تكشف المؤشرات الأولية لحصر المشروعات العقارية المتأخرة عن أزمة تتجاوز إخفاق المطورين في الالتزام بالعقود، لتضع الحكومة أمام مسؤوليتها عن سوق تستقبل مدخرات المواطنين، بينما تتعثر فيها ضمانات التسليم والمحاسبة.
وبحسب مصدر بلجنة متابعة المشروعات بوزارة الإسكان، بلغ عدد المطورين المتأخرين نحو 450 مطورًا، وسط شكاوى امتدت لسنوات، فيما تدرس الوزارة حلولًا تثير سؤالًا مباشرًا حول أولوية حماية المشترين.
مدخرات المواطنين رهينة وعود التسليم
يشمل الحصر الجاري نحو 15 ألف مشروع أو مرحلة عقارية قيد التنفيذ، وفق المعلومات المنقولة عن المصدر، الذي أكد استمرار أعمال المتابعة عبر أجهزة المدن، بما يجعل النتائج الأولية قابلة للتغير.
لكن الأرقام المطروحة تستدعي تدقيقًا ضروريًا؛ فنسبة التأخير البالغة 3% تتعلق بالمشروعات، بينما نُسب الرقم 450 إلى المطورين، وهما وحدتان مختلفتان لا يجوز اعتبارهما متطابقتين دون بيانات تفصيلية منشورة.
وهذه الفجوة المعلوماتية ليست مسألة هامشية، لأن تقييم حجم الأزمة يتطلب معرفة عدد الشركات والمشروعات والوحدات والأسر المتضررة، وقيمة الأموال المحصلة، بدل الاكتفاء بنسبة إجمالية قد تحجب تفاوت الأضرار.
وتشير الشكاوى الواردة في المادة المتاحة إلى تأخر تسليم بعض الوحدات من أشهر إلى ثلاث سنوات، بينها حالة في القاهرة الجديدة سدد صاحبها نحو 80% من قيمة وحدته دون استلامها.
وفي مشروع آخر بالشيخ زايد الجديدة، امتد التأخير لنحو ثلاث سنوات مع استمرار سداد الأقساط، بما يكشف اختلالًا قاسيًا بين التزام المشتري بالدفع وقدرة المطور على تأجيل تنفيذ التزامه الأساسي.
اقتصاديًا، يعني هذا التأخير تجميد أموال كان يفترض أن تتحول إلى مسكن، وقد يضيف نفقات إيجار وانتقال إلى الأقساط، بينما تتحمل الأسرة اضطراب خططها المعيشية دون موعد موثوق لانتهاء الأزمة.
وفي تصريحات منشورة خلال أغسطس، انتقد الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، عجز الأدوات التنظيمية القائمة عن ضمان التزام المطورين، معتبرًا أن اللجان المؤقتة لا تكفي، وأن المعالجة تحتاج إصلاحات تنظيمية وتشريعية.
وأشار نافع إلى تعثر تطبيق إجراءات سابقة لضبط البيع قبل التنفيذ، وربط ذلك بالبيروقراطية وتداخل المصالح، محذرًا من إعادة الأساليب نفسها دون تغيير فعلي في آليات الرقابة وصلاحيات التدخل.
وتدعم هذه القراءة مساءلة الحكومة عن توقيت تحركها؛ فالرقابة التي تنتظر تراكم الشكاوى لا توفر حماية مبكرة للمدخرات، والحصر اللاحق لا يعوض المشترين عن سنوات ضاعت بين الأقساط والوعود.
إنقاذ المطورين يختبر عدالة الدولة
تطرح وزارة الإسكان، بحسب المصدر، ثلاثة مسارات للتعامل مع التأخير، تشمل إدخال شريك جديد، وسحب الأراضي وإعادة طرحها، أو مشاركة هيئة المجتمعات العمرانية في مشروعات تتوافر لها جدوى اقتصادية.
يقوم المسار الأول على شراكة بين المطور المتعثر ومستثمر قادر على تمويل استكمال البناء، مع تحديد حصص الأطراف بحسب مساهماتها، لكن نجاحه يتوقف على التزامات واضحة تجاه المشترين ومواعيد التسليم.
أما سحب الأراضي فيظل خيارًا قيد الدراسة للحالات التي يثبت فيها توجيه أموال المشروع إلى أغراض أخرى، ومنها شراء أراضٍ إضافية، وفق المصدر، وليس اتهامًا ثابتًا بحق جميع المتأخرين.
والفارق هنا جوهري بين شركة أرهقتها زيادة التكاليف، وشركة يثبت تحويلها حصيلة العملاء بعيدًا عن التنفيذ؛ إذ تتطلب كل حالة معالجة مختلفة، دون تسوية المسؤوليات تحت عنوان فضفاض هو التعثر.
وقد يتيح دخول هيئة المجتمعات العمرانية استكمال مشروعات قابلة للاستمرار، لكنه يفتح سؤالًا رقابيًا حول تقييم الأصول وتوزيع المخاطر، وضمان ألا تتحول الشراكة إلى تحميل الموارد العامة خسائر قرارات خاصة.
