تواجه السعودية اختبارًا أمنيًا متصاعدًا مع اتساع المواجهات في اليمن وتقدم الحوثيين قرب مضيق باب المندب، بينما تعيد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة طرح أسئلة بشأن قدرة الرياض على حماية مدنها ومنشآتها دون حرب شاملة.
وتتداخل التطورات الميدانية مع اضطراب مسارات تصدير النفط واتساع إنذارات الطوارئ داخل المملكة، في مشهد تتجاوز تداعياته الحدود اليمنية، ويضع الخيارات العسكرية والسياسية أمام كلفة متزايدة، وسط مخاوف من انفجار إقليمي أوسع.
تصعيد عسكري يوسع دائرة الخطر
أعلن الحوثيون تعرض مناطق يمنية إلى 54 غارة جوية سعودية خلال أربع وعشرين ساعة، في تصعيد جاء بالتزامن مع تقدم الجماعة على الساحل الغربي، وورود تقارير عن سيطرتها على جزيرة بريم ومدينة المخا ومينائها.
ويمنح الاقتراب من باب المندب الجماعة موقعًا بالغ الحساسية، لأن المضيق يرتبط بحركة التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر، ما يجعل تبدل السيطرة حوله عامل ضغط يتجاوز موازين القتال باليمن.
وفي المقابل، أعلنت السلطات السعودية إصابة 13 مدنيًا جراء هجمات استهدفت خميس مشيط وأبها والطائف، فيما تحدث المتحدث باسم التحالف، تركي المالكي، عن تضرر سبعة منازل ومركبتين، وإصابات تراوحت بين البسيطة والمتوسطة.
وقال المالكي، الثلاثاء 15 سبتمبر، إن الهجمات نُفذت بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، مؤكدًا أن التحالف سيتخذ إجراءات لحماية المدنيين والمنشآت، في موقف يعكس تمسك الرياض بحق الرد مع استمرار حسابات احتواء التصعيد.
واتسعت تحذيرات الدفاع المدني السعودي لتشمل ينبع وجدة والطائف وأبها وجازان والعلا، قبل إعلان زوال الخطر، بعدما تركزت التحذيرات السابقة في مدن جنوبية، بينها نجران وخميس مشيط، خلال موجات الإنذار الأخيرة.
ولا يعني صدور الإنذارات بالضرورة وقوع إصابات أو أضرار في كل مدينة شملتها التحذيرات، لكنه يكشف اتساع نطاق الاستنفار، ويزيد الأعباء المرتبطة بحماية السكان والمنشآت الحيوية على امتداد مناطق متباعدة داخل المملكة.
ويرى محمد الباشا، الخبير في الشأن اليمني ومحلل المخاطر، أن مؤشرات احتمال تنفيذ رد سعودي واسع تتزايد، معتبرًا أن هامش الخيارات يضيق مع استمرار الضغط العسكري وتنامي قدرة الحوثيين على تهديد المصالح السعودية.
غير أن التفوق التسليحي السعودي لا يحسم وحده نتائج المواجهة؛ فتجربة الحرب أظهرت قدرة الجماعة على الصمود واستخدام وسائل هجومية أقل كلفة، وهو ما يجعل استعادة الردع مهمة تتجاوز زيادة الغارات الجوية.
كما يظل تأمين الموانئ والطرق الساحلية عنصرًا حاسمًا في حسابات الأطراف، لأن استمرار القتال قربها قد يعرقل حركة الإمدادات ويزيد معاناة السكان في المناطق المحيطة.
منشآت النفط تضاعف كلفة المواجهة
تزداد حساسية التصعيد مع تعرض خط أنابيب شرق غرب لهجوم بمسيّرات، قالت الخارجية السعودية إنها قدمت من العراق، وأسفر عن إصابات بشرية وأضرار، فيما تحدثت المعطيات الواردة عن توقف الخط الحيوي.
وتنبع أهمية الخط من دوره في نقل الخام إلى الساحل الغربي، خصوصًا مع اضطراب العبور عبر مضيق هرمز، ما يمنح منشآت البحر الأحمر وزنًا أكبر في استمرار الصادرات وتخفيف الاختناقات النفطية.
وتبرز ينبع في هذا السياق باعتبارها مركزًا رئيسيًا لصناعة النفط وتصديره، ولذلك يكتسب إدراجها ضمن نطاق الإنذار دلالة اقتصادية وأمنية، حتى مع إعلان انتهاء الخطر وعدم ارتباط التحذير وحده بوقوع أضرار.
