وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
يتصاعد خطاب الفاشية الإعلامية المصري في خطٍّ موازٍ لصعود الخطاب الصهيوني الاستئصالي، والذي هو مزيج مُتجانس من النازية والفاشية والمكارثية، إذ تتردّد في الخطابين عبارات ومُرادفات تكاد تكون مُتطابقة، مع اختلاف المُستهدفين هنا وهناك.
في الخطاب الصهيوني المُتدحرج من رئيس الحكومة إلى وزير الأمن الداخلي تتدفّق موجات من الكراهية وتجريد الآخر العربي، الفلسطيني واللبناني على وجه الخصوص، من آدميته واعتباره مُستباحًا في دمه وماله وأرضه وبيته، فلا يمرّ يوم من دعوة إلى اجتثاث الوجود الفلسطيني من أرض فلسطين، التي تُجرّد هي الأخرى من مُسمّاها التاريخي والقانوني، وتصبح في الخطاب الاستيطاني الرسمي والشعبي "أرض إسرائيل" بكلّ ما عليها من مُمتلكات ومُقدّسات فلسطينية. ولعل عبارة بنيامين نتنياهو، وهو يستعرض عضلاته الإجرامية من تحت حائط البراق في المسجد الأقصى أمس تعبّر عن العقيدة العسكرية والسياسية الإسرائيلية في أوضح تجلياتها "نحن هنا وسنبقى دائما هنا ولا يمكن لأحد غيرنا أن يكون هنا".
أبعد من نتنياهو يذهب وزير الأمن بن غفير ومجموعة الصهيونية الدينية في نفي صفة البشرية عن الإنسان الفلسطيني، والعمل على تهجير الفلسطينيين جميعًا خارج حدود كيانهم الصهيوني، ومن يتمسّك منهم بالبقاء يُقتل في بيته أو يُعدم في زنزانته عملًا بالمُعتقد الراسخ "لا يمكن لأحد غيرنا أن يكون هنا"، وهو المعنى الذي يتقاطع مع خطاب صقور فاشية الإعلام المصري هذه الأيام، إذ لا تتوقّف دعوات استئصالية مُماثلة تستهدف المعارضين المصريين خارج البلاد، والذين يستطيع أي بوق من أبواق الفاشية الجديدة أن يجرّدهم من مصريّتهم ويتهمهم بالخيانة والعمالة ويقرّر إعدامهم، معنويًّا وماديًّا.
الفرق بين الحالتين أنّ خطاب الفاشية الصهيونية يعبّر عن حالة جمعية شاملة. أما في خطاب الفاشية الإعلامية فلكلّ فاشي وطن خاص به يقرّر من يدخله ويعيش فيه، ومن يُنفى منه ويُحرم من ملامسة ترابه، حيًّا أو ميتًا. وبالتالي، وعلى سبيل المثال، تختلف معايير استحقاق صفة المواطنة والاحتفاظ بالجنسية المصرية من المذيع السعودي المصري عمرو أديب إلى زوجته، ومن الاثنين إلى مذيع آخر يقف عند درجة أعلى على سلم الفاشية، فلا يتردّد في المطالبة بتصفية المعارضين الخونة أينما وجدوا، وثمّة من يتواضع قليلًا فيطرح مسألة استتابة الراغبين في العودة مُمسكًا مفاتيح خزنة صكوك الغفران الوطني. وهكذا تتباين مُحدّدات المواطنة والوطنية في زحمة "مجموعة الأوطان المصرية" التي تختلف سماتها وخصائصها من مذيع إلى آخر وكأنّها أوطان حديثة قابلة للطي.
لوثة الوطنية المُزيّفة هذه ليست جديدة، فهي ظهرت منذ 2014 ثم سكتت وعاودت الاندلاع مقرونة بهستيريا الفزع من هواجس العودة، فالسيدة الزوجة السابقة للسيد "بن أديب" سبق لها قبل أكثر من 12 عامًا أن طلبت من أمير قطر بأن يسلّم سيادتها المُعارضين الخونة في الدوحة، إذا كانت قطر جادة في موضوع المصالحة مع دول الخليج وتوابعها، مُحددًة مجموعة من الأسماء قائلة "هؤلاء أنا ما بطلبهمش لحلاوتهم".
وعلى دربها سار زوجها السابق بعد أن نال جنسيته السعودية، وقرّر أن يتخذ قرارات حاسمة على الهواء مباشرة، بتجريد عدد هائل من المصريين المعارضين في الخارج من جنسيتهم، واعتبارهم، حسب قوله، غير مصريين، وإنما أعداء وخونة لا يستحقون المشاركة في الحوار الوطني، بل لا يستحقون الحياة أصلًا. والسؤال الذي لا يجد إجابة منذ ذلك الوقت باسم من يتحدث "بن أديب"؟ وهل تعكس قرارات معاليه بسحب الجنسية عن المعارضين المصريين اتجاهات الحكومة المصرية أم السعودية؟
ومرّة أخرى، أكرّر سؤالًا عمره 12 عامًا: هل هذا المُذيع أو ذاك جزء من نظام الحكم بنص الدستور أو بقرار جمهوري أو حتى بانقلاب؟ هل هو جزء من السلطة، أم السلطة نفسها؟ وإذا حدث وقرّر المعارضون العودة إلى مصر، فمع من يتحدّثون؟ وإلى أيّ سلطة يُسلّمون أنفسهم، هل يُسلّمون أنفسهم لعمرو أديب مثلًا أم إلى وزير الداخلية؟

