يواجه المصريون احتمال موجة جديدة من غلاء الوقود، بعد نحو ستة أشهر من زيادات مارس القاسية، بينما يضغط اضطراب أسواق النفط على الموازنة، ويعيد طرح السؤال الأكثر إلحاحًا: من يدفع الثمن؟.
تتصاعد المخاوف مع اقتراب مراجعة الأسعار، فيما تعجز دخول أسر كثيرة عن ملاحقة تكاليف المعيشة، لتصبح احتمالات الزيادة اختبارًا لسياسات حكومة مطالبة بحماية المواطنين، لا الاكتفاء بشرح أسباب تحميلهم أعباء إضافية.
فجوة الموازنة تلاحق جيوب المصريين
تستند المخاوف إلى الفارق بين تقدير النفط عند 75 دولارًا للبرميل في موازنة 2026-2027، بحسب تصريحات طارق توفيق، واحتمال وصوله إلى 120 دولارًا، إذا استمرت تداعيات الحرب واضطرابات الإمدادات الإقليمية.
يعني تحقق هذا السيناريو تجاوز السعر المفترض بنحو 45 دولارًا للبرميل، لكنه لا يعني أن الرقم نفسه يمثل دعمًا حكوميًا مباشرًا لكل برميل، فالحساب يتوقف على تفاصيل الإنتاج والاستيراد والتكرير والتسعير.
ولا تسمح هذه الفجوة وحدها بتحديد نسبة زيادة محلية محتملة، لأن تكلفة المنتجات النهائية تتأثر أيضًا بسعر الصرف والشحن والتأمين، فضلًا عن القرارات الحكومية المتعلقة بتوزيع الأعباء بين الخزانة العامة والمستهلكين.
لكن اختزال الأزمة في ارتفاع النفط يمنح السياسات الداخلية إعفاءً غير مستحق من المساءلة، فالحكومة لا تتحكم في الحرب، لكنها تتحمل مسؤولية الاستعداد للصدمات، وترتيب الإنفاق، وتحديد الفئات التي تتحمل كلفتها.
ويقدم طارق توفيق، وكيل اتحاد الصناعات، نقدًا يتجاوز أسعار الوقود، إذ يرى أن الاعتماد على التدفقات المالية والاقتراض، بدلًا من قاعدة إنتاجية قوية، يجعل الاقتصاد المصري أكثر تعرضًا للصدمات الخارجية الحادة.
وطالب توفيق الحكومة بتغييرات هيكلية تعزز التصنيع والإنتاج، بدل الاعتماد على الاقتراض وصفقات بيع الأصول، وهو طرح يضع اختيارات إدارة الاقتصاد في قلب الأزمة، ويعارض الاكتفاء بمعالجة نتائجها المالية الآنية.
وتكشف هذه القراءة حدود الرهان على تحسن السيولة باعتباره ضمانة للاستقرار، إذ تستطيع موجة ارتفاع في تكلفة الواردات الضغط على الموارد المتاحة، إذا لم يرافقها نمو مستدام في الإنتاج والصادرات.
ويصبح السؤال الموجه للحكومة أكثر تحديدًا: ما البدائل التي درستها قبل العودة إلى جيب المستهلك، وما حجم الوفورات الممكنة من مراجعة أولويات الإنفاق، مقارنة بالعائد المتوقع من زيادة أسعار المحروقات؟.
وتقتضي المحاسبة نشر تقديرات واضحة لتكلفة السيناريوهات المختلفة، وحجم العبء الذي ستتحمله الدولة، ونصيب المستهلك المقترح، حتى لا تتحول عبارة الظروف الاستثنائية إلى تبرير مفتوح لقرارات تمس حياة الملايين اليومية.
أكتوبر يختبر مصداقية وعود التثبيت
تتجه الأنظار إلى أكتوبر، لكن اقتراب الشهر لا يساوي صدور قرار بالزيادة، فعودة المراجعة الدورية تعني تقييم التكلفة، وتظل النتيجة مرتبطة بما تعلنه الجهات المختصة، لا بما يتداول من توقعات.
وبحسب تصريحات رئيس وزراء الإنقلاب مصطفى مدبولي، تشمل المراجعة متوسطات الفترة من يوليو إلى سبتمبر، مع اجتماع مرتقب للجنة في الأسبوع الأخير من سبتمبر، وليس احتساب تغيرات يومية منفردة في السوق.
وتقول الحكومة إن استئناف عمل اللجنة لا يعني زيادة فورية، وإن القرارات تستند إلى متوسطات التكلفة، غير أن هذه التطمينات تحتاج إلى شفافية تمنح المواطنين قدرة فعلية على فهم القرار ومراجعته.
