يكشف ارتفاع الدولار مجدداً فوق 52 جنيهاً عن هشاشة الاستقرار الذي تراهن عليه الحكومة، بينما يواجه المصريون احتمال انتقال ضغوط العملة إلى الأسعار، رغم تحسن الاحتياطيات وتزايد تحويلات العاملين بالخارج.
يفرض استمرار صعود العملة الأميركية، خلال تعاملات الأربعاء 16 سبتمبر، سؤالاً يتجاوز شاشات البنوك: لماذا تظل معيشة المواطنين مكشوفة لتقلبات المستثمرين الأجانب، بعدما تحملوا بالفعل كلفة موجات متتالية من انخفاض الجنيه؟.
الأموال الساخنة تفضح هشاشة الاستقرار
بلغ أعلى سعر للدولار، وفق البيانات الواردة بالتقرير، 52.15 جنيه للشراء و52.25 جنيه للبيع لدى بنك بيت التمويل الكويتي، لتستمر العملة الأميركية فوق مستوى تجاوزته الثلاثاء للمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر.
وسجل الدولار في بنوك الأهلي المصري ومصر والمصرف العربي 52.11 جنيه للشراء و52.21 جنيه للبيع، بينما بلغ لدى البنك المركزي 52 جنيهاً للشراء و52.13 جنيه للبيع، بما يعكس اتساع نطاق الضغوط.
جاء الارتفاع رغم تسجيل تعاملات العرب والأجانب بالسوق الثانوية للدين الحكومي صافي شراء بلغ 463 مليون دولار الثلاثاء، وهو ما يضع حدوداً واضحة للاعتقاد بأن عودة المستثمرين تكفي وحدها لتهدئة العملة.
وسبق هذه العودة صافي بيع بقيمة 418 مليون دولار الاثنين، و106 ملايين الخميس الماضي، لتظهر حركة الأموال خلال أيام قليلة كيف يمكن أن تتبدل اتجاهات الاستثمار سريعاً دون ارتباط مباشر بتحسن الإنتاج.
ولا يعني صافي التداول في السوق الثانوية انتقال القيمة نفسها فوراً عبر سوق الصرف، لكنه يكشف تبدل شهية المستثمرين، ويؤكد ضرورة تجنب اختزال حركة الدولار في رقم يومي واحد للشراء أو البيع.
وحذر هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، في تصريحات سابقة خلال يوليو، من الاحتفاء بانخفاض الدولار حين يكون مدفوعاً بالأموال الساخنة، موضحاً أن السيولة المؤقتة تأتي بتكلفة مرتفعة ترتبط بأسعار الفائدة العالية.
وأشار توفيق إلى أن التحسن الأكثر متانة ينبغي أن يستند إلى زيادة الصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر، معتبراً أن الاعتماد على تدفقات المحافظ قد يرتب ضغوطاً لاحقة على ميزان المدفوعات وقوة الجنيه.
ويصيب هذا الانتقاد جوهر الرهان الحكومي: فاجتذاب الدولار لشراء أدوات الدين لا يساوي بناء قدرة دائمة على كسبه، كما أن ارتفاع الطلب على الأذون لا يمثل شهادة مكتملة على تعافي الاقتصاد.
وتصبح المشكلة أشد حين تتحول التدفقات المؤقتة إلى مبرر لتأجيل الإصلاح الإنتاجي، فتستفيد الدولة من التمويل العاجل، بينما يبقى المواطن معرضاً لتداعيات انسحاب المستثمر الذي يستطيع تغيير وجهته خلال ساعات.
الاحتياطي يرتفع والحماية تظل ناقصة
ارتفع صافي الاحتياطيات الأجنبية، بحسب البيانات المنقولة عن البنك المركزي في المادة المقدمة، إلى نحو 57.22 مليار دولار بنهاية أغسطس، مقابل 56.3 مليار في يوليو، مسجلاً مستوى قياسياً جديداً للبلاد.
ويمثل ارتفاع الاحتياطي تطوراً إيجابياً، لكنه لا يلغي الحاجة إلى فحص الالتزامات الخارجية ومواعيد سدادها ومصادر تدفق النقد الأجنبي، لأن قوة الحماية لا تقاس بحجم الرصيد منفرداً عن الضغوط المحيطة به.
ولا يثبت صعود الدولار، بمفرده، عجز البنك المركزي عن إدارة السوق، لكنه يبدد التصور بأن الرقم القياسي للاحتياطي يضمن تلقائياً استقرار الجنيه، أو يعفي الحكومة من معالجة أسباب الطلب المتكرر على العملة.
وانتقد جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين السابق، في تصريحات سابقة خلال سبتمبر 2025، أسس السياسة الاقتصادية، مطالباً بوضع ضوابط لحركة الأموال الساخنة بدلاً من التسابق المستمر لاجتذابها.
وأوضح عبد الخالق أن الجمع بين استقرار سعر الصرف وحرية حركة رؤوس الأموال واستقلال السياسة النقدية لا يمكن ضمانه بالكامل، مشيراً إلى أن اختيار الحكومة لهذه الأهداف يستلزم الاعتراف بالتعارض بينها.
ويرى عبد الخالق أن تنظيم دخول الأموال وخروجها يوسع مساحة استقلال القرار النقدي، ويحد من الاضطرار لملاحقة الفائدة الأميركية، وهو طرح ينتقد ترك السياسة الاقتصادية شديدة الحساسية لتحركات المستثمرين الأجانب.
وتفتح هذه الرؤية نقاشاً ضرورياً حول الثمن الذي تدفعه الموازنة لجذب التمويل؛ فالفائدة المرتفعة قد تدعم الإقبال على أدوات الدين، لكنها تزيد أيضاً كلفة الاقتراض وتضيق المساحة المتاحة للإنفاق العام.
وأي ضوابط مقترحة تحتاج تصميماً واضحاً يراعي الثقة والالتزامات القائمة، لكن صعوبة التنفيذ لا تبرر تجاهل المشكلة، أو الاستمرار في تقديم كل موجة شراء أجنبية باعتبارها انتصاراً اقتصادياً مكتمل الأركان.
فالمطلوب من الحكومة إعلان مقياس للاستقرار يتجاوز الاحتياطي وسعر الدولار اليومي، ويشمل عبء خدمة الدين وقدرة الاقتصاد على توليد العملة، ومدى تحسن الدخول الحقيقية بعد احتساب الزيادة في أسعار المعيشة.
المواطن يدفع كلفة غياب الإنتاج
بلغت تحويلات المصريين بالخارج، وفق الأرقام الواردة بالمادة المقدمة، 47.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 36.5 مليار في العام السابق، بزيادة 29.6%، وهو دعم كبير لتوافر النقد الأجنبي.
ووصلت التحويلات خلال يونيو إلى نحو 4.2 مليار دولار، بنمو 15.6%، بينما بلغت حصيلة عام 2025 نحو 41.5 مليار دولار، مقابل 29.6 مليار في 2024، بما يؤكد اتساع مساهمة العاملين بالخارج.
لكن هذه الموارد، رغم أهميتها، لا تعفي الحكومة من مسؤولية تطوير الإنتاج المحلي، ولا يجوز التعامل مع استمرار تحويلات المغتربين باعتباره ضمانة تعوض بلا نهاية الضغوط الناتجة عن الاستيراد والالتزامات الخارجية.
وأكد مدحت نافع، الخبير الاقتصادي وعضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد في جامعة القاهرة، في تصريحات سابقة خلال فبراير، أن الاستقرار طويل الأجل لسعر الصرف يرتبط بتقليص العجز التجاري وتحسين موارد النقد الأجنبي.
وحذر نافع من أن الأموال الساخنة تتحرك سريعاً بحثاً عن فروق العائد، وأن الاعتماد الكبير عليها لاستقرار العملة يثير القلق، مع إقراره بأن تحركات الصرف يمكن أن تعكس أيضاً طلباً موسمياً.
وتضع هذه القراءة التركيز الحكومي على التمويل أمام نقد أساسي: فمرونة الصرف تستطيع استيعاب تغيرات السوق، لكنها لا تنتج سلعاً قابلة للتصدير، ولا تخفض تلقائياً احتياجات المصانع من المكونات المستوردة.
وحين يرتفع الدولار، قد تزيد كلفة المدخلات والسلع المستوردة، ثم تنتقل بدرجات متفاوتة إلى المستهلك، تبعاً للمخزون والمنافسة والتسعير، ولذلك لا تعني زيادة العملة ارتفاع جميع الأسعار فوراً أو بالنسبة نفسها.
غير أن الأسر محدودة الدخل تملك قدرة أضعف على امتصاص أي زيادات جديدة، خصوصاً عندما تتأخر الأجور عن الأسعار، وتتحول مواجهة التقلبات الاقتصادية إلى اقتطاع متكرر من الغذاء والعلاج والتعليم.
ويبدأ تصحيح المسار بإخضاع الإنفاق العام لأولويات الإنتاج والعائد الاقتصادي، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للمصنعين والمصدرين، وتقليل العقبات أمام الاستثمار، بدلاً من تحميل الفائدة وسعر الصرف وحدهما مهمة إدارة الاختلالات المزمنة.
ويظل الاختبار الحقيقي للحكومة قدرتها على تحويل الموارد الدولارية المتزايدة إلى اقتصاد أقل تعرضاً للصدمات، لأن نجاح السياسة الاقتصادية لا يقاس بعودة الأموال الساخنة صباحاً، بل بقدرة المواطنين على تحمل حياتهم غداً.

