لم تكن هجرة المسلمين إلى الحبشة مجرد انتقال من وطن اشتد فيه الأذى إلى أرض يرجون فيها السلامة، وإنما كانت حدثًا تربويًا ودعويًا كشف عن مكانة الإنسان، وأهمية العدل، ومسؤولية القيادة عن حماية المؤمنين. ففي هذه التجربة التقت قوة العقيدة بحكمة التدبير، وظهر أن الثبات على الدين لا يتعارض مع البحث عن الأمان.

 

وتقدم الهجرة دروسًا تتجاوز زمانها، تبدأ بالرحمة بالمضطهدين، وتمتد إلى حسن اختيار الملجأ، والتعاون مع المخالف في الدين، وشرح الحق بالحكمة. كما تكشف أن محبة الوطن لا تقتضي الاستسلام للظلم، وأن حفظ الأرواح يتيح للدعوة الاستمرار، ويصون قدرة أصحابها على العبادة والعمل والإصلاح وخدمة الناس.

 

 

الثبات الذي تصونه الرحمة

 

تحمل المسلمون الأوائل صنوف الإيذاء، لكن الاضطهاد لم ينجح في انتزاع إيمانهم، لأن اليقين منحهم طمأنينة تعلو على الخوف. ويبرز مصطفى السباعي في تناوله للسيرة أن صدق العقيدة يسمو بالنفس، ويجعل رضا الله أعظم عند المؤمن من الراحة العاجلة والمكاسب الزائلة.

 

غير أن هذا الثبات لا يعني طلب العذاب أو تعريض النفس للهلاك، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى طريق النجاة. وبذلك جمعت التربية النبوية بين الصبر على الابتلاء والأخذ بالأسباب التي ترفع الضرر وتحفظ للمؤمن دينه وكرامته.

 

وكان توجيههم إلى الحبشة شاهدًا على شفقته بأصحابه، وحرصه على أمنهم، إذ اختار لهم ملكًا عادلًا يأمنون عنده الظلم. فالرحمة هنا موقف عملي يبحث عن المأوى، ويدفع الأذى، ويمنح المستضعفين فرصة لاستعادة الاستقرار ومواصلة حياتهم.

 

ومن هذا المعنى تتحدد مسؤولية القادة والدعاة في كل عصر؛ فالأتباع أمانة، وحمايتهم واجب، والتخطيط لمستقبلهم جزء من حسن الرعاية. ولا تكتمل الدعوة بخطاب يدعو إلى الصبر وحده، بينما يهمل الوسائل الممكنة لحفظ النفوس وتخفيف المعاناة وصيانة البيوت والأسر من آثار القهر والتشريد.

 

 

العدل أساس اختيار الملجأ

 

يكشف اختيار الحبشة أن العدل معيار أصيل في تقدير صلاحية المكان للحماية والإقامة. فقد كانت أرضًا يحكمها ملك نصراني حين قصدها المهاجرون، ومع ذلك وجدوا فيها مأمنًا، بعدما ضاقت عليهم مكة بما مارس فيها المشركون من تضييق وتعذيب.

 

وهذه دلالة دعوية على إنصاف المخالف، والاعتراف بما عنده من خير، وبناء التعامل على معرفة واقعه وأخلاقه. فالاختلاف الديني لا يمنع تقدير عدالة الحاكم، ولا يلغي إمكان التعاون على حماية المظلوم ومنع الاعتداء وصون الحقوق.

 

كما تتجلى في الهجرة إمكانية الاستظلال بحماية غير المسلم عند الحاجة، وتذكر السيرة صورًا أخرى للجوار، منها حماية أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم، ودخوله مكة في جوار المطعم بن عدي بعد عودته من الطائف.

 

وتمنح هذه الوقائع المسلم بصيرة في التعامل مع المجتمعات المختلفة، فيحفظ عقيدته، ويقابل الإحسان بالوفاء، ويحترم من آواه. ومن واجب الخطاب الدعوي إبراز هذه القيم، وترسيخ كرامة الضيف والمستجير والمهاجر، بعيدًا عن التعميم الجائر على الناس بسبب اختلاف معتقداتهم أو أوطانهم، وبما يعزز الثقة والتعارف والتعاون الإنساني.

 

 

حكمة القيادة وحسن التدبير

 

لم يكن اختيار وجهة الهجرة ارتجالًا، بل دل على معرفة بأحوال المحيط، وتمييز بين مواطن الخطر وفرص الأمان. ويستفاد منه أن القيادة تحتاج إلى فهم واقع الأمم والحكومات، حتى تتخذ قراراتها على بصيرة وتقدير للمآلات.

