حسم المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الحكم الشرعي في طرق من الزواج التي يلجأ إليها بعض المقيمين في بلاد الغرب للحصول على الإقامة الرسمية، سواء تم العقد مقابل مبلغ مالي، أو كان اتفاقًا مؤقتًا ينتهي بعد تحقق الغرض القانوني، معتبرًا أن هذه الطرق محرمة لما تنطوي عليه من صورية ومخالفة لمقصد الزواج في الشريعة.
وأكد المجلس أن الزواج في الإسلام يقوم على الديمومة والبقاء والاستقرار، وليس وسيلة شكلية للحصول على مصلحة إدارية أو قانونية، موضحًا أن بعض هذه الصور تقترب من نكاح المتعة بسبب التوقيت المسبق، وبعضها يتضمن غشًا للمرأة أو الرجل، فضلًا عن مخالفة قوانين البلاد التي تمنع مثل هذه العقود.
زواج مقابل الإقامة
وعرض المجلس الأوروبي للإفتاء طريقة للزواج يتفق فيها رجل وامرأة على عقد زواج مقابل مبلغ من المال يدفعه إليها، وقد يكون هذا المبلغ مقطوعًا أو موزعًا على سنوات حسب الاتفاق، وذلك في مقابل أن تذهب معه إلى مصلحة شرطة الأجانب عند تحديد الإقامة كل سنة، إلى أن يحصل على الإقامة الرسمية، ومن ثم يفسخ العقد.
وأوضح المجلس أن الرجل قد يعيش مع هذه المرأة عيشة الزوجين، بمعنى أنه يضمهما بيت واحد يتعاشران فيه معاشرة الأزواج، إلا أنهما يتفقان على فسخ العقد عند حصول الزوج على الإقامة الرسمية، وهذا الاتفاق لا يصرح به طبعًا عند الجهة العاقدة، لأن القانون لا يسمح بذلك.
وأشار إلى أن الصورة الأولى حرام يأثمان عليه، وذلك بسبب منافاة هذا العقد لمقصد الشريعة في الزواج، إذ هو عقد صوري مقصود به أمر آخر غير الزواج، فهو لو استوفى شروط العقد فإنه لا يحل لهذا المعنى.
وبيّن المجلس أن المنع يتأكد لأن قانون البلاد لا يسمح به، والقانون هنا متفق مع المقصد الشرعي، كما أن هذه الصورة لا تخلو من شبه بنكاح المتعة الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم، من جهة التوقيت إلى فترة الحصول على الإقامة ثم يفسخ العقد بعد ذلك كما عبر السائل.
عقد شكلي بلا معاشرة
وتناول المجلس صورة أخرى لا يعيش فيها الرجل مع المرأة التي عقد عليها أمام السلطات ولا يخالطها ولا تخالطه، بل يتفقان أن تذهب معه عند تحديد الإقامة كل سنة، كي تقول للسلطات إنها مرتبطة به كزوج، وتأخذ المبلغ المتفق عليه، ثم يذهب بعد ذلك كل واحد إلى حال سبيله.
ولفت إلى أن هذا اللون من ألوان الزواج قد يقدم عليه الرجل لأجل أن يحصل هو على الإقامة، وبالمقابل قد تفعله المرأة مع الرجل لتحصل هي على الإقامة، ويمكن أن يكون أحدهما غير مسلم، ويمكن أن يكون الاثنان مسلمين.
وأكد المجلس أنه في كل الأحوال تكون الزوجة محسوبة على زوجها من الناحية القانونية، ويكون هو محسوبًا عليها من الناحية القانونية كذلك، ولو افترض أن هذه المرأة قد عاشرت رجلًا آخر وأنجبت منه، فإن المولود يسجل باسم هذا الزوج المؤقت.
ونبه إلى أنه لو جاء الزوج يطالبها بحق المعاشرة الزوجية فإنها لا تستطيع أن تمتنع عن ذلك قانونًا، وبخاصة إذا كانت هي المحتاجة إلى الإقامة، موضحًا أن هذا العقد بصورتيه إنما يتم في البلدية كسائر العقود المدنية في هذا البلد.
وقال المجلس إن الصورة الثانية مثل الأولى في التحريم، وفيها قضية مقطوع بحرمتها وهي زواج المسلمة من غير مسلم، فإن مجرد العقد فاسد سواء للغاية المذكورة في السؤال أو لمجرد الزواج.
اتفاق غير معلن داخل العائلة
وأوضح المجلس أن العقد قد يكون شرعيًا بشروطه الشرعية المعتبرة، ولكن الجانبين لا يصرحان بذلك الاتفاق في صلب العقد، وإنما يكون اتفاقًا بينهما بحضور بعض أفراد العائلتين، عائلة الزوج وعائلة الزوجة.
واعتبر المجلس أن إخفاء الاتفاق على التوقيت أو الفسخ بعد الحصول على الإقامة لا يغير حقيقة المقصود من العقد، لأن العبرة ليست فقط بصورة العقد الظاهرة، بل بما اتفق عليه الطرفان وما يناقض مقصد الزواج.
وشدد على أن العقد الصوري الذي يتخذ الزواج غطاءً لمصلحة أخرى لا يحقق معنى السكن والمودة والاستقرار، بل يحول العلاقة الزوجية إلى وسيلة شكلية للحصول على وضع قانوني مؤقت.
نية الطلاق بعد الإقامة
وفي صورة ثالثة، عرض المجلس حالة يتزوج فيها الرجل المرأة بصداق، لكنه يضمر في نفسه ويصرح لأصدقائه وأقاربه أن غرضه ليس الزواج، وإنما الحصول على الإقامة، فمتى حصل عليها طلق زوجته.
وأوضح أن هذا الرجل لا يستطيع أن يصرح بهذا أمام المرأة، خوفًا من أن تطرده قبل الحصول على الإقامة، إلا أن المجلس أكد أن العقد وإن كانت صورته صحيحة، فإن الزوج آثم بغشه المرأة.
وبيّن المجلس أن سبب الإثم هو إضمار نية الطلاق من حين العقد، لأن الزواج في الإسلام يعني الديمومة والبقاء والاستقرار للحياة الزوجية، والطلاق طارئ بعد العقد، ولهذا السبب حرم الزواج المؤقت واعتبر فاسدًا.
وأكد أن الإيجاب والقبول في الزواج شرطان أساسيان فيه، والمرأة حين قبلته زوجًا فإنما كان مقصدها حقيقة الزواج، ولو علمت أنه قبلها زوجة مؤقتة يطلقها متى شاء لرفضت ذلك.
وختم المجلس الأوروبي للإفتاء بأن عزم الرجل على الطلاق عند العقد يؤثر في صحة العقد، لأن المرأة بنت قبولها على غير ما أراد، وبذلك يكون الزواج وسيلة غش وخداع لا علاقة لها بمقصد الشريعة في بناء أسرة مستقرة.