وتضع الهجمات المتزامنة على مسارات الطاقة والمناطق السكنية الرياض أمام تحديين متداخلين؛ حماية الداخل من المقذوفات والمسيّرات، وضمان استمرار تدفقات النفط، دون السماح بتحول كل حادثة إلى مدخل لتوسيع الحرب إقليميًا.
وأعلنت الخارجية السعودية أنها آثرت عدم الرد في المرحلة الحالية، استجابة لطلب رئيس الوزراء العراقي إتاحة الفرصة لحكومته لمنع الاعتداءات، مع تأكيد احتفاظ المملكة بحق حماية أمنها وسيادتها ومنشآتها وسكانها.
ويكشف هذا الموقف محاولة للفصل بين مسارات الاشتباك؛ فالتعامل مع هجمات تُنسب إلى جهات داخل العراق يفرض اعتبارات مختلفة عن مواجهة الحوثيين، بينما قد يؤدي جمع الساحتين إلى مضاعفة التعقيدات العسكرية والدبلوماسية.
وحذرت سينزيا بيانكو، الباحثة الزائرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، من أن مواجهة واسعة قد تتجاوز اليمن وتستدرج إيران إلى صراع أكبر، بما يضع السعودية مباشرة أمام احتمالات نزاع إقليمي أشد خطورة.
وتحمل هذه المخاطر بعدًا إنسانيًا مباشرًا، إذ قد تعيد الحرب الواسعة مفاقمة أزمة اليمن، حيث يحتاج نحو 22 مليون شخص إلى المساعدات، بينما تهدد المعارك الخدمات الأساسية وقدرة الأسر على الوصول للغذاء والعلاج.
الدبلوماسية تتراجع أمام حسابات الردع
لا تبدو المساندة الأمريكية محسومة بالصورة التي تحتاجها الرياض لخوض مواجهة مفتوحة، إذ تشير المعلومات الواردة إلى تحفظ واشنطن على الانخراط العسكري المباشر، بالتوازي مع استمرار الحديث عن تعاون استخباراتي واستشاري.
وتحدثت مصادر عن محادثتين بين ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبحث التطورات، مع اختلاف الروايات بشأن طبيعة الطلب السعودي، وما إذا كان يتعلق بضربات عسكرية أو بتوفير معلومات استخباراتية.
وقال نواف عبيد، الباحث في كلية كينغز كوليدج بلندن والمستشار السابق للحكومة السعودية، إن طلب الرياض انصب على المعلومات الاستخباراتية، وليس تنفيذ غارات أمريكية، بما يعكس تباين التقديرات حول مستوى الدعم المطلوب.
وفي السياق نفسه، وردت معلومات عن إرسال نحو مائة مستشار عسكري أمريكي إلى السعودية، لكن وجود دعم استشاري، إذا تأكد، لا يساوي قرارًا أمريكيًا بالمشاركة المباشرة في العمليات أو تحمل تبعات توسعها.
أما المسار السياسي فيواجه بدوره عقبات متزايدة، بعدما لم تنجح التحذيرات والإدانات المتكررة في وقف التصعيد، وفق تقييم بيانكو، التي ترى أن سياسة الصبر الاستراتيجي السعودية وصلت إلى مرحلة شديدة الصعوبة.
ويعتبر الباشا أن الوصول إلى اتفاق مع الحوثيين قد يستلزم تنازلات سعودية كبيرة، وهو احتمال يرفع الكلفة السياسية للتفاوض، خصوصًا إذا جرى تحت ضغط التقدم الميداني والهجمات المتواصلة على المصالح الحيوية.
من جانبه، توقع المحلل السعودي سلمان الأنصاري ارتفاع وتيرة الحملة العسكرية الحكومية اليمنية، لكنه شدد على أن الرياض لن تتجه إلى حرب شاملة دون دعم دولي قوي ومستمر وواضح يساند تحركاتها.
ولا تتوقف فرص التهدئة على خفض وتيرة الهجمات وحده، بل ترتبط بوجود ترتيبات قابلة للتنفيذ، تضمن حماية المدنيين وتمنع تجدد التهديدات للممرات البحرية والمنشآت الحيوية.
وبين رد عسكري قد يفتح جبهات إضافية وتفاوض قد يفرض تنازلات مؤلمة، تقف السعودية أمام اختبار إدارة التصعيد، فيما يبقى المدنيون وأمن الملاحة وإمدادات الطاقة الأكثر تعرضًا لتداعيات أي إخفاق جديد في الاحتواء.