وفي موقف منشور خلال يوليو، طالب هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، بإنشاء هيئة مستقلة لتنظيم العلاقة بين المطورين والمشترين، محذرًا من مخاطر الفقاعة العقارية، ومؤكدًا الحاجة إلى حماية حقوق أطراف السوق.
وتبرز أهمية الاستقلال الرقابي عند مناقشة مشاركة جهة حكومية في مشروعات متعثرة؛ إذ يحتاج المشترون إلى جهة تفصل في الشكاوى وتراقب التنفيذ، دون أن تتأثر قراراتها بمصلحة مالية في المشروع.
ومن منظور حماية العملاء، لا يكفي الإعلان عن مستثمر بديل أو اتفاق شراكة؛ المطلوب تحديد مصير العقود والأسعار والمدفوعات السابقة، وآلية التعامل مع التأخير، قبل الاحتفاء بأي صفقة باعتبارها إنقاذًا.
كما ينبغي إعلان نتائج الفحص وأسباب اختيار كل مسار، لأن غياب الشفافية يسمح بتقديم تسويات مالية بين الشركات بوصفها نجاحًا عامًا، بينما يظل المشتري عاجزًا عن معرفة موعد استلام وحدته.
سياسات الأراضي تعمق مأزق السكن
بالتوازي مع الحصر، أعلنت الوزارة نهاية أغسطس منظومة جديدة لتخصيص الأراضي الاستثمارية، تتضمن سداد مقدم الحجز كاملًا عند التقدم، وإجراء المفاضلة إلكترونيًا، بهدف معلن هو التحقق من جدية الشركات.
وتشمل المنظومة خمس آليات، بينها البيع بالجنيه، والتخصيص بالعملة الأجنبية، والانتفاع، وخصم المستحقات الحكومية، ومسار لكبار المطورين يتيح التفاوض على السعر والسداد وفق ضوابط الفرص الاستثمارية المطروحة أمام الشركات المتقدمة.
لكن قدرة الشركة على دفع مقدم الأرض لا تثبت وحدها قدرتها على استكمال البناء؛ فالمعيار الأهم للمشتري هو كفاية التمويل طوال التنفيذ، وانتظام الإنفاق، ووجود متابعة تمنع تراكم فجوات التسليم.
وتحتاج التسهيلات التفاوضية الممنوحة لكبار المطورين إلى إفصاح يوضح معايير الاستحقاق وحدودها، حتى يستطيع الجمهور تقييم عدالة تخصيص الأراضي، ومدى ارتباط المزايا الممنوحة بالتزامات قابلة للقياس تجاه العملاء والمشروعات.
وفي دراسة سابقة، تناول يحيى شوكت، الباحث في سياسات الإسكان والعمران، قصور حماية المشترين عبر إشكالات التسجيل وتزاحم البيوع، منتقدًا تناقضات إدارة الدولة للملكية والفجوة بين صورتها التنظيمية والحماية الفعلية.
ورغم اختلاف موضوع دراسته عن الحصر الحالي، فإنها تقدم منظورًا لفهم الأزمة؛ فوجود العقود والإجراءات الرسمية لا يكفي عندما تظل قدرة المواطن على تأمين ملكيته وانتفاعه بالسكن أضعف من المخاطر.
وتضيف طلبات التخارج مؤشرًا آخر على الضغوط؛ إذ أعلنت شركة عقار إكزت تلقي طلبات تخص أكثر من 4800 وحدة، بقيمة تجاوزت 60 مليار جنيه، خلال نحو 15 يومًا من إطلاق منصتها.
وهذه بيانات تعلنها شركة عن نشاطها، ولا تمثل حصرًا شاملًا للسوق أو صفقات بيع مكتملة، لكنها تطرح أسئلة بشأن قدرة بعض المشترين على مواصلة الأقساط وتسييل التزاماتهم العقارية عند الحاجة.
ولا تثبت طلبات التخارج وحدها انهيار السوق، كما لا تكفي أرقام المبيعات لإثبات سلامته؛ فالاختبار الحاسم يشمل البناء والتسليم والتحصيل، وقدرة الأسر على السداد، وحجم الالتزامات المؤجلة لدى الشركات المطورة.
وبين مشترٍ ينتظر وحدته وآخر يبحث عن مخرج من أقساطها، تواجه الحكومة حصيلة سياسات تحتاج مراجعة جذرية؛ فزيادة طروحات الأراضي لا تجيب عن سؤال حماية الأموال التي دخلت السوق بالفعل.
وتبدأ المحاسبة الجادة بنشر نتائج الحصر وتحديد المسؤوليات ومراقبة أموال المشروعات، وتنتهي بتسليم الوحدات ومعالجة أضرار التأخير؛ أما تدوير اللجان والوعود فيترك المواطن يدفع ثمن رقابة تتحرك بعد وقوع الضرر.

