقتل 1206 فلسطينيين، بينهم 254 طفلًا، وإصابة نحو 13 ألفًا و350، واعتقال أكثر من 26 ألفًا.
وفي غزة، تقول وزارة الصحة إن الحرب منذ 8 أكتوبر 2023 قتلت أكثر من 73 ألف فلسطيني وأصابت ما يزيد على 174 ألفًا، بينما طال الدمار 90 بالمئة من المساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
وهكذا يتوزع الخطر بين خيام لا تصمد أمام الشتاء في غزة وأحياء تعيش تحت الاقتحام في الضفة، فيما تدفع العائلات الفلسطينية ثمن الحرب والدمار والاحتجاز وتعطيل حياتها اليومية.

