يضيق الخناق على سوق المحمول في مصر، مع ارتفاع تكلفة شرائح الذاكرة عالميًا، بينما تضاعف الأعباء المحلية معاناة المستهلك، وتضع السياسات الحكومية أمام اختبار حقيقي: حماية الصناعة أم حماية قدرة المواطنين على الشراء؟

 

وتكشف الأزمة حدود التعويل على التصنيع المحلي وحده لاحتواء الأسعار، حين تظل المكونات مستوردة، وتستمر الضغوط الضريبية، ويتحمل المواطن فاتورة تتضخم مع كل حلقة تجارية، حتى يصبح استبدال هاتفه عبئًا يصعب احتماله.

 

 

الرامات تشتعل والضرائب تضاعف الأزمة

 

قال المهندس محمد طلعت، رئيس شعبة الاتصالات والمحمول باتحاد الغرف التجارية، في تصريحات تلفزيونية خلال سبتمبر، إن أسعار الهواتف ترتفع أسبوعيًا بسبب أزمة الرامات، بالتزامن مع تراجع المبيعات داخل السوق المصرية.

 

ولم يحصر طلعت المشكلة في المكونات العالمية؛ إذ انتقد مستوى الرسوم الذي أشار إلى بلوغه 38.5%، وطالب بمراجعة الضريبة وضبط التسعير، في اعتراف واضح بأن الفاتورة المحلية تحتاج تدخلًا يتجاوز انتظار الأسواق الدولية.

 

وتضع هذه المطالبة الحكومة أمام سؤال مباشر: لماذا يُطلب من المستهلك تحمل الصدمة العالمية كاملة، ثم تحمل الأعباء المحلية فوقها، بينما يفترض أن تتحرك السياسة الاقتصادية لتخفيف انتقال الأزمات إلى الأسواق؟

 

وبحسب تفسير طلعت، تتجه شركات المكونات إلى المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الأعلى ربحية، بما يضغط على مكونات الهواتف، ويزيد صعوبة الحفاظ على الأسعار السابقة، حتى بالنسبة للأجهزة التي يجري تصنيعها محليًا.

 

لكن الاستناد إلى أزمة الرامات وحدها يقدم تفسيرًا ناقصًا للغلاء؛ فالسعر النهائي يتأثر كذلك بالنقل والتوزيع والاستيراد وسعر الصرف، ولا يمكن تقييم عدالة الزيادة دون توضيح وزن كل عنصر في التكلفة.

 

ومن هنا، تبدو المطالبة بالشفافية ضرورة عملية؛ إذ يحتاج المستهلك إلى تفسير قابل للفحص، يميز بين زيادة فعلية في تكلفة المكونات، وزيادات أخرى في السعر النهائي تحتاج إلى تبرير مستقل وواضح.

 

ولا تعني الرقابة الفعالة فرض سعر موحد على جميع الأجهزة، وإنما التحقق من الممارسات المخالفة، وإتاحة المقارنة، ومنع التضليل، وضمان ألا تتحول صعوبة السوق إلى مساحة مفتوحة لتمرير زيادات غير مبررة.

 

ويزداد الضغط حين يفقد المستهلك القدرة على التخطيط للشراء؛ فالزيادات المتقاربة تدفعه إلى التأجيل أو خفض المواصفات المطلوبة، وهو سلوك قد يعمق الركود، ويجعل استعادة حركة المبيعات أكثر صعوبة مع الوقت.

 

والنتيجة المحتملة أن يصبح الهاتف المناسب للعمل أو الدراسة أبعد عن متناول شرائح أوسع، بينما تتراجع جدوى الحديث عن التحول الرقمي إذا كانت أدوات الوصول إليه تستنزف ميزانيات الأسر بهذا الشكل.

 

 

حماية الصناعة على حساب المواطن

 

وفي انتقاد مباشر لمنطق الرسوم، قال المهندس وليد رمضان، نائب رئيس شعبة الاتصالات والمحمول، خلال تصريحات تلفزيونية في يناير، إن الأعباء المرتفعة توسع الفجوة السعرية مع الخارج، بما يعزز دوافع التهريب.

 

واعترض رمضان على تقديم حماية الصناعة المحلية مبررًا شاملًا للرسوم، مستشهدًا بهواتف لا تمتلك شركاتها مصانع داخل مصر، ومعتبرًا أن الحماية في تلك الحالة تصب في مصلحة الموزع والتاجر أكثر من التصنيع.

 

ويفتح هذا الرأي نقاشًا حول عدالة تصميم السياسات؛ فدعم الإنتاج المحلي هدف مشروع، لكن تحميل المشترين تكلفة مرتفعة يحتاج نتائج قابلة للقياس، تشمل أسعارًا تنافسية وجودة مناسبة وقيمة مضافة داخل الاقتصاد.

 

أما الاكتفاء برفع كلفة البديل المستورد، فلا يكفي وحده لإثبات نجاح التصنيع؛ إذ قد تصبح المنافسة أضعف إذا لم تقترن الحماية بمعايير أداء واضحة، ومراجعة دورية لأثرها على الأسعار والمستهلكين.

