أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض إجراءات عقابية مشددة تستهدف فروع بنك مصر داخل دولة الإمارات. وجاءت هذه الخطوة ضمن مساعي واشنطن لتشديد الخناق الاقتصادي على إيران وقطع شرايينها المالية بعد مرور ستة أشهر على اندلاع المواجهة العسكرية بين الطرفين. وتتضمن القرارات المقترحة حرمان تلك الفروع من التعامل بالدولار الأمريكي وعزلها عن المنظومة المصرفية الدولية.
استندت السلطات المالية الأمريكية في قرارها إلى تحقيقات أجرتها شبكة إنفاذ الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة. واقترحت الشبكة إلغاء حسابات المراسلة المصرفية المتاحة لتلك الفروع داخل المؤسسات النقدية الأمريكية لإنهاء دورها في الوساطة المالية. وتعتبر واشنطن هذا الإجراء رسالة تحذيرية شديدة اللهجة لكافة المصارف العالمية التي تواصل تيسير أنشطة تجارية أو نقدية لصالح الجانب الإيراني.
أكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت مضي الإدارة في تنفيذ تهديداتها السابقة بعزل كل من يقدم يد العون لطهران. وأوضح الوزير عزم بلاده على استخدام الأدوات النقدية لتعطيل خطوط الإمداد التمويلي للخصوم.
"وعدت وزارة الخزانة بقطع كل شريان اقتصادي متبقٍ لطهران، وإنهاء خطر النظام الإيراني أخيراً؛ كما حذرنا من أن المسهلين لإيران لا يمكنهم الاستمرار في التمتع بالوصول إلى الدولار الأمريكي والنظام المالي العالمي، وقد اختارت فروع بنك مصر في الإمارات أن تدرك ذلك بالطريقة الصعبة، واليوم نتخذ الخطوة الأولى لمحاسبتها على دعمها المستمر والصارخ للنظام الإيراني".
— المصدر: وكالة رويترز، عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت
توضح تصريحات المسؤول الأمريكي طبيعة التصعيد المالي الذي تقوده الإدارة لفرض الانضباط على مسارات حركة النقد الأجنبي. ولم تتوقف الضغوط عند حدود التصريحات الدبلوماسية، بل امتدت لتشمل حزمة موازية من الجزاءات المشددة على أطراف أخرى. فقد أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية مدير فرع بنك ملي الإيراني في الإمارات، إلى جانب كيان مسجل في هونغ كونغ ثبت تورطه في غسل الأموال لصالح شركة صرافة إيرانية خاضعة للعقوبات الدولية.
شبكات الظل والتدفقات المشبوهة
وصفت التقارير الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية فروع بنك مصر الستة في الإمارات بأنها تشكل عقدة حيوية تتيح لطهران الوصول إلى الدولار. وقدرت السلطات الأمريكية حجم المعاملات الممررة عبر تلك الفروع بنحو 1.8 مليار دولار بين يناير 2024 ويونيو 2026 لصالح 103 شركات. وتصنف الجهات الرقابية هذه الشركات كواجهات تعمل ضمن شبكات مصرفية خلفية لتفادي الرقابة المفروضة.
بينت التقارير الاستخباراتية والمالية أن بعض تلك الكيانات يسهم بصورة مباشرة في ضخ السيولة لأجهزة عسكرية وأمنية تابعة للجمهورية الإسلامية. وذكر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية تومي بيجوت أن بنك ملي الإيراني يمثل مركزاً نقدياً حيوياً يغذي القوات المسلحة وفيلق القدس ووزارة الدفاع.
ودفعت هذه المعطيات واشنطن إلى اتخاذ خطوات صارمة تحول دون استغلال المؤسسات الإقليمية في الالتفاف على القيود الصارمة المفروضة على العملة الصعبة.
دفعت هذه التطورات بنك مصر إلى إصدار توضيحات رسمية تؤكد التزامه التام بكافة القواعد والمعايير المنظمة للعمل المصرفي الدولي. وأكدت إدارة البنك في بيان رسمي متابعتها الحثيثة للاتهامات الأمريكية واستعدادها للتعاون والتنسيق المشترك.
"يتعامل البنك مع الادعاءات بأقصى درجات الجدية والاهتمام، ويخطط للتعاون مع وزارة الخزانة، مع الالتزام بجميع القوانين واللوائح والتعليمات والضوابط الرقابية المعمول بها".
