تبين التحركات الجارية لإعادة صياغة منظومة تسعير الدواء في مصر أزمة تتجاوز مجرد تحديد سعر العبوة، بعدما أصبح العلاج مرتبطا بصورة مباشرة بالدولار والتضخم والفائدة، بينما تواجه الأسر ضغوطا معيشية متراكمة وقدرة شرائية متراجعة.

 

تفتح تصريحات الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، الباب أمام أسئلة صعبة بشأن حصيلة سنوات من الحديث الحكومي عن توطين صناعة الدواء، في وقت ما زالت فيه غالبية مدخلات الصناعة مرتبطة بالاستيراد والعملات الأجنبية.

 

 

الدولار يحاصر صناعة الدواء المصرية

 

تقوم المنظومة الجديدة المقترحة على تسعيرة جبرية تضعها الدولة، مع احتساب ثلاثة متغيرات رئيسية هي سعر الدولار ومعدل التضخم وسعر الفائدة، بما يعني أن اضطراب الاقتصاد يمكن أن ينتقل تدريجيا إلى رفوف الصيدليات.

 

وتبدو خطورة هذه المعادلة أكثر وضوحا مع تأكيد عوف أن نحو 90% من مدخلات صناعة الدواء مستوردة، وتشمل المواد الخام والعبوات والنشرات والورق والحبر، رغم سنوات طويلة من الخطاب الرسمي بشأن تعميق التصنيع المحلي.

 

ولا يعني تصنيع معظم العبوات داخل مصر بالضرورة امتلاك صناعة مستقلة، فالأرقام التي تتحدث عن تغطية الإنتاج المحلي لنحو 92% من الوحدات لا تلغي اعتماد المصانع نفسها على خامات ومستلزمات قادمة من الخارج بالدولار.

 

ويجعل هذا الاعتماد سوق الدواء شديد الحساسية لتحركات العملة، إذ لا يكفي وجود مصنع داخل البلاد لحماية المريض من أثر انخفاض الجنيه إذا كانت المواد الأساسية ومدخلات التعبئة والتغليف نفسها مرهونة بالاستيراد.

 

وتنص الآلية المطروحة، وفق تصريحات عوف، على عدم تحريك الأسعار إذا ارتفع الدولار بنسبة لا تتجاوز 10%، بينما تبدأ مراجعة الأسعار إذا تجاوز الارتفاع هذه النسبة واستمر خمسة وأربعين يوما، عبر لجنة متخصصة.

 

لكن إدخال التضخم والفائدة إلى جانب الدولار يعني أن استقرار العملة وحده لن يكون ضمانة كافية لاستقرار تكلفة العلاج، لأن ارتفاع تكلفة التمويل أو استمرار التضخم يمكن أن يفتح بدوره باب مراجعات سعرية جديدة.

 

ويطرح محمود فؤاد، رئيس المركز المصري للحق في الدواء، انتقادا أكثر جذريّة للمشهد، إذ يرى أن توطين صناعة الدواء ينبغي أن يعني إنتاج المكونات الحيوية محليا، لا الاكتفاء بتعبئة مواد مستوردة داخل مصانع مصرية.

 

وأشار فؤاد إلى أن أسعار الأدوية تعرضت لزيادات متعددة منذ عام 2018، منتقدا استمرار الاعتماد الكبير على المدخلات المستوردة، وهو ما يجعل المواطن في النهاية معرضا لتحمل تداعيات أي أزمة نقدية أو إنتاجية جديدة.

 

وبذلك تبدو المشكلة أكبر من معادلة تسعير جديدة، لأن السؤال الحقيقي يتعلق بما أنجزته سياسات التصنيع خلال السنوات الماضية، ومدى قدرتها على فك ارتباط الدواء المصري بتقلبات الدولار قبل مطالبة المريض بتحمل نتائج هذه التبعية.

 

 

طلبات الزيادة تكشف ضغط الشركات

 

تكشف طلبات تقدمت بها شركات دواء خلال يوليو الماضي لرفع أسعار بعض المستحضرات بنسبة وصلت إلى 90% حجم الصراع داخل السوق، حتى مع تأكيد هيئة الدواء أنها رفضت هذه المطالب ولم تسمح بتنفيذها.

 

ورغم أهمية رفض هذه النسب الكبيرة، فإن مجرد وصول مطالب التحريك إلى هذا المستوى يوضح حجم الفجوة التي تقول الشركات إنها تواجهها بين تكاليف الإنتاج والأسعار الجبرية، ويكشف هشاشة التوازن بين الصناعة واحتياجات المرضى.

 

وكان وزير الصحة قد أوضح أن معادلة التسعير تمنح سعر الدولار وزنا يبلغ 60%، مقابل 30% للتضخم و10% للفائدة، وهي نسب تجعل السياسة النقدية والاقتصادية حاضرة بقوة في تحديد كلفة العلاج اليومية للمواطن.

 

وتؤكد الحكومة أن التسعير الجبري يستهدف حماية المريض والحفاظ في الوقت نفسه على استدامة الشركات، وأن مراجعة الأسعار قد تقود إلى زيادات أو تخفيضات، مع محاولة الإبقاء على بدائل أقل سعرا داخل كل مجموعة علاجية.

 

لكن هذا التوازن يظل محل اختبار عندما ترتفع تكلفة المعيشة والأدوية معا، خصوصا بالنسبة لمرضى الأمراض المزمنة الذين لا يملكون ترف تأجيل العلاج أو تقليل الجرعات، ويضطرون إلى شراء احتياجاتهم بصورة شهرية ودائمة.

 

وحذر المركز المصري للحق في الدواء خلال سبتمبر من نقص عدد من المستحضرات الحيوية، معتبرا أن استمرار صعوبة الحصول على بعض الأصناف قد يفاقم الأزمة مع زيادة الاستهلاك خلال الشتاء ويضغط بصورة أكبر على المرضى.

