يدخل مجمع التحرير مرحلة تحويله إلى فندق فاخر، بعد نحو خمسة وسبعين عامًا على افتتاحه، ليضع الحكومة أمام سؤال يتجاوز تجديد مبنى تاريخي إلى مصير الأصول العامة وحدود التصرف فيها.
وفيما تتقدم ترتيبات المشروع، تتسع ضرورة مساءلة السلطة عن شروط التعاقد والعائد العام، مع التمييز بين التحويل الفندقي المؤكد والبيع النهائي الذي لا تثبته المعلومات المتاحة عن طبيعة الاتفاق.
تحويل المجمع وأسئلة الملكية الغائبة
فمنذ افتتاحه عام 1951، ارتبط المجمع بمعاملات المصريين وخدماتهم الحكومية، قبل بدء خطط إخلائه عام 2016، وصولًا إلى اعتماد مشروع إعادة توظيفه فندقيًا، المعلن في يوليو 2026.
وبذلك، تشير السنوات الخمس والسبعون إلى عمر المبنى منذ افتتاحه، وليست مدة متصلة لتقديم الخدمات حتى اليوم، بعدما انتقلت جهات حكومية منه تدريجيًا خلال مراحل الإخلاء السابقة وإعادة ترتيب استخدامه.
وفي المقابل، يتضمن التصور المعلن نحو خمسمائة غرفة وشقة فندقية، ومطاعم ومرافق للفعاليات والترفيه، مع مسبح علوي؛ وهي مكونات تكشف انتقال المكان من الاستخدام الإداري الجماهيري إلى الضيافة الفاخرة.
لكن وصف هذا التحول بأنه بيع نهائي يحتاج وثيقة تثبت انتقال الملكية، خصوصًا أن إبراهيم محلب وصف المشروع، في تصريحات منشورة يوم 24 يوليو 2026، بأنه حق استغلال وشراكة استثمارية.
ومع ذلك، لا يعفي نفي البيع الحكومة من نشر التفاصيل؛ فمدة الاستغلال، وقيمة المقابل، ونصيب الدولة من الإيرادات، وضمانات استرداد الأصل، مسائل لا تختصرها عبارة دعائية عن تعظيم العوائد.
وفي هذا السياق، انتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، في مقال بتاريخ 15 يناير 2026، تحويل أوضاع ملكية الأصول تمهيدًا للتصرف فيها، معتبرًا أن معالجة الديون تستوجب موارد حقيقية وحلولًا جذرية.
وانطلاقًا من نقده العام لسياسات الأصول، وليس تعليقًا مباشرًا منه على مستجدات المجمع، تبرز ضرورة إخضاع إعادة التوظيف للمساءلة، بدل الاكتفاء باعتبار انتقال المبنى إلى النشاط الفندقي نجاحًا تلقائيًا.
وعليه، فإن السؤال المحرج للحكومة يتعلق بما سيحصل عليه المصريون تحديدًا، وكيف جرى تقييم العقار وموقعه وقيمته التاريخية، وما إذا كانت بدائل استغلاله قد خضعت لمنافسة ومقارنة معلنتين أمام الجمهور.
فندق فاخر وحقوق عامة معلقة
وفي امتداد لهذا المسار، يحمل تحويل المجمع مفارقة سياسية واضحة؛ فالمبنى الذي ارتبط بطوابير الخدمات يجري تقديم مستقبله عبر الغرف الفاخرة والإطلالات، بينما يستحق الجمهور شرحًا لمكاسبه من هذا التغيير.
وبالطبع، لا يمنح تاريخه الإداري حصانة ضد التطوير، ولا يجعل الاحتفاظ بالمكاتب القديمة هدفًا بذاته؛ لكن الحكومة مطالبة بإثبات أن اختيار الفندق يحقق منفعة عامة تتجاوز أرباح المشغل والمستثمر وحدهما.
كذلك، فإن الحفاظ على الواجهات والطابع المعماري ضرورة، لكنه لا يجيب منفردًا عن مصير الوظيفة الاجتماعية للمكان، ولا عن إمكانية تخصيص مساحات متاحة للجمهور تحفظ صلته بتاريخ المبنى والمدينة المحيطة.