وتثقل زيادة مارس هذا الانتظار، بعدما وصلت نسبة الرفع إلى 30% في بعض المنتجات، لتترك أثرًا يتجاوز قيمة الزيادة نفسها، ويمتد إلى الثقة في الحدود التي يفترض أن تضبط القرارات.
ولا تعني تلك السابقة أن زيادة مماثلة ستتكرر حتمًا، لكنها تجعل المطالبة بضمانات معلنة أمرًا مشروعًا، خصوصًا حين تصبح الاستثناءات جزءًا من تجربة الأسر مع أسعار يصعب توقع مسارها لاحقًا.
وفي انتقاد سابق لقرار مارس، اعتبر جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد ووزير التضامن الاجتماعي الأسبق، أن الحكومة تعجلت القرار، وأن تبريراته افتقرت إلى عرض كافٍ للأرقام والتحليلات والدراسات أمام المواطنين.
وتكتسب ملاحظته أهمية عند مناقشة أي مراجعة جديدة، فالمطلوب ليس إعلان أن التكلفة ارتفعت فحسب، وإنما تفسير توقيت التدخل، ومقداره، والبدائل المستبعدة، وأثر كل خيار على التضخم والدخول والإنفاق الضروري.
ومن دون هذه المعلومات، يظل المواطن مطالبًا بالثقة في حسابات لا يراها، بينما يتحمل نتائجها فورًا، وتبقى قدرة البرلمان والرأي العام على تقييم عدالة القرار محدودة بغياب التفاصيل المنشورة الكافية.
ويحتاج أي خروج استثنائي عن ضوابط التسعير إلى بيان أساسه وأسبابه ومدته، لأن القاعدة التي يمكن تجاوزها دون تفسير تفقد قيمتها كضمانة، وتترك الأسر أمام التزامات معيشية تتغير بلا استعداد.
الغلاء ينتقل إلى موائد الأسر
تبدأ آثار الوقود من محطة التموين، لكنها تصل إلى أجرة المواصلات وتكلفة نقل الغذاء وتشغيل الأنشطة الصغيرة، ولذلك قد يدفع المواطن ثمن الزيادة حتى إذا لم يمتلك سيارة من الأساس.
ويكتسب السولار حساسية خاصة لاتصاله بنقل البضائع والركاب وأنشطة إنتاجية متعددة، ما يجعل تعديل سعره مؤثرًا في سلاسل التكلفة، مع اختلاف حجم انتقال الزيادة إلى المستهلك بحسب القطاع والمنافسة والرقابة.
ولا ترتفع جميع السلع بالنسبة نفسها تلقائيًا، غير أن تعدد حلقات النقل والتوزيع قد يراكم الأعباء، ويتيح تمرير زيادات يصعب على المشتري تمييز المبرر منها عن الاستغلال التجاري لأجواء القلق.
وفي اعتراضها على زيادة مارس، حذرت يمن الحماقي، أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، من الإضرار بالمنتج والمستهلك وزعزعة استقرار السوق، وتساءلت عن استعجال القرار وإمكانية خفض الأسعار بعد انتهاء الحرب.
ويضع هذا التساؤل عدالة التسعير أمام اختبار مباشر: هل تتحرك الأسعار المحلية نزولًا عندما تنخفض التكلفة، وبالوضوح نفسه الذي يصاحب رفعها، أم تظل الأسر محاصرة بمستويات إنفاق يصعب التراجع عنها؟.
وتظهر قسوة الزيادة المحتملة في ميزانية الأسرة محدودة الدخل، حيث تستحوذ الضروريات على معظم الموارد، ويعني ارتفاع الانتقالات والغذاء اقتطاع مبالغ من احتياجات أساسية أخرى، أو اللجوء إلى الاستدانة لتغطيتها.
ولا تكفي مطالبة المواطنين بترشيد الاستهلاك حين يتعلق الأمر برحلة العمل أو نقل الأطفال أو شراء الطعام، فهذه نفقات يصعب إلغاؤها، وتقليصها قد يحمل تكلفة اجتماعية تتجاوز الوفر المالي المباشر.
وتقتضي الحماية الفعلية أن تسبق الإجراءات التعويضية أي زيادة محتملة، وأن تشمل المتضررين خارج الوظائف الحكومية، مع دعم النقل الجماعي وتشديد الرقابة على التعريفات، وإعلان قنوات شكاوى تستجيب للمخالفات بسرعة.
ويظل ارتفاع النفط تحديًا حقيقيًا، لكنه لا يحسم وحده طريقة توزيع الخسائر، فقبل مطالبة المصريين بدفع فاتورة جديدة، يتعين على الحكومة إثبات أنها استنفدت بدائلها، وأن حماية المعيشة تتقدم أولوياتها.

