تتداخل الكارثة البيئية في قطاع غزة مع تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، لتكشف وجوها متصلة لاستنزاف الحياة الفلسطينية، بين مياه صرف تحاصر الخيام، وركام تتكاثر حوله الآفات، وهجمات تستهدف البيوت والأرض ومصادر الرزق، على امتداد القطاع والضفة المحتلة.

 

وفيما تواجه بلديات القطاع انهيارا واسعا في شبكات الصرف والمعالجة، تتعرض تجمعات فلسطينية بالضفة للاعتداء والتهجير والاستيلاء على الممتلكات، وسط تحذيرات من شتاء يضاعف معاناة النازحين، وتوسع استيطاني يفرض وقائع جديدة على الأرض، وتضاعف أعباء الأسر الفلسطينية يوميا.

 

مياه الصرف تحاصر خيام النازحين

 

لم تعد مياه الصرف في غزة مشكلة خدمية عابرة، بعدما دفع تدمير الشبكات ومحطات الضخ والمعالجة البلديات إلى خيارات اضطرارية، توازن بين إغراق الأحياء والخيام بالمياه العادمة وتصريفها دون معالجة باتجاه البحر، رغم ما يحمله من تلوث.

 

وبحسب المتحدث باسم بلدية خان يونس صائب لقان، دمرت إسرائيل أكثر من ثلاثين ألف متر طولي من شبكات الصرف بالمدينة، بينما تعذر وصول الطواقم إلى محطة المعالجة الرئيسية والمكب الرئيسي بمنطقة صوفا شرقا، نتيجة القيود المفروضة على الحركة.

 

وأوضح لقان أن البلدية تضخ اضطراريا ما بين ستة آلاف وعشرة آلاف متر مكعب يوميا نحو الشاطئ، تجنبا لغرق المناطق المنخفضة وتجمعات النازحين، في إجراء يعكس انهيار البدائل المتاحة لحماية السكان، مع استمرار تعطل مرافق المعالجة.

 

وفي مدينة غزة، قال المتحدث باسم البلدية حسني مهنا إن أكثر من أربعة وعشرين ألف متر مكعب تتسرب يوميا إلى الساحل، بعد تدمير نحو مئتين وعشرين ألف متر من شبكة الصرف الصحي، وتعطل أجزاء واسعة من المنظومة.

 

وتقتصر قدرة البلدية على تشغيل محطتين للضخ من أصل ثماني محطات، بينما تتجمع المياه العادمة بالشوارع والمناطق المنخفضة وبركة الشيخ رضوان، التي انتقلت من وظيفتها الأصلية لتجميع الأمطار إلى استقبال الصرف المتسرب، مع تراجع قدرة الشبكات المتضررة.

 

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، كانت محطات معالجة الصرف الست بالقطاع خارج الخدمة مطلع سبتمبر، مع توقف نحو سبعين بالمئة من محطات الضخ وتصريف أكثر من مئة وخمسين ألف متر مكعب يوميا.

 

وتشير البيانات الأممية إلى تعرض نحو ستين بالمئة من السكان للصرف أو الفضلات البشرية على مسافة تقل عن عشرة أمتار من مساكنهم، بما يجعل التلوث ملازما للحياة اليومية داخل تجمعات النزوح المكتظة، ويزيد صعوبة الابتعاد عن مصادره.

 

ويخشى النازح فريد العقاد، المقيم على شاطئ خان يونس، اجتياح المياه الملوثة خيمته مع الأمطار، بينما يصف نازحون الروائح والحشرات بأنها عبء مستمر، وسط مطالب بإصلاح الشبكات وإتاحة المعدات والوقود ونقل الأسر المعرضة للخطر.

 

الركام والنفايات يفاقمان انتشار القوارض

 

وتتجاوز تبعات انهيار الخدمات مشاهد المياه الراكدة، إذ يوفر تراكم الأنقاض والنفايات وبقايا الطعام ظروفا تساعد القوارض على الاختباء والتكاثر، في بيئة أنهكها النزوح والاكتظاظ وتعطل جمع المخلفات وتراجع إمكانات المكافحة المنتظمة.

 

وتتحدث تقارير وشهادات من التجمعات الإسرائيلية المحاذية لغزة عن تزايد الفئران والجرذان داخل المنازل والحقول والمنشآت، مع أضرار بالمحاصيل والكابلات والمواد الغذائية، وحالات عض لسكان، بينهم أطفال، واتساع عمليات المكافحة المحلية.