ومن جهة أخرى، لا تكفي وعود الوظائف لتبرير أي شروط تعاقدية؛ إذ ينبغي إعلان أعداد فرص العمل المتوقعة، وطبيعتها، ومستويات الأجور، وحجم المشتريات المحلية، والتزامات المستثمر القابلة للقياس والمحاسبة الدورية.
وفي هذا الإطار، رفض الخبير الاقتصادي هاني توفيق، في موقف منشور يوم 7 يناير 2026، تسوية الديون ببيع الأراضي والشركات والموانئ والمطارات، مشددًا على مسؤولية الجيل الحالي تجاه الأجيال المقبلة.
كما طرح توفيق، ضمن نقده لهذه السياسات، إعادة جدولة الالتزامات قصيرة الأجل وإزالة معوقات الاستثمار، بما يحسن قدرة الاقتصاد على السداد، عوض التعويل على التصرف في موارده وأصوله لتوفير السيولة.
وبتطبيق معيار حماية حقوق الأجيال على المجمع، يصبح المطلوب تقييم العائد طوال مدة التعاقد، وموازنته بالقيمة المستقبلية للعقار، مع توضيح من يتحمل مخاطر التعثر أو ارتفاع تكاليف إعادة التأهيل لاحقًا.
لذلك، فإن مساءلة المشروع لا تعني رفض السياحة، وإنما رفض منح السلطة تفويضًا مفتوحًا لتقرير مصير مبنى عام، ثم مطالبة المجتمع بالتصفيق لمجرد ظهور علامة فندقية دولية على واجهته التاريخية.
سيولة مؤقتة لا تصنع تنمية
وعلى المستوى الاقتصادي، يكمن الخطر في تحويل التصرف بالأصول إلى بديل دائم عن إصلاح السياسات؛ فالمبالغ الاستثنائية تنفد، بينما تتجدد الالتزامات إذا بقيت أسباب العجز وضعف الإنتاج على حالها دون معالجة.
وفي المقابل، يمكن للاستثمار الفندقي أن يولد دخلًا وفرص عمل، لكن الحكم عليه يتطلب معرفة توزيع المنافع والتكاليف، وليس الاكتفاء بإجمالي الإنفاق الاستثماري المعلن أو عدد الغرف المخطط لإنشائها داخل المبنى.
وفي هذا الصدد، انتقدت نعمة الشيشيني، أستاذة الاقتصاد والمالية العامة بجامعة الأزهر، اختزال علاج الدين في بيع الأصول، موضحة في تصريحات منشورة يوم 2 سبتمبر 2026 أن البيع ليس حلًا مستقلًا.
وأضافت، في تقييمها العام لهذه السياسة، أن خفض المديونية لحظة البيع لا يمنع تراكمها مجددًا مع استمرار العجز، وأن خسارة التدفقات المستقبلية قد تتجاوز الوفر الناتج عن سداد الدين نفسه.
ومن ثم، يضع هذا النقد الاقتصادي الحكومة أمام اختبار صريح؛ هل تحقق إعادة توظيف المجمع عائدًا مستدامًا وعادلًا للدولة، أم يجري الاحتفاء بقيمة استثمارية لا توضح حصة الخزانة العامة منها؟
فضلًا عن ذلك، ينبغي فصل تكلفة تطوير الفندق عن ثمن العقار أو مقابل استغلاله؛ فهذه أرقام مختلفة، وخلطها يصنع انطباعًا مضللًا بأن كل دولار ينفقه المستثمر يدخل مباشرة إلى المال العام.
وبناءً عليه، تبدأ الشفافية بنشر ملخص تعاقدي شامل وتقييم مستقل وجدول زمني واضح، مع إعلان شروط تعديل الاتفاق أو إنهائه، وآليات مراقبة التنفيذ، بدل ترك الجمهور أسير تصريحات متفرقة وصور تسويقية.
وأخيرًا، لا تستطيع الحكومة إثبات نجاحها بمجرد استبدال شبابيك الخدمات بأجنحة فندقية؛ فالاختبار هو حماية حقوق المصريين وتحقيق عائد معلن، وإلا تحول شعار التطوير إلى ستار يحجب أسئلة الملكية والمحاسبة.