— صحيفة نيويورك تايمز، عن بيان رسمي لإدارة بنك مصر
شددت إدارة البنك على سلامة موقف فروعها الأخرى المنتشرة داخل مصر وخارجها، مشيرة إلى عدم شمولها بتلك القيود الجديدة. وتواصل الفروع الأجنبية في باريس وفرانكفورت والرياض وبيروت وجيبوتي تسيير مدفوعاتها بالدولار بصورة طبيعية دون أي عوائق تشغيلية. ويعكس هذا الموقف رغبة المؤسسة المصرية العريقة في احتواء الأزمة وحصر نطاقها الجغرافي داخل حدود الفروع المعنية فقط.
ارتدادات إقليمية وإجراءات احترازية
ةسارع البنك المركزي المصري إلى طمأنة الأسواق والمتعاملين عبر توضيح أبعاد القرار الأمريكي وحصره في النطاق الإماراتي فقط. وأعلن البنك في بيان عاجل فتح قنوات اتصال مباشرة مع مسؤولي وزارة الخارجية المصرية والسلطات الأمريكية المعنية لبحث تداعيات الموقف. ويهدف هذا التحرك الدبلوماسي والمصرفي السريع إلى حماية سمعة القطاع المصرفي المصري وتأكيد متانة نظامه الرقابي في مواجهة التحديات الخارجية.
تفاعلت السلطات النقدية في دولة الإمارات مع الموقف عبر إعلان فتح تحقيق فوري وخاص لفحص المعاملات مدار البحث. ويسعى المصرف المركزي الإماراتي من خلال هذا الإجراء إلى مراجعة سجلات الفروع المعنية والتحقق من مدى التزامها بالمعايير الرقابية المتبعة. وتأتي هذه الخطوة في إطار حرص السلطات المحلية على مواءمة سياساتها المالية مع متطلبات الامتثال الدولي ومكافحة غسل الأموال.
أفادت المصادر الرسمية في أبوظبي بدراسة التدابير المتاحة للتعامل مع وضع تلك الفروع حال مضي واشنطن في تطبيق مقترحاتها النهائية. وأوضحت الجهات الإماراتية موقفها الثابت إزاء تطبيق القوانين المنظمة للأنشطة النقدية وحماية المركز المالي للبلاد.
"يدرس المصرف المركزي الخيارات المتاحة بشأن وضع البنك في حال قررت وزارة الخزانة المضي قدماً في إجراءاتها المقترحة".
— صحيفة نيويورك تايمز، عن المصرف المركزي لدولة الإمارات العربية المتحدة
تؤكد هذه التحركات حرص الدولة الخليجية على النأي بنفسها عن أي شبهات ترتبط بمخالفة العقوبات الغربية المفروضة على طهران. وقد أعلنت الحكومة الإماراتية في وقت سابق وقف كافة المعاملات التجارية والمالية مع إيران التزاماً بالقوانين والأنظمة المعمول بها دولياً. ويبرز ذلك حساسية المرحلة الراهنة وما تفرضه من توازنات دقيقة بين العلاقات الاقتصادية القائمة ومتطلبات النظام المالي الدولي.
موازين التجارة ومعركة السيولة
تشكل دبي مركزاً تجارياً محورياً يربط أسواق المنطقة، مما يفرض تحديات جمة على حركة الرقابة والتتبع المالي. فقد حافظت الإمارات على روابط اقتصادية وثيقة مع طهران بحكم القرب الجغرافي عبر الخليج رغم التوترات السياسية القائمة. وتتزايد الشكوك الأمريكية حيال استخدام قنوات التجارة المشتركة كمسارات خفية للالتفاف على الحصار وتأمين النقد الأجنبي.
ويرى خبراء الاقتصاد أن استخدام الدولار كسلاح مالي يضغط على كافة المؤسسات الإقليمية لاختيار مسار تعاملاتها بحذر شديد. فلم تعد المصارف قادرة على الموازنة بين الامتثال للنظام المالي الغربي وتلبية متطلبات التجارة مع الدول الخاضعة للقيود الصارمة. ويفرض هذا الواقع الجديد على كافة المصارف العربية تعزيز منظومات التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر لتفادي العقوبات الثانوية المكلفة.
تحث طهران شركاءها التجاريين على رفض الانصياع للضغوط الأمريكية الهادفة لتقويض اقتصادها وتجفيف منابع السيولة لديها. ولكن تدرك المؤسسات المالية العربية أن خسارة الوصول إلى مقاصة الدولار تمثل خطراً يهدد استقرارها ومكانتها السوقية برمتها. ويبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من الإجراءات المشددة التي قد تعيد رسم خريطة التدفقات النقدية والتجارية عبر الشرق الأوسط بأكمله.
https://www.nytimes.com/2026/08/30/world/middleeast/uae-banque-misr-treasury-iran.html
https://www.iranintl.com/en/202608284624