 

لكن الربط بين هذه الظاهرة والدمار داخل القطاع يحتاج إلى ضبط، فوجود بيئة مواتية لتكاثر القوارض لا يثبت تلقائيا أن الحيوانات المرصودة بالمناطق المحيطة انتقلت من غزة، أو أنها تنتمي إلى تجمعات واحدة.

 

وقد ينشأ الانتشار من تكاثر تجمعات موجودة أصلا قرب الحقول والمساكن، بالتزامن مع تغير مصادر الغذاء والمأوى؛ أما إثبات انتقالها عبر الحدود فيتطلب رصدا ميدانيا وتحديد الأنواع ودراسة الصلات بين تجمعاتها.

 

داخل غزة، تبقى المشكلة أكثر مباشرة بالنسبة للأسر المحاصرة بالنفايات والصرف، حيث يصعب فصل أماكن النوم وإعداد الطعام عن مصادر التلوث، وتتحول الحشرات والقوارض إلى ضغط إضافي على حياة تفتقر لأبسط الخدمات.

 

وتحذر المعطيات البيئية الواردة عن القطاع من تلوث المياه والتربة والساحل، فيما ترجح منظمة الأمم المتحدة للبيئة زيادة تلوث الخزان الجوفي بسبب انهيار الصرف وتضرر الشبكات، مع استمرار صعوبة إجراء فحوص شاملة.

 

ويضيف الركام عبئا معقدا إلى هذه الصورة، إذ تشير التقديرات الأممية الواردة إلى نحو واحد وستين مليون طن، قد يحتوي بعضها على الأسبستوس ومخلفات صناعية ومعادن ثقيلة، ما يعقد الإزالة والتعافي البيئي مستقبلا.

 

وتكشف الأزمة أن إصلاح البيئة يحتاج إلى استعادة خدمات المياه والصرف وإدارة النفايات وإزالة الركام بصورة مأمونة، وتمكين الطواقم من الوصول والعمل، إذ تبقى حملات الرش والمصائد محدودة الأثر أمام استمرار أسباب التدهور.

 

اعتداءات المستوطنين توسع دوائر الاقتلاع

 

بالتوازي مع كارثة غزة، شهدت مناطق متفرقة بالضفة الغربية اعتداءات طالت السكان والمنازل والكهرباء والمواشي، إلى جانب خطوات لإقامة بؤر استيطانية، في مشهد يضغط على قدرة الفلسطينيين على البقاء والعمل بأراضيهم.

 

وفي قرية أبو انجيم جنوب شرقي بيت لحم، أصيب المسن أبو رمزي خليف وزوجته برضوض، إثر اعتداء مستوطنين عليهما خلال مهاجمة منزلهما قرب إسكان الجامعة، بحسب مصادر أمنية أوردت تفاصيل الواقعة.

 

وفي بيت إكسا شمال غربي القدس، شرع مستوطنون بحماية قوات الاحتلال في وضع منشآت وتجهيزات بمنطقة خربة العلاونة، لإقامة بؤرة استيطانية جديدة، هي الثانية على أراضي القرية خلال نحو أربعة أشهر.

 

ويخشى الأهالي أن تؤدي البؤرة إلى تقييد وصولهم لأراضيهم، وتمهيد طرق تخدم توسع المستوطنين، بينما تعاني القرية أصلا من تشديد السيطرة على المداخل والحركة، بما يزيد صعوبة استغلال الأراضي واستمرار النشاط الزراعي.

 

وفي واد الرخيم جنوب يطا، قطع مستوطنون وأحرقوا كابل الكهرباء المغذي للمنطقة، فتوقف التيار عن السكان، في اعتداء يضيف تعطيل الخدمات الأساسية إلى أدوات التضييق المستخدمة ضد التجمعات الفلسطينية ومقومات بقائها.

 

وفي حوارة بمسافر يطا، أجبرت قوات الاحتلال عيسى مسعف وعائلته على مغادرة مسكنهم، بحسب مصادر محلية، بعد طرد سابق ومحاولات مستوطنين السيطرة عليه، فيما أبعدت نساء فلسطينيات مستوطنين ومواشيهم عن المنطقة.

 

وفي دير دبوان شرق رام الله، قالت منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو إن مستوطنين سرقوا نحو ثلاثمئة رأس من الأغنام وحصانا للمزارع يوسف فواز عواودة، مستهدفين موردا أساسيا لمعيشة أسرته.

 

وبين خيام غزة وأراضي الضفة، تتعدد وسائل تقويض الحياة الفلسطينية، من تدمير البنية الأساسية إلى الاعتداء على السكن والرزق، بينما تزداد الحاجة إلى تدخل يحمي المدنيين ويوقف الاعتداءات ويتيح إصلاح الخدمات قبل تفاقم المأساة.