 

ويمثل ذلك، وفق رؤية محمود فؤاد، مؤشرا على أن القضية لا يمكن اختزالها في حماية أرباح الشركات أو ضمان استمرار خطوط الإنتاج، وإنما يجب أن يبدأ تقييم المنظومة من قدرة المريض الفعلية على الحصول على العلاج.

 

كما انتقد المحامي هاني سامح بعض التحولات المرتبطة بإعلان أسعار الدواء، وأقام دعوى أمام القضاء الإداري مطالبا بإبقاء السعر مكتوبا بوضوح على العبوة، مستندا إلى قواعد قانونية تحمي حق المستهلك في معرفة السعر.

 

ويرى سامح أن التحول إلى أدوات إلكترونية لا ينبغي أن ينتقص من الضمانات التقليدية للمستهلك، وهو اعتراض يعكس مخاوف أوسع من أن تتحول عمليات تحديث السوق إلى إجراءات تزيد الغموض بدلا من تعزيز الشفافية.

 

 

المريض يدفع ثمن الاختلالات

 

تراهن التصريحات المصاحبة للمنظومة الجديدة على تغيير ثقافة استخدام الاسم التجاري، وتشجيع المرضى على شراء بدائل تحمل المادة الفعالة نفسها بأسعار أقل، باعتبار ذلك إحدى الوسائل المباشرة لخفض فاتورة العلاج على الأسرة.

 

وضرب علي عوف مثالا بعلاج للضغط يتناوله شخصيا، موضحا أن له أكثر من اثني عشر بديلا مماثلا في التركيب، وأن عددا كبيرا منها يباع بنحو نصف السعر، بما قد يوفر قرابة مئتي جنيه شهريا.

 

ولا خلاف على أهمية تعريف المرضى بالبدائل، لكن تحميل ثقافة المستهلك جانبا من مسؤولية ارتفاع فاتورة الدواء لا يجيب وحده عن سؤال أوسع يتعلق بسبب استمرار اعتماد الصناعة بدرجة مرتفعة على مدخلات أجنبية بعد سنوات من سياسات التوطين.

 

كما أن الانتقال بين البدائل ليس قرارا ماليا مجردا في جميع الحالات، بل ينبغي أن يتم تحت إشراف الطبيب أو الصيدلي، خصوصا لدى أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحساسة التي تتطلب متابعة الاستجابة العلاجية بصورة منتظمة.

 

وتواجه المنظومة كذلك تحديا يتعلق بثقة المرضى، إذ إن ارتفاع الأسعار المتكرر أو اختفاء أصناف اعتادوا استخدامها يدفع بعضهم إلى البحث عن العبوة المتاحة أولا، قبل مقارنة السعر أو الشركة المنتجة أو البدائل الأقل تكلفة.

 

ويعتبر محمود فؤاد، رئيس المركز المصري للحق في الدواء، أن العلاج حق دستوري وإنساني وليس مجرد سلعة تجارية، محذرا من أن صعوبة الحصول على المستحضرات المطلوبة تمثل مشكلة في صميم الحق في الرعاية الصحية.

 

وتكتسب هذه الانتقادات ثقلا إضافيا مع تصريحات فؤاد بأن سوق الدواء شهد زيادات متعاقبة خلال السنوات الماضية، ما يجعل أي نظام جديد مطالبا بإثبات قدرته على حماية المريض عمليا، وليس فقط ضبط الإجراءات بين الهيئة والشركات.

 

وفي المقابل، تقول الجهات المنظمة إن هدف تحديث التسعير هو تحقيق قدر أكبر من القدرة على التنبؤ داخل السوق، بعد نحو خمسة عشر عاما من العمل بالإطار السابق، ومع تغيرات واسعة في العملات والتكاليف وسلاسل الإمداد.

 

وتؤكد هيئة الدواء أنها صاحبة القرار النهائي في التسعير، وأن الشركات لا تستطيع فرض زيادات منفردة، وهي نقطة أساسية لحماية السوق، لكنها تجعل الهيئة كذلك مسؤولة مباشرة عن التوازن بين استمرار الصناعة وقدرة المواطنين على الشراء.

 

وتظل المعضلة الأساسية أن المواطن لا يشتري الدواء اختيارا، ولذلك فإن مقارنة العلاج بأي سلعة أخرى تتجاهل طبيعة السوق الصحية، حيث يمكن أن يتحول ارتفاع بسيط ومتكرر إلى عبء شهري ثقيل على مريض يحتاج عدة مستحضرات.

 

ولا يمكن قياس نجاح المنظومة الجديدة فقط بعدد المصانع المستمرة أو سرعة الموافقة على طلبات التسعير، بل يجب قياسه كذلك بعدد الأصناف المتاحة، واستقرار أسعارها، وقدرة أصحاب الدخول المحدودة على الحصول عليها دون التضحية باحتياجات أساسية أخرى.

 

وتضع الأرقام الحكومة أمام اختبار واضح بين شعار توطين صناعة الدواء والواقع الذي يقول إن نسبة ضخمة من مدخلاتها ما زالت مستوردة، وبين الحديث عن حماية المواطن وواقع سوق يتأثر بالدولار والتضخم والفائدة في آن واحد.

 

وإذا كانت المنظومة الجديدة ستمنع التقلبات اليومية وتخضع أي تحريك لمراجعات محددة، فإن الاختبار الأصعب سيبقى في قدرتها على وقف انتقال أزمات الاقتصاد إلى فاتورة المريض، وتحويل التوطين من نسب إنتاج معلنة إلى استقلال حقيقي للدواء المصري.