تعيش أسر سجناء الرأي واقعًا مختلفًا تفرضه عليهم سنوات الغياب والانتظار، إذ تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى محاولات مستمرة للتأقلم مع وجود أحد أفراد الأسرة خلف أسوار السجن. وبين أم تترقب عودة ابنها، وزوجة تنتظر زوجها، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم، تصبح الزيارة بالنسبة إلى هذه الأسر موعدًا يحمل مشاعر متناقضة؛ فرحة رؤية الغائب من جهة، وألم الإجراءات والانتظار من جهة أخرى.
ولا تنتهي معاناة الأهالي بمجرد الوصول إلى السجن، بل تبدأ في كثير من الأحيان منذ الوقوف أمام البوابات، حيث طوابير الانتظار والإجراءات التي تسبق الدخول، قبل أن تأتي لحظة اللقاء القصيرة التي ينتظرها أفراد الأسرة منذ الزيارة السابقة. وبعد انتهاء الزيارة، يعود كل شيء إلى نقطة البداية، انتظار جديد لا يعرف أصحابه متى ينتهي.
وتحمل كل أسرة تجربة مختلفة مع السجن والغياب، إلا أن القاسم المشترك بينها هو الشعور بأن الزمن يمضي بينما تظل حياة الأسرة معلقة بموعد الزيارة التالية. وفي حالة أسرة الصحفي حيدر قنديل، لا يتوقف أثر غيابه عند حدود الانتظار أمام بوابة السجن، بل يمتد إلى أطفاله، الذين يحاولون فهم سبب ابتعاد والدهم عنهم، خاصة ابنته الصغيرة التي لم تكمل عامها الخامس.
زيارة تحمل مشقة إضافية
يروي أحد أقارب الصحفي حيدر قنديل جانبًا من تفاصيل معاناة أسرته خلال فترة حبسه، موضحًا أن الزيارة نفسها أصبحت تجربة مرهقة، بسبب ما يصفه بمعاملة مختلفة عن تلك التي يلقاها بعض الزائرين الآخرين.
ويشير إلى أن الأسرة تضطر إلى الانتظار لفترات طويلة قبل السماح لها بالدخول، فيما يتم الاحتفاظ ببطاقات الزائرين مدة أطول من المعتاد، وهو ما يزيد من حالة التوتر التي يعيشها أفراد الأسرة خلال يوم الزيارة.
وبحسب روايته، فإن هذا الأمر لا يحدث بالطريقة نفسها مع بقية الأهالي، الأمر الذي يجعل الأسرة تشعر بأن عليها الانتظار أكثر من غيرها، دون معرفة سبب واضح لهذه الإجراءات.
ويقول قريب حيدر إن الزيارة تتم بصورة فردية، ولا يتم وضع أفراد الأسرة مع زائرين آخرين، بينما يظل الانتظار قبل الدخول هو الجزء الأكثر إرهاقًا بالنسبة إليهم.
وفي البداية، كانت مدة الزيارة أقل من المدة الحالية، قبل أن تصبح نحو نصف ساعة، وهي فترة تبدو قصيرة مقارنة بحجم الاشتياق الذي تحمله الأسرة، خصوصًا بالنسبة للأطفال الذين ينتظرون رؤية والدهم والتحدث إليه.
الانتظار أصعب من التفتيش
ورغم أن زيارة السجن تتضمن بطبيعتها إجراءات تفتيش وانتظار، فإن قريب حيدر يؤكد أن هذه الإجراءات ليست أكثر ما يرهق الأسرة.
ويصف الاحتفاظ ببطاقات الزائرين والانتظار لفترات طويلة قبل الدخول بأنها من أكثر الأمور غرابة بالنسبة لهم، معتبرًا أن المشكلة الأساسية لا تتمثل في التفتيش أو الإجراءات التي تتم داخل مكان الزيارة، وإنما في الوقت الذي تقضيه الأسرة قبل الوصول إلى حيدر.
وهذا الانتظار لا يُقاس فقط بعدد الدقائق أو الساعات التي تمر أمام بوابة السجن، وإنما بما تحمله تلك الفترة من قلق وتوتر، إذ تظل الأسرة غير متأكدة من موعد الدخول، بينما يكون هدفها الوحيد هو الوصول إلى لحظة اللقاء.
وتصبح الزيارة في هذه الحالة اختبارًا جديدًا لقدرة الأسرة على التحمل، خصوصًا مع تكرار التجربة في كل مرة، وانتقال المشاعر من الاشتياق إلى القلق، ثم إلى الارتياح المؤقت عند رؤية حيدر، قبل أن يعود الألم مجددًا مع انتهاء الزيارة.
غياب الأب يربك الأطفال
لكن الجانب الأكثر قسوة في تجربة الأسرة، وفق رواية قريبه، يتعلق بالأطفال الذين يعيشون تفاصيل غياب والدهم بطريقة تختلف عن الكبار.
ويشير إلى أن أبناء حيدر تأثروا بشدة بغيابه، إلا أن الابنة الصغيرة تواجه صعوبة أكبر في استيعاب ما يحدث، خاصة أنها لم تبلغ عامها الخامس بعد، ولا تزال غير قادرة على فهم معنى أن يكون والدها بعيدًا عنها لفترة طويلة.
فالطفلة لا تنظر إلى الأمر من زاوية الإجراءات أو ظروف القضية، وإنما تتعامل معه بمنطق الطفل الذي يريد والده إلى جواره. ولهذا تحاول الأسرة البحث عن طرق بسيطة لتعويض جزء من هذا الغياب، رغم إدراكها أن أي وسيلة لن تستطيع أن تحل محل وجود الأب نفسه.
ويحكي قريب الأسرة أن الطفلة عندما تركب وسيلة مواصلات، قد تقول إنها ستذهب إلى والدها، في تعبير يعكس مدى تعلقها به وعدم قدرتها على فهم سبب ابتعاده عنها.
وتكشف هذه التفاصيل عن جانب مختلف من آثار السجن، يتجاوز الشخص المحتجز نفسه ليصل إلى أفراد أسرته، وخاصة الأطفال الذين تتشكل ذاكرتهم وطفولتهم في ظل غياب أحد الوالدين.
محاولات لتعويض غياب حيدر
تحاول الأسرة التعامل مع الوضع بما يتاح لها من وسائل، وتبحث عن طرق تساعد الطفلة على التواصل مع والدها والتخفيف من أثر غيابه.
ويقول قريبه إنهم يطلبون منها الاتصال بحيدر، كما يحاولون أحيانًا الاستعانة بعمها للحديث معها بطريقة تشبه حديث والدها إليها، في محاولة لخلق حالة من التواصل تساعدها على تحمل غيابه.
ورغم بساطة هذه المحاولات، فإنها تكشف حجم الفراغ الذي تركه غياب حيدر داخل المنزل. فوجود الأب بالنسبة لطفلة في هذا العمر لا يرتبط فقط بالحديث معه، وإنما بالحضور اليومي والتفاصيل الصغيرة التي يصعب تعويضها بالاتصالات أو الزيارات المحدودة.
ويصف قريب الأسرة الوضع بأنه "مأساوي"، في ظل استمرار الغياب وعدم قدرة الطفلة على إدراك أسبابه، بينما تحاول الأسرة من حولها حماية مشاعرها قدر الإمكان.
الابن الأكبر يفهم الغياب
ويختلف تأثير غياب حيدر على أطفاله بحسب أعمارهم وقدرتهم على استيعاب ما يحدث.
فوفق رواية قريبه، أصبح الابن الأكبر أكثر قدرة على فهم الوضع والتعامل معه، إذ بات يدرك إلى حد ما سبب ابتعاد والده، ويمكنه استيعاب فكرة أن وجوده خارج المنزل مرتبط بظروف لا يستطيع تغييرها.
لكن هذه القدرة على الفهم لا تعني أن الغياب أصبح سهلًا عليه، وإنما تمنحه فقط مساحة أكبر للتعامل مع الواقع مقارنة بشقيقته الصغيرة.
أما الطفلة، فلا تزال في مرحلة عمرية تجعلها تنظر إلى العالم من خلال احتياجاتها المباشرة، ولذلك يظل السؤال بالنسبة إليها بسيطًا: أين أبي؟ ولماذا لا يأتي إلى المنزل؟
حياة معلقة بين زيارة وأخرى
تختصر تجربة أسرة حيدر قنديل جانبًا من المعاناة التي تعيشها أسر المحتجزين، حيث لا يتوقف الألم عند حدود الشخص الموجود خلف القضبان، بل يمتد إلى أفراد أسرته الذين يواصلون حياتهم في الخارج وهم يحملون أثر غيابه في تفاصيل يومهم.
فالزيارة، التي يفترض أن تكون فرصة للقاء والاطمئنان، تتحول أحيانًا إلى رحلة طويلة من الانتظار والإجراءات، ثم إلى دقائق محدودة من التواصل، قبل أن تنتهي ويبدأ العد التنازلي للموعد التالي.
وفي حالة الأطفال، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا، لأن السنوات التي تمر بعيدًا عن الأب لا يمكن استعادتها بسهولة. فالطفلة التي تبحث عن والدها في كل رحلة، وتعتقد أن ركوب وسيلة مواصلات قد يقودها إليه، لا تعرف سوى أنها تريد وجوده بجانبها.
وبينما يستطيع الكبار التعبير عن مشاعرهم بالكلمات، يترجم الأطفال افتقادهم إلى أسئلة وتصرفات يومية تكشف حجم الفراغ الذي تركه الغائب.
لهذا، لا تبدو معاناة أسرة حيدر قنديل مرتبطة فقط بطول فترة الغياب، وإنما بما يتركه هذا الغياب من آثار مستمرة على الأسرة، وعلى علاقتها بالوقت والانتظار والزيارة. فكل موعد لا يمثل نهاية للمعاناة، بل محطة قصيرة في مسار طويل، ينتهي فيها اللقاء لتبدأ مرحلة جديدة من الترقب.
وفي النهاية، تظل الأسرة عالقة بين لحظتين؛ لحظة تنتظر فيها فتح أبواب الزيارة، ولحظة أخرى تنتظر فيها عودة الغائب إلى منزله، وبينهما حياة كاملة تستمر، لكن منقوصة من أحد أهم أفرادها.