 

كذلك أظهرت طريقة الخروج عناية بالأسباب، إذ تحرك المهاجرون خفية وفي نطاق محدود، تجنبًا لإحباط رحلتهم. وتورد المادة أن عددهم في الهجرة الأولى لم يزد على ستة عشر فردًا، وأن مطاردة قريش جاءت بعدما تمكنوا من المغادرة.

 

والدرس هنا أن التوكل لا يناقض الحذر، وأن صدق المقصد يحتاج إلى وسائل رشيدة تحمي أصحابه. فالاندفاع غير المحسوب قد يبدد الجهود، بينما يفتح التخطيط المسؤول أبوابًا لاستمرار العمل والدعوة في ظروف بالغة القسوة.

 

وكان بين المهاجرين عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله، كما هاجر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم. ويبرز وجود المقربين من النبي بينهم معنى المشاركة في التبعات؛ فلا ينفرد الضعفاء بالمشقة، ولا يصبح قرب الإنسان من القيادة سببًا لإعفائه من المسؤولية أو تمييزه على سائر المؤمنين.

 

 

الدعوة بالحكمة وحفظ الهوية

 

أتاحت الحبشة للمسلمين عرض قضيتهم خارج البيئة التي اضطهدتهم، وشرح حقيقة دينهم وعدالة مطلبهم في الأمان. وكان لجعفر رضي الله عنه دور في التعبير عنهم، بما يكشف أهمية اختيار من يحسن البيان، ويمتلك العلم والاتزان وحسن مخاطبة الآخرين.

 

ولم تكن حماية الدعوة منفصلة عن حماية أصحابها؛ فاستقرار الإنسان يوسع قدرته على التعلم والعبادة والتواصل. كما أن وجود المسلمين في أرض جديدة أتاح التعريف بالإسلام، وأظهر أثر الأخلاق في تقديم صورته بعيدًا عن تشويه الخصوم وضغطهم.

 

وتؤكد التجربة أن مغادرة الوطن طلبًا للسلامة الدينية لا تنفي محبته، وأن الانتماء لا يوجب قبول الاضطهاد. وقد نال السابقون منزلة رفيعة، ومن الثناء القرآني عليهم قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾، بما يبرز فضل المبادرة إلى الإيمان والثبات.

 

وعجزت قريش عن انتزاع المهاجرين من مأمنهم، فظهر أثر عدالة القضية وحسن عرضها. وتلك رسالة للدعاة بأن قوة الحجة، والصدق، واحترام المخاطب، وسائل مؤثرة في رد التشويه وكسب الإنصاف، وأن الحفاظ على الهوية ينسجم مع التعامل الكريم والانفتاح المسؤول على المجتمع المضيف.

 

 

التيسير والوفاء للمهاجرين

 

ومن الدروس المتصلة بالهجرة مراعاة حال من لم يبلغه الحكم الشرعي، وهي مسألة تختلف عن تعمد الإعراض عن التعلم. وقد استشهد ابن تيمية بحال المسلمين البعيدين عن المدينة لبيان أثر عدم بلوغ العلم في التكليف.

 

قال ابن تيمية: «ولمّا زيد في صلاة الحضر حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كان من بعيدًا عنه، مثل من كان بمكة وبأرض الحبشة، يصلون ركعتين، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة».

 

ويرتبط بالهجرة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة رضي الله عنها، وفيه معنى الوفاء للمهاجرات. وروى أبو داود عنها: «أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة». [أبو داود: 2107].

 

وتبقى هجرة الحبشة درسًا في إيمان يحفظ الكرامة، وقيادة ترعى الإنسان، وعدل يؤوي المظلوم، ودعوة تبلغ رسالتها بالصدق والرحمة والحكمة، وتصون حقوق المستجير والمهاجر.

........................................

المصادر والمراجع:

1. الطبري، محمد بن جرير. تفسير الطبري "جامع البيان في تأويل القرآن".

2. المغراوي، محمد بن عبدالرحمن. التدبر والبيان في تفسير القرآن بصحيح السنن.

3. ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد"، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

4. الشنقيطي، محمد الأمين. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1415هـ، 1995م.

5. السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تفسير السعدي "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان".

6. ابن قيم الجوزية. مفتاح دار السعادة، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، السعودية، ط1، 1997م.

7. سيد قطب. في ظلال القرآن.

8. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله، دار ابن كثير.