 

وفي مقترحات أعلنها خلال مارس، دعا رمضان إلى إلغاء الضرائب والرسوم على مستلزمات إنتاج مصانع المحمول، بما يساعد على خفض تكلفة الأجهزة المحلية، ويمنحها فرصة أوسع للمنافسة في الأسواق الخارجية.

 

كما اقترح إعفاءً منضبطًا لهواتف المسافرين، مرتبطًا بالهوية وقيود مؤقتة على البيع، إلى جانب لجنة لمتابعة الأسعار؛ وهي مقترحات تعكس إمكانية الجمع بين مكافحة الاتجار غير المنظم وتخفيف العبء عن المستخدم.

 

وهذه البدائل تضعف اختزال النقاش في الاختيار بين الرسوم المرتفعة والفوضى؛ فهناك أدوات تنظيمية يمكن مناقشتها واختبارها، بدل التعامل مع زيادة التكلفة على المواطن باعتبارها المدخل الوحيد لضبط سوق الهواتف.

 

وعندما تتسع الفجوة بين دخل الأسرة وسعر الجهاز، قد يتحول التقسيط إلى وسيلة لتمويل الضرورة، بما يضيف التزامًا شهريًا جديدًا، ويجعل المقارنة بين السعر النقدي والتكلفة الإجمالية أكثر أهمية للمشتري.

 

وعلى الحكومة أن تقدم تفسيرًا اقتصاديًا واضحًا لكل عبء تفرضه، وأن تنشر تقييمًا لنتائجه؛ فاستمرار السياسة لا يثبت نجاحها، كما أن إعلان حماية الصناعة لا يعفيها من اختبار المنفعة العامة.

 

 

حوافز المصانع تستدعي مساءلة الحكومة

 

من جهته، انتقد محمد هداية الحداد، رئيس شعبة تجار المحمول بغرفة الجيزة التجارية وعضو مجلس إدارة الغرفة، في بيان خلال يناير، سياسات تسعير الشركات المحلية، رغم حصولها على حوافز حكومية.

 

وأشار الحداد إلى زيادات أعلنتها شركات منتجة محليًا وسط ركود السوق، وطالب بأسعار عادلة، وبمتابعة من جهازي حماية المنافسة وحماية المستهلك، بما يربط تشجيع الصناعة بحماية المشترين من الأعباء المتزايدة.

 

وجدد مطالبته بإخراج المحمول من قوائم السلع الترفيهية لتخفيف العبء الجمركي، مؤكدًا أهميته للتعليم؛ وهو موقف يرفض التعامل مع جهاز تعتمد عليه احتياجات يومية متزايدة باعتباره رفاهية يمكن الاستغناء عنها.

 

وتكشف هذه الانتقادات جوهر المساءلة المطلوبة: ما الذي يحصل عليه المستهلك مقابل الحوافز الممنوحة للمصانع؟ وكيف تقيس الحكومة انتقال أثر الدعم إلى السعر والجودة وخدمات الضمان وتوافر الأجهزة الاقتصادية في السوق؟

 

ولا تثبت زيادة الأسعار وحدها وجود احتكار أو مخالفة، لكنها تبرر طلب بيانات أوضح عن التكلفة والمنافسة، خصوصًا عندما تقترن بحماية للسوق وحوافز يفترض أن تحقق منفعة اقتصادية تتجاوز أرباح الشركات.

 

أما التجار، فيواجهون معادلة قاسية؛ فشراء مخزون جديد يحتاج سيولة أكبر، والاحتفاظ بالأجهزة طويلًا يرفع مخاطر تقادمها، بينما قد يؤدي تقليص هامش الربح إلى إضعاف قدرتهم على تغطية المصروفات الثابتة.

 

وقد يدفع استمرار الغلاء مشترين إلى الأجهزة المستعملة والمجددة، أو إلى إصلاح هواتفهم الحالية، بما يطيل دورة الاستبدال، ويزيد الضغط على مبيعات الجديد، دون أن يعني ذلك انتهاء حاجتهم إلى أجهزة مناسبة.

 

ويحتاج هذا التحول بدوره إلى حماية واضحة للمشتري، تشمل الإفصاح عن حالة الجهاز وضمانه وتاريخ إصلاحه، حتى لا ينتقل المستهلك من ضغط الأسعار المرتفعة إلى خسائر ناتجة عن معلومات ناقصة.

 

وتبدأ الاستجابة الجادة بمراجعة الأعباء المحلية، وإعلان أثر حوافز التصنيع، وتعزيز المنافسة، ونشر بيانات دورية عن المبيعات والأسعار؛ فغياب الأرقام التفصيلية يترك النقاش أسير تقديرات متفرقة ويضعف القدرة على محاسبة المسؤولين.

 

أزمة الرامات لا تمنح الحكومة إعفاءً من المسؤولية؛ فالمطلوب إدارة أثر الصدمة، ومراجعة القرارات التي تضاعفها، وإثبات أن توطين الصناعة يخدم المواطن، بدل مطالبته بتمويل الحماية ثم قبول الغلاء نتيجة دائمة.