مثّلت مرحلة الجهر بالدعوة منعطفًا حاسمًا في السيرة النبوية؛ إذ انتقل النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه من الإعداد والتربية في المرحلة السرية إلى إعلان الحق ودعوة الناس إليه علانية. وبعد أن رسّخ في نفوسهم الإيمان وحسن الخلق والثبات، بدأ بإنذار عشيرته الأقربين امتثالًا لأمر الله تعالى، فصدع بالتوحيد في مكة، وواجه التكذيب والسخرية والإيذاء بصبر ويقين وحكمة.
ومع اشتداد مقاومة قريش، أخذ خبر الدعوة ينتشر، وبلغت أنباؤها القبائل خارج مكة، وبدأ البحث عن موطن يأمن فيه المسلمون على دينهم، وبيئة تستجيب لرسالة الإسلام. وكانت الهجرة إلى الحبشة شاهدًا على بصيرة القيادة النبوية وحسن اختيارها؛ ففي أرض يحكمها ملك عادل وجد المؤمنون الأمان، وتجلّت دروس الجمع بين الثقة بالله والأخذ بالأسباب، وحماية أهل الإيمان ومواصلة تبليغ الرسالة.
تربية النفوس على الإيمان أساس الثبات
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم ببناء الإنسان المؤمن، فربّى أصحابه على العقيدة الصحيحة، والأخلاق الكريمة، والصبر، وحسن التدبير، وأقام جماعتهم على أسس من الوعي والتنظيم والحذر. وكان لهذا الإعداد أثره في قدرتهم على تحمّل أعباء الدعوة ومواجهة ما ينتظرهم من الابتلاء.
وهذا درس لكل داعية ومربٍّ: أن العناية بالقلوب وتزكية النفوس وتعميق اليقين بالله أساسٌ لاستقامة العمل واستمراره. فبقدر رسوخ الإيمان يكون الثبات عند الشدائد، وبقدر صدق الصلة بالله تقوى النفوس على أداء الأمانة.
نداء الصفا: إنذار الأقربين وإعلان الحق
جاء الأمر الإلهي واضحًا، قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، وهتف: «يا صباحاه»، فاجتمعت إليه قريش، فقال: «يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟» قالوا: ما جرّبنا عليك كذبًا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبًّا لك، أما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1].
لقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحجة عليهم بما عرفوه من صدقه وأمانته، ودعاهم إلى النجاة من عذاب الله. وفي ذلك تذكير بأن صدق الداعية واستقامة سيرته من أعظم أسباب قبول دعوته، وأن محبة الأقربين تقتضي الحرص على هدايتهم ونصحهم.
وكان البدء بالعشيرة مناسبًا لمجتمع تقوم فيه الروابط القبلية مقامًا كبيرًا في النصرة والحماية، كما أن لمكة مكانة دينية تجعل لما يقع فيها أثرًا في سائر القبائل. وكانت دعوة الأقربين الخطوة الأولى في تبليغ رسالة الإسلام العالمية. (خليل، ص 124–125؛ العودة، ص 167).
الصبر على الأذى واتساع دائرة الدعوة
قابلت قريش الدعوة بالإعراض والسخرية والتكذيب، ثم بالإيذاء والكيد لإسكات صوتها والحد من انتشارها. فقد مسّت دعوة التوحيد معتقداتهم الباطلة، وكشفت فساد تصوراتهم، وهددت ما تعلّقوا به من مكانة وزعامة.
ومع هذا الصدود، أصبحت أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حديث الناس في مكة وخارجها. وكان تناقل الأخبار مشافهة وسيلة انتشارها، فسمعت القبائل بالدعوة، وكان في الناس من يتحرّى الحقيقة، ويبحث عن الصواب، ولا يكتفي بما يروّجه المعاندون.
وهكذا تحمل هذه المرحلة إلى أهل الدعوة درسًا في الصبر: فقد تشتد المحنة، وتبقى أبواب الخير مفتوحة بأسباب لا يتوقعونها. والمطلوب أن يثبتوا على الحق، ويحسنوا البلاغ، ويقابلوا الشدائد باليقين والعمل وحسن الخلق.
البحث عن الأمان وميادين جديدة للبلاغ
حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إيجاد موطن يأمن فيه المسلمون على دينهم، بعيدًا عن بطش قريش وفتنتها، وعلى البحث عن بيئة تقبل الدعوة وتستجيب لها، فتنتقل منها رسالة الإسلام إلى آفاق أوسع. (العودة، ص 168).
وتجلّى هذا التوجّه في الهجرة إلى الحبشة، ثم في الخروج إلى الطائف وعرض الدعوة على القبائل. فقد كانت القيادة النبوية تتابع الواقع، وتبحث عن الفرص، وتفتح للدعوة أبوابًا جديدة، مع رعاية المؤمنين وحفظ قدرتهم على عبادة الله وتبليغ دينه.
وفي ذلك هداية للدعاة إلى الجمع بين الصبر وحسن التدبير؛ فالتوكل على الله يصحبه أخذ بالأسباب، ومراعاة لأحوال الناس، وبحث عن الوسائل المناسبة لإيصال الحق إليهم بالحكمة.
الهجرة إلى الحبشة: عدل يحمي المؤمنين وحكمة تحفظ الدعوة
كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة في شهر رجب من السنة الخامسة للبعثة، وخرج فيها أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، ساروا إلى البحر واستأجروا سفينة. وقد حفظت لنا أم سلمة رضي الله عنها صورة مؤثرة لما عاناه المؤمنون، وللأمان الذي وجدوه بعد هجرتهم، فقالت:
«لما ضاقت علينا مكة وأوذي أصحاب رسول الله وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله: “إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه”، فخرجنا إليها أرسالًا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا ولم نخش منه ظلمًا». (ابن هشام، 1/334).
لقد كان اختيار الحبشة قائمًا على معرفة بأحوالها، وما بقي فيها من أثر رسالة عيسى عليه السلام، وما عُرف عن ملكها من العدل ورفع الظلم. وحملت هذه الهجرة أبعادًا دعوية وسياسية وإعلامية، وفتحت للمؤمنين بابًا للأمان خارج مكة. (الأسطل، ص 111).
وما أحوجنا إلى التأمل في هذه البصيرة النبوية: تربية تسبق التكليف، وبلاغ يبدأ بالأقربين، وصبر يصاحبه عمل، ورحمة تحمل على حماية المستضعفين. فلنأخذ من هذه المرحلة زادًا يقوّي إيماننا، ويهذّب دعوتنا، ويعلّمنا أن نخدم الحق بصدق وحكمة وثبات.
............................................
المصادر والمراجع:
1. خليل، عماد الدين. دراسة في السيرة النبوية.
2. العودة، سلمان. الغرباء الأولون.
3. ابن هشام. السيرة النبوية لابن هشام.
4. الأسطل، علي. الوفود الإعلامية في العصر المكي وأثرها الإعلامي